أحيانًا يتحاور طرفان منا، فيشتد الحوار ويحتد، ويُجهد كل طرف نفسه كما يُجهد إخوانه لإثبات رأيه، سالكًا طرقًا وأساليبَ عدةً، وقد يكون الأمر مقبولاً حتى ذلك الحد، لكن أن يكلف ذلك توريةَ قولٍ أو علوَّ صوتٍ أو غيبةَ شخصٍ أو شحناءَ قلبٍ؛ فقد خرج العمل- بلا شك- من حيِّز الأعمال المتقرَّب بها إلى الله عز وجل، لا سيما والأمر لا يعدو أن يكون خلافًا في بعض وسائل العمل الدعوي، وليس في الأصول أو الثوابت التي لا تستدعي هي الأخرى شيئًا من ذلك.

 

قد يبرّر ذلك بالحرص على صالح العمل وتحقيق إنجاز للدعوة، وهو تبرير معلول من منظور الإيمان الذي يقرر أن الله سبحانه هو المصيِّر للأمور، وأن الأسباب لا وزنَ لها سوى كونها امتثالاً لأمر الله بالعمل والسعي ثم التوكل على الله الفعال لما يريد: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَنًا إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (17)﴾ (الأنفال).

 

حتى تلك الأسباب التي سخرها الله لنا استجابةً لدعائنا إياه؛ ليس لها دخل في جلب منفعة أو تحقيق نصر؛ مثال ذلك التعقيب القرآني على الإمداد بالملائكة للقتال مع أهل بدر: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللهُ إِلاَّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (10)﴾ (الأنفال).

 

ثم إن المعركة مع الباطل برمَّتها ليست إلا محض اختبار؛ ليميز الله الخبيث من الطيب، وإلا فإنه جل شأنه قادر على إنهاء المعركة ونصرة دينه فورًا لو أراد: ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (4)﴾ (محