في إحدى ورش العمل التي نظمها المجلس القومي لحقوق الإنسان في بدايات العام الحالي، وكانت حول "خانة الديانة في الأوراق الثبوتية"، تقدم مركز سواسية لحقوق الإنسان بورقة أشاد بها عدد من الناشطين المشاركين وأثناء عرض الأوراق تقدم أحد رؤساء المنظمات للإدلاء بوجهة نظر منظمته حول القضية المطروحة.
ولكن كانت المفاجأة المتوقعة وهي أنه لم يتحدث في الموضوع، قائلاً: إنه يستغرب وجود أحد من مركز سواسية وهو مركز حقوقي ذو مرجعية إسلامية في الورشة، وكان ينبغي للمجلس عدم توجيه الدعوة له؛ على اعتبار أننا نتناقش وفق مرجعية حقوقية فقط، وعندما حان دور الباحث المشارك عن مركز سواسية لعرض ورقته قاطعه نفس الشخص موجهًا سؤالاً حول "حد الردة" وموقف الإسلاميين منه.
وقبل أن نتحدث في صلب القضية لا بد أن نفهم السياقات الداخلية والخارجية التي ظهرت فيها المعركة الجديدة حول "حد الردة"، كالتالي:
إن الحديث عن هذه القضية وغيرها من الإشكالات التي يتقاطع فيها الديني والسياسي والفكري والحقوقي يجري في ظل غياب حوار متكامل حولها بين القوى الوطنية الكبرى الإسلامية والليبرالية والقومية واليسارية، أو حتى داخل الحركات الإسلامية نفسها؛ من أجل التوصل إلى اجتهاد جديد يمزج بين فقه الدين وفقه الواقع معًا، وهو ما يؤدي بلا شك إلى استقطابات حادة وصراعات فكرية "دائرية"؛ ما إن تهدأ حتى تعود إلى الفوران مرةً أخرى.
صراع داخلي محتدم
ومن الملاحظ أن محرِّكي الصراع حول القضية إما أنهم يتبعون أجندات خارجية تشن دعايات هجومية ليس على الواقع الاستبدادي فقط؛ بل تتعداه إلى النيل من الثقافة الإسلامية والأصول المنزلة.. القرآن الكريم والسنة المطهرة، أو أنهم تابعون لأجندات داخلية مختلفة تتصارع حول "حدود" حرية الرأي والتعبير، أو تسعى للنيل من الحركة الإسلامية وتشويه فكرها ومقاصدها بغرض إفساد علاقتها الوثيقة بمجتمعها.
والملاحظ أيضًا- وهذا هو الأخطر- أن هناك خطابًا "استشراقيًّا" حاضرًا بقوة في اللغة البحثية والإعلامية حول القضية، وهو ما لا يعني سوى أن مجموعةً واسعةً من المواقف السلبية المسبقة تجاه الثقافة والقيم الإسلامية هي التي تؤسس للعقلية الجماعية؛ حيث يكرس الخطاب الاستشراقي أفهامًا عمومية، سواءٌ من الناحية الاجتماعية (القمع الأبوي والسلطوي!) أو طبيعة العلاقات بين الرجل والمرأة (تحكم الرجل بالمرأة وتعدد الزوجات!), أو طبيعة الحكم السياسي (الاستبداد الشرقي!), أو عدم تواؤم حدود الإسلام وقيمه مع المفاهيم السياسية والثقافية الحديثة (كالديمقراطية وحقوق الإنسان!).
وهنا ينبغي التذكير بأن ظهور الحقوق والحريات الفردية والعامة أو تلك الخاصة بالأقليات في الاتفاقيات الدولية ومواثيق حقوق الإنسان؛ جاء بعد فترة من الصراعات الدينية والسياسية في أوروبا.
أما في الخبرة الإسلامية فإننا نجد أن التفرقة بين البشر فيما هو دنيوي- حسب اعتقادهم أو جنسهم أو لونهم- ليس من منهج القرآن في شيء؛ إذ القاعدة هي المساواة والجميع في ديار الإسلام (أمة واحدة)، والخَلق كلهم عيال الله بالتعبير النبوي، فضلاً عن أن الناس خُلِقوا من نفس واحدة بالتعبير القرآني، وبذلك يعتبر الإسلام الناس أمة كبيرة واحدة.. يستوي فيها جميع بني الإنسان.. دون النظر إلى ما بينهم من فروق شخصية أو اجتماعية أو ثقافية أو سياسية أو اقتصادية، وجاء في الحديث الشريف: "الناس سواسية كأسنان المشط".
السياق الخارجي لتشويه المفهوم
والآن يراد التغطية على قيم الإسلام ومقاصده، وتستعمل مثل هذه القضايا؛ ليس من أجل تحويل أفراد مسلمين إلى دين آخر، وتأمين الحماية لهم من الملاحقات القانونية، وإنما من أجل وقف التمدد الطبيعي لدين الفطرة وتغيير دين العالم الإسلامي بأكمله، وهنا تتناغم الحملات التبشيرية التي تنفق المليارات في أوساط الفقراء والأميين في العالم الإسلامي مع تحركات حكومية أمريكية داعمة لمراكز بحثية ومنظمات مدنية لتعزيز تيارات علمانية وتغليب حضور "الصوفية"؛ على اعتبار أنها تعبِّر عن الإسلام الحقيقي.
وفي هذا الإطار يصدر تقرير سنوي أمريكي عن الحريات الدينية في العالم، ويربط فريق بين صدوره وبين رغبة القوى التبشيرية الأمريكية في خلق الأجواء المناسبة لعملها في العالم عمومًا والعالم الإسلامي خصوصًا، فيما يعتبر فريق آخر أنه يجيء في سياق المساعي الأمريكية لنشر الديمقراطية وفق الرؤية الأمريكية في العالم الإسلامي.
