تحكي لنا كتب السيرة النبوية أن قريشًا، وهي في جاهليتها، قد مارست جريمة الحصار مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بعد ما ضاقت ذرعًا بالدعوة الجديدة، دعوة الإسلام، ومارست أساليب عديدة بمواجهة هذه الدعوة، وصد الناس عن إجابة داعي الله، وصرفهم عنه بكل الأساليب، سواء الهادئ منها بالحجة والبيان والإقناع بوجهة نظرهم، أو بالقسوة والعنف؛ ابتداءً بالضرب المبرح، والجلد، والتعذيب الشديد في بطحاء مكة شديدة الحرارة، وانتهاءً بالقتل وإزهاق النفوس، والتصفية الجسدية كما تُعرَف في زماننا هذا.
ولأن هذه الأساليب لا تُفلح في صرف أصحاب الحق عن دعوتهم، ولا ثني المؤمنين عما يعتقدون، بل في الأغلب الأعم، يزدادون قوة وثباتًا وصبرًا واحتسابًا؛ لأن الشدائد تصنع الرجال وتقوي العزائم، ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ (آل عمران: 146).
ولما لجأت قريش إلى حصار النبي (صلى الله عليه وسلم) ومن معه من المؤمنين ومن قومه بني هاشم، في شعب بمكةٍ سُمِّي بشعب بني هاشم؛ حيث لا ماء ولا زرع، ولا أي مصدر من مصادر الحياة والعيش، حتى أبسط أنواع المبادلات التجارية أو الإعانات الخيرية والحياتية، قد وقفوا لها بالمرصاد، وهو ما تفعله الآن أمريكا والقوى الظالمة في أوروبا وغيرها؛ حيث تمنع البنوك والمصارف العالمية المختلفة من التعاملات المالية والبنكية؛ حتى لا تتسلَّل الأموال لدعم ما يسمونه بالإرهاب في البلاد الإسلامية، وخاصةً في فلسطين وغيرها من البلاد التي تتصدَّى للهجمة الصليبية الحديثة التي قادها رئيس أمريكا "بوش" الراحل عن مكانه غير مأسوف عليه.
قريش- وهي تمثِّل قوة البطش في زمانها- مارست كل ألوان القهر مع الدعوة الجديدة التي جاء بها سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم)، وحصرته والمؤمنين هناك في وادٍ غير ذي زرع، ثلاث سنوات، ولم تحدِّثنا السيرة أن أحدًا من المحاصَرين قد ملَّ الحصار أو تبرَّم بالأوضاع المأساوية، أو ارتدَّ عن دينه وذهب إلى الجلادين الظالمين مستعطفًا مسترحمًا نادمًا على موقفه من الظلم والظالمين، أو أن هذا الحصار قد أحدث نوعًا من الانفجار الداخلي في صف المؤمنين، بالعكس، تُعلِّمنا السيرة، كما يعلمنا التاريخ، أن المؤمنين بقضيتهم يزدادون تشبثًا بما هم عليه، والتفافًا حول مبدئهم، ولزومًا للخير الذي أكرمهم الله به كلما جلجلت السيوف، ولمعت الأسلحة وازداد غبار المعركة، ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ (الأحزاب: 22).
ونحن نعلم كيف انتهى حصار قريش للمؤمنين بعد هذا العزل القسري والحصار الظالم، انتهى نهايةً غريبةً ولكنها متوقعة؛ إذ إن الله سبحانه هو الذي يُدير المعركة، وكل شيء بقدره وتدبيره، وفي سابق علمه المحيط، ولأن كل شيء عنده سبحانه بمقدار، وبأجل معدود، وقدر معلوم، فقد أودع في قلوب نفرٍ من زعماء قريش نوعًا من الرحمة والشفقة والغيرة والحميَّة، وتواعدوا على أن يمزِّقوا تلك الوثيقة الظالمة المعلَّقة بأستار الكعبة ليُنهوا بذلك هذا التجمع والتعاون على الإثم والعدوان، ويضعوا نهايةً لهذا الحصار الظالم ويعود المحاصرون إلى أرضهم وديارهم؛ يمارسون حياتهم المعتادة، ويعيشون في ظلال دينهم وممارسة شعائرهم ويقومون بواجبات دعوتهم، ولم يُؤْثَر عنهم الانكماش أو التقوقع أو الانهزام النفسي أو الفتور أو الانزواء، أو الخوف المُقعِد، أو الحسابات الأمنية الصارفة عن أداء الواجبات والقيام بمتطلبات الدعوة.
وننتقل عبر التاريخ، وفوق الأحقاب الممتدة إلى حصار من نوع آخر، وهو ما اصطلح على تسميته (بحصار غزة).
وهو حصار ظالم وقاسٍ وفيه إجرام وعنف، لا يرعوي ولا يرتدع؛ حيث صدر عن عدو ظاهر العداء، واضح الحقد على الإسلام والمسلمين ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتْ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ (آل عمران: من الآية 118).
فيُطالعنا اليوم عنوان بالبنط العريض في جريدة (الأهرام) المحسوبة على النظام المصري، وفي صفحتها الأولى: "إسرائيل تواصل إغلاق معابر غزة لليوم الـ19"، فيصك هذا العنوان أعين الملايين من أبناء مصر وغيرها، ويصدم مشاعرهم، ويتحدَّى نوازع الخير والأخوة التي تربطهم بإخوانهم في غزة الصابرة المحتسبة، ويكبت مشاعرهم تجاه إخوانهم المحاصرين؛ ذلك أن الحكام المتنفِّذين في أغلب البلدان العربية والإسلامية لا يعبِّرون بالضرورة عن شعوبهم؛ حيث انفصلوا انفصالاً غريبًا عن نبض الناس ودوائر اهتماماتهم؛ إذ لديهم اهتمامات أخرى، ومصالح متشابكة في أماكن وعواصم مختلفة في العالم، وهي التي يعمل لها ألف حساب، وهي في محصِّلة الأمر التي تمسك بكثيرٍ من الخيوط على مسرح العرائس والدمى تُحرِّكها بالشكل الذي يخدم مصالحهم ويلبي متطلباتهم في إبقاء المنطقة رَهْن استغلالهم وتحت سيطرتهم على كل مصادرها وثرواتها وإمكاناتها الكامنة فيها المادية والمعنوية.
وحصار قريش للمسلمين في شِعْب بني هاشم في مكة يهون أمره وتقل قداحته إذا قارنَّاه بحصار غزة الآن من عدة وجوه؛ إذ إن حصار غزة الآن يشترك فيه ويتحمل مسئوليته جهات كثيرة:
1- عدو غاشم متمثِّل في الكيان الصهيوني الذي يسيطر على كل المنافذ والمعابر المتحكِّمة في الحياة في غزة، فيوقف الإمدادات الحيوية والمواد الغذائية والطبية والغاز والبترول الذي تقوم عليه شبكة الكهرباء، ويتوقف عليه كل الصناعات التي بها قوام حياة الناس؛ فالظلام الآن يلف حياة الناس، وتتأثر بذلك المدارس والمعامل والمستشفيات ومراكز تفريخ الدواجن، حتى وجدنا كثيرًا من هذه المراكز تتخلَّص من آلاف صغار الدواجن لعدم توفر ألوان الحماية والأعلاف لها، ويخرج الأطفال في الشوارع، في يوم الاحتفال العالمي بالطفل الذي ينعم فيه الأطفال في بلادهم بالبهجة والانطلاق البريء، لكن في غزة يصاب الأطفال بنوعٍ من الكآبة، ويخرجون كما يخرج الكبار في تظاهرات احتجاج؛ يصبون جام غضبهم على العدو المحتل الذي يتحكَّم في كل شيء، ويقطع ويمنع عنهم كل مصادر الدعم والزاد الذي لا غنى عنه لأيٍّ من البشر، مهما كان حجم العداوة أو الخلاف السياسى، والفكري والعقيدي.
