هلاك الأمم له أشكال وألون متعددة، وليس على نمطٍ واحد، أو شكل بعينه، أو صورة واحدة، ومحددة، إنما يتعدد هذا الهلاك أو العذاب بتعدد الأسباب واختلاف المبررات الداعية إليه، فالعبرة ليست بالصورة التى يتم بها هذا العذاب أو الانتقام الرباني، وإنما بالأسباب والمبررات التي أدَّت إليه، خاصةً أننا نعلم يقينًا أنَّ الله- عزَّ وجل- يمهل ولا يهمل، وأنه تعالى "يُملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته"، وأنه هو القائل ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ(45)﴾ (القلم)، وأنه سبحانه لا يُعجِّل بالعقوبة ولا يُوقِّعها فور وقوع الخطأ أو التجاوز الذي يحدث من الأفراد أو الأمم، ولكن رحمته اقتضت استنفاد كل الوسائل التي من شأنها درء هذا العقاب وترحيل موجباته وتأجيل أحداثه، لعل تكون هناك توبة أو أوبة، أو رجوع إلى الحق والتماس سبل النجاة، ويكون ذلك الرجوع على يد داعية للإصلاح، أو نذير يذكر الناس بالمال الوخيم الذي ينتهي إليه حالهم.. ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ (59)﴾ (القصص).
قلنا إنَّ من رحمةِ الله عز وجل بعباده ألا يُعجِّل بالعقوبة، لكل ما يقع من الأفراد أو الأمم من معاندة ومحاربة له، ومصادمة لمنهجه، وتنكب طريق الحق، واتباع سبيل الفساد والباطل، وإشاعة الفسق والفجور والفواحش بين المؤمنين لتتم الفتنة ويعم الفساد والخراب، وينتهي الأمر إلى الاضمحلال والضياع.
إن كل هذه المصائب والمفاسد وما إليها، ينظر إليها الله عزَّ وجل على أنها أمور قابلة للإصلاح والتغيير، وأنه بالإمكان تداركها، بنوعٍ من الصبر، وثبات الداعين على دعوتهم وعدم ترك الساحة، والفرار من المعركة المحتدمة بين أهل الحق وأهل الباطل؛ لأن هذه المواجهة حتمية وفطرية في آنٍ واحد، حتمية من حيث إنها ضرورة وفطرية، من حيث إن الله اقتضت حكمته أن يكون الصراع مستمرًّا؛ لئلا تفسد الحياة على وجهِ الأرض، وحتى لا يتمكَّن الباطل، وأعوان الشيطان من القضاء المبرم على كل ألوانِ الخير في هذه الحياة.. ﴿وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (251)﴾ (البقرة)، ﴿وَلَوْلاَ دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ (الحج: من الآية 40).
ولذلك فإنَّ الله عز وجل لا يُعجِّل بالعقوبة بل يترك الأمر لسننه الكونية، وسننه في واقعِ الحياة والنفوس، ولإحداث التفاعل بين أهل كلٍّ من الحقِّ والباطل ليأخذ مداه، ويسير إلى آخر الخطوات.. ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (42)﴾ (الأنفال).. ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا (45)﴾ (فاطر).
والدعاة إلى الله لا يتمنون أبدًا هلاك الأمم ولا دمارَ الكون؛ ذلك أن دورهم الأصيل هو العمل مع الناس، ومد جسور الهداية إليهم، والأخذ بأيديهم إلى سبيلِ الرشد وإعانتهم ليكونوا عبادًا لله، يُقيمون أمره ويلتزمون منهجه في واقعِ نفوسهم وفي واقع الحياةِ على وجه أرض الله؛ ولذلك رأينا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وهو راجع من "ثقيف" وبعد ما ناله منهم من الأذى، يرفض تمامًا أن يُطْبِق الله عليهم "الأخشبين"؛ أي يهلكهم، لعل الله يوجد من أصلابهم مَن يعبد الله، فرسول الله- صلى الله عليه وسلم- لم يفرح بتعجيل العقوبة، وإن كانت ظروفه وواقعه في ذلك الوقت تزين له هذا التعجيل، إذن فالدعوة تُربِّي أبناءها على الصبر على المكاره، وتعودهم على الجلد عند ملاقاة صنوف الأذى وألوان المكر، وفي ذلك كل الخير للدعوة وللناس أجمعين.
وألوان الهلاك التي أصابت الأمم السابقة كثيرة ومتعددة، وما زالت هذه كلها مرشحة أن تعود وتتكرر، كلما عاد وتكرر سببها وموجبها.. ﴿فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (40)﴾ (العنكبوت).
كما أن ألوانًا من البلايا والمصائب قد حدثت من قبل، وما زالت قابلةً لتحدث في عالم اليوم هنا أو هناك، بحسب ما يريد الله ويقدِّر ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلاَتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (133)﴾ (الأعراف).. ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (130)﴾ (الأعراف).
ونحن في هذه الأيام أمام محنة شديدة فقيادة العالم الآن في يدٍ غير أمينة وغير مؤهلة لقيادة البشرية إلى الهداية والرشاد وإلى الإصلاح الشامل الذي يعمُّ فيه الخير البشرية كل البشرية، مع اختلاف الألوان والأجناس والأديان، فالناس لآدم وآدم من تراب، لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى، والإنسان في منهج الله له كل الاحترام والتكريم من حيث أنه إنسان ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً (70)﴾ (الإسراء).
ولنتأمل في هذا الصدد نموذجين:
الأول: الرئيس الأمريكي الغاربة أيامه المنتهية ولايته، كيف يأتي الآن وفي هذه الأيام وبعدما (خربت مالطة) أي بعد ما عاث في الأرض فسادًا، وأعلنها حربًا لا هوادةَ فيها، على الإسلام والمسلمين حقيقةً أو على الإرهاب ادعاءً، وبعدما دمَّر أفغانستان والعراق وفلسطين، وأهلك الحرث والنسل، وأتى على كلِّ الثروات والموارد ومصادر الخير وبعد قتل الآلاف بل الملايين من العرب والمسلمين، وبعد استعمال القوة الباطشة، هذا الرئيس المجنون الذي نسأل الله أن يُجزيه بما هو أهله، كيف يأتي الآن ليعلن على الملأ أنه قد أشعل الحرب على العراق بناءً على معلومات مخابراتية خاطئة، وأظنها كذلك على أفغانستان، وجميع النقاط الساخنة في بلاد المسلمين، ثم مَن يتحمل مسئولية هذا الدمار والخراب والإبادة طوال هذه السنوات، التي بدأت منذ أحداث سبتمبر 2001م المشكوك في صدقها، وفيمن ألصقت بهم ابتداءً وانتهاءً؛ حيث من المؤكد أن هناك أصابع خفية وعقولاً خبيثةً خلف هذه الأحداث الدامية، ليس منها إطلاقًا الشخوص التي تظهر على السطح الآن.
ومن العجيب، أن يعرب هذا الـ(بوش) عن أمله في أن تتذكره شعوب الشرق الأوسط كرجلٍ يحترم الدين الإسلامي وحقوق الإنسان ويحب السلام، كيف ذلك!! وما تزال آثار جرائمه بادية للعيان، وما زال صدى الحرب التي أشعلها ووصفها هو نفسه بأنها حرب صليبية مقدسة!! كيف يدَّعي أنه يحترم الدين الإسلامي؟ وهل يخيل ذلك على عاقل؟.
والنموذج الثاني: هو رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس (أبو مازن) الذي أعلن وهو يؤدي مناسك الحج أن حماس مثل كفار قريش!! منعوا حجاج أهل غزة، وهو يعلم كذب هذا الادعاء، وأنه هو وبطانته الذين أحدثوا هذه الفتنة، ومنعوا تأشيرات الحج عن مستحقيها من حجاج القطاع، ثم كيف يتقبَّل الله حجه ودعاءه وابتهاله، وهو مشاركٌ أصيلٌ ومعه العدو الصهيوني وبعض حكام البلاد العربية المتواطئة، في فرضِ وتكريس الحصار الخانق الظالم على غزة وأهلها، وما زالت حتى الآن تعاني من جريمة هذا الحصار الجائر.
اللهم إنها فتنة، توشك أي تنال الجميعَ بلهيبها وتوابعها الرهيبة، ويومها لا ينفع الندم، والله غالبٌ على أمره.