وفي مقابل هذا التحرك في نطاق العالم الإسلامي يظهر تحالف يقوده القوميون المتعصبون ورجال دين في الكنيسة الكاثوليكية لمواجهة الإسلام في الغرب، حيث يساهمون في تنامي المشاعر السلبية تجاه الإسلام ومواطنيهم المسلمين، وهو ما يشكل أساسًا لانطلاق سلوكيات مجحفة بحقوق المسلمين وضرب إمكانيات التعايش بينهم وبين الأغلبيات المسيحية.
إن هذا العداء يشير إلى "ظاهرة الإسلاموفوبيا" التي ترتبط بنظرة اختزالية للإسلام كدين وثقافة وتصوره كمجموعة محدودة وجامدة من العقائد التي تحض على العنف والنظرة السلبية للآخر وترفض العقلانية والمنطق وحقوق الإنسان، وأن المسلمين منخرطون في حركة سياسية عالمية لفرض هذه الرؤية في حرب حضارية لا تتوقف.
وبالطبع تؤدي المعتقدات السابقة إلى تصرفات تمييزية حكومية ومدنية وفي الشارع ضد المسلمين، وقد تنفجر في أحيان كثيرة في أحداث عنف وتمييز وجرائم كراهية ضدهم، وهي أحداث توثقها سنويًّا تقارير حكومية بريطانية وبرلمانية أوروبية وتقارير أخرى لمنظمات مدنية في الولايات المتحدة.
إشارات حول مفهوم "الردة"
إن الشريعة الإسلامية تؤكد على حرية العقيدة؛ بمعنى أن يترك لكل فرد حريته في اختيار عقيدته دون تسلط من أحد، وأن المسلم ليس مكلفًا أن يحاسب من يراه كافرًا على كفرهم أو يعاقب ضالاًّ على ضلالته؛ فهذا ليس إليه وليس موعده هذه الدنيا إنما حسابهم جميعًا- المسلمين وغير المسلمين- إلى الله تعالى في يوم الحساب.
ولم يكتفِ الإسلام بإقرار الحريات الدينية لأتباع الأديان السماوية، بل إنه نهى عن فتنتهم عن دينهم، وقد نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن فتنة أهل الكتاب عن دينهم، كما استشعر عمر بن الخطاب الندم حينما طلب شفاهةً من عجوز أن تدين بالإسلام واستغفر ربه وهو يتلو: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ (البقرة: من الآية 256).
وقد ظهر الحديث عن حدِّ الردة في سياق هجمة تبشيرية غير مسبوقة على مصر والعالمين العربي والإسلامي واستغلال الأمية والفقر لتحويل المسلمين عن دينهم إلى الكاثوليكية والبروتستانتية وعقائد مسيحية أخرى، وسعي المنظمات التنصيرية إلى اتخاذ خطوة أكبر من "التحويل عن الدين والتهجير أو الكتمان!"، وهو ما تمثل بصورة أساسية في وثيقة الحوار بين الأديان، بين الأزهر ومنظمات مسيحية سنة 2005م والتي نصت على حرية العقيدة وعدم الإكراه على الدخول في أي دين، وهو مبدأ يقره الإسلام بالطبع، غير أن هؤلاء أرادوا الحصول على اعتراف بأعمالهم في مصر وتوفير أكبر قدر من الحماية للمنصِّرين والمتنصِّرين.
وبالعودة إلى رئيس المنظمة الحقوقية المشار إليه؛ فقد دعاه زميله الباحث بمركز سواسية إلى الحديث لمدة 10 ساعات في الموضوع في مقابل أن يتركه يعرض ورقته!، قائلاً في قرارة نفسه: إن الجدال لن يؤتي بنتيجة ولكنه سينفق العشر ساعات ليعرف كيف يفكر الرجل؟ وما هي الأسباب التي جعلته يشكك في موقف من هم مع أو حتى ضد "إقامة حد الردة"؛ فإن أكد له فريق أنهم ضد استعمال حد الردة سيتهمهم فورًا بإخفاء ما يعتقدون، وإن طلب فريق آخر تطبيقه من جانب الدولة سيعتبرهم من فلول الإرهاب والمعادين لقيم الديمقراطية وحقوق الإنسان!.
إن الرجل ينبغي أن يعرف أن حدَّ الردة ليس مجمعًا عليه، وهناك اختلاف حوله بين الفقهاء، وتفسيرات متعددة حوله، ولم يطبق تاريخيًّا إلا مرات قليلة جدًّا، والمعروف أن المرتد نوعان؛ الأول نوع ينضم إلى أعداء الدولة ويكون خطرًا عليها، ونوع يعتبر أن الارتداد هو من قبيل حرية المعتقد.
وإذا كانت الردة ستعبر عن حالات فردية تترك الدين باختيارها الحر؛ فإن نص ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ (البقرة: من الآية 256)، هو نص قطعي، ويجب أن يتم التعامل معه على هذا الأساس.
أما إذا تحولت الردة من موقف فردي إلى موقف حركي معادٍ، سواءٌ من جانب المرتد أو ممن ساعدوه وساهموا في تحوله الديني فهنا يجب على الدولة والمجتمع المدني التحرك العاجل لإعادة الأمور إلى نصابها وتعميق الالتزام بعقيدة الأغلبية وقانونها وفق الشعار الديمقراطي المشهور: "حكم الأغلبية.. حقوق الأقلية".
--------
* صحفي وباحث.