وإذا كان الغرب الآن يتشدق بشعار "حقوق الإنسان" فإننا نلمس فراغ هذا الشعار من حقيقته ومضمونه؛ إذ هو محصور في الإنسان على النمط الفكري الغربي، أما غير ذلك فإننا نلاحظ العنصرية المَقيتة تتحكم في تصرفاتهم وتحكم نظرتهم لغيرهم، وخاصةً ما يمت للإسلام بصلة.
والعدو الصهيوني بحصاره لغزة، إنما يستهدف القضاء المبرم على حماس وسائر فصائل المقاومة الجادة، بل وكل الشعب الفلسطيني، حتى تحقِّق حلم "الوطن القومي" من النيل إلى الفرات، وهم يعلمون أن حجر العثرة في إقامة هذا الحلم يتمثَّل في الإسلام؛ ولذلك فإن أصابع الهدم إنما تتجه إليه- أي الإسلام- حيث كان بصورته الصحيحة؛ ولذلك كان من أهدافهم البعيدة منذ أيام "رابين" وغيره من زعمائهم أن يحاربوا أو يقضوا على "الأصولية".
2- ويتحمَّل مسئولية الحصار العالم كله بصمته المشبوه وسكوته المريب عن جرائم الصهاينة، وسعيهم في أرض فلسطين فسادًا وقتلاً وتدميرًا، وتخريبهم كل مصادر الحياة من زراعة وصناعة ومصادر ثروة وإنتاج، وتعطيلٍ لإمكانات القوة والنمو لهذا الشعب المغلوب على أمره، وكأن العالم الآن (لا يسمع، لا يتكلم، لا يرى) بكل حكوماته ووسائل إعلامه، ومؤسساته الدولية وروابطه العالمية.
ويتحمَّل الإثم الأكبر في ذلك كله كل أمم الأرض، وينوب عنهم العالم الغربي الأوروبي والأمريكي الذي يحمل جريمة زرع الكيان الصهيوني الغريب في هذه المنطقة في قلب العالم العربي والإسلامي، منذ وعد بلفور عام 1917م؛ حيث أعطى من لا يملك لمن لا يستحق أرضًا عزيزة على المسلمين، هي أرض فلسطين، وفيها المسجد الأقصى الغالي والأثير على الأمة جميعها، وتحمل أمريكا الآن، ومعها العالم الأوروبي، مسئولية حماية الكيان الصهيوني، وترقى هذه العلاقة إلى درجة الارتباط الإستراتيجي.
3- ويشارك في تحمُّل مسئولية هذا الحصار الظالم العالم العربي والإسلامي، وبصفة أخص دول الطوق المحيطة والمجاورة لفلسطين، وبخاصةٍ أهل الحكم؛ فإن بإمكانهم الكثير الذي يقدِّمونه لنصرة فلسطين وفك الحصار الجائر المضروب على غزة، وإمدادهم بكل مستلزمات الحياة من غذاء ودواء ووقود، ولكن للأسف الشديد لا يتم ذلك، بل ربما رأينا بعض المواقف التي فيها تكريس للظلم ودعم للقهر والحصار.
4- ويأتي دور السلطة الفلسطينية في تحمُّل مسئولية الحصار ودعمه وتأييده، حتى اعتبرت السلطة أن معركتها الحقيقية لم تَعُدْ تحرير فلسطين، ولكن تحرير قطاع غزة من سلطة حماس، بل إنها ذهبت إلى اعتبار حماس هي العدو الذي تصر على مقاطعته وترفض الحوار معه، في حين أن العدو الصهيوني صار في نظرها "صديقًا" يستمر الوصال معه طوال الوقت، والاجتماع به مرحَّبٌ به في كل حين، ومع كثرة جبهات العداوة للمقاومة الباسلة في غزة الصامدة الصابرة، غير أننا على يقين أن نصر الله لا محالة قادم، وأن بعد العسر يسرًا، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.