قرأتُ كلمةَ حقٍّ في جريدة قومية بعنوان: "تعالوا نجَرِّب"، هي في رأيي مقالةٌ نادرة وجميلة وفريدة، نادرةٌ ندرة كلمات الحق هذه الأيام، خاصةً في الصحف القومية، وجميلةٌ لإعلانها عن دعوة حقٍّ، وفريدةٌ لأنها تُعبِّر عن هذه الدعوة مباشرةً، دون مواربةٍ أو التواء، وقد جعلتُها عنوانًا لكلمتي، مع إضافة شرطٍ لها.
يقول الكاتب في معرض الحديث عن الأزمة المالية العالمية: "إن العالم جرَّب النظام الاشتراكي وفشل، وجرب النظام الرأسمالي وها هو يفشل، ولم يحاول أحدٌ في العالم العربي أو الإسلامي أن يدعوَ إلى تجربة نظامٍ ثالث؛ هو النظام الاقتصادي الإسلامي، الذي سبق أن طُبِّق وعُمِل به، وارتقى العالم كله في ظلِّه أيام العصور الذهبية الإسلامية إلى آفاقٍ من الرخاء والنمو لم يصل إليها أي نظام فيما بعد.. إن النظام الاقتصادي الإسلامي نظام متكامل ودقيقٌ غاية الدقة، وتمت تجربته، وأدى إلى نتائجَ عظيمة".
ثم قال: "إن الأقلام العربية تتحاشى الكلام في هذا الموضوع؛ فقد وصلنا إلى زمنٍ أصبح الكلام فيه عن أي شيءٍ يتخذ صفة الإسلام جريمة"، وقال: "إن من المؤسف أن تظهر اليوم- على حياءٍ- أصواتٌ في أوروبا، تطالب البابا بالموافقة على الأخذ بالنظام الاقتصادي الإسلامي، وإذا كانت بعض الأقلام عندنا تخشى الاتهام بالأسلمة أو الإسلامية، فيمكن أن نطلق على النظام الإسلامي لفظًا آخر، يبعد عنهم الخوف والجبن، يمكن أن نسميَه النظام الجديد أو النظام الثالث، ما دام الإسلام أصبح تهمةً، وما دام الحديث عنه أو حوله أصبح مثار الخوف، ولله الأمر".
المقال للكاتب الأستاذ سيد حجازي في جريدة (الأخبار- 24/11/2008م)، وقد لمس جرحًا يبيِّن سبب تأخرنا وتخبّطنا، والشرط الذي أضيفه لدعوة الكاتب، هو أن ثمار الشريعة الإسلامية لغير المؤمنين بها تختلف عن ثمارها للمؤمنين بها، قد يسع الغرب أن يمتنع عن الربا فيتحسَّن اقتصادهم أو عن الخمر ولحم الخنزير فتتحسَّن صحتهم، ويكسبون بعض ثمار الدنيا، ولكننا لا يسعنا في بلادنا أن نستحيَ من نسبة الطاعات إلى إيماننا وإسلامنا، لا يسعنا أن نمتنع عن الربا وعن الخمر وعن الرشوة وعن شهادة الزور إلا طاعةً لله تعالى، والافتخار بتطبيق تعاليمه التي جاءت لسعادة البشرية كلها في الدارين، وهنا نرجو ثمار هذه الطاعات بركةً وتوفيقًا منه سبحانه.
إن هناك فرقًا كبيرًا بين من يصوم إيمانًا واحتسابًا، ومن يمتنع عن الطعام والشراب من الفجر إلى المغرب لراحة معدته.
إن أقلامًا عندنا في بلادنا المسلمة تستحي أن تذكر الإسلام صراحةً سبيلاً للإصلاح، رغم أن غالبيتهم يؤمنون به في ضمائرهم..
كثير من الكتاب ينتقدون تزوير الانتخابات، والقليل منهم يركز على نسبة شهادة الزور إلى أكبر الكبائر..
الكثيرون ينادون بالديمقراطية، والقليلون منهم يطلبون الشورى التي خُصِّصت باسمها سورةٌ في القرآن، والتي تتميز بفروقٍ كبيرة عن الديمقراطية، التي بموجبها أباحوا زواج المثليين وغزو العراق..
كثيرون ينادون بالحرية، وقليلون يفرِّقون بين الحرية الحقيقية والتعدي على قيم المجتمع وأخلاقه باسم الحرية..
كثيرون ينتقدون الرشوة وقليلون يعرفون مدى خطورتها في الأحاديث النبوية..
كثيرون ينتقدون الفساد وقليلون يربطون مظاهر الفساد بارتكاب المحرمات في الإسلام.
وإذا كان هذا هو شأن الكتَّاب؛ فإن الأمر مختلفٌ بفضل الله تعالى في ضمائر غالبية الناس في بلادنا المسلمة، فهم يوقنون أن طاعة الله تعالى خالق الناس ورازقهم، هي السبيل الوحيد للنجاة والإصلاح والسعادة.. ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11)﴾ (نوح) ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ (الأعراف: من الآية 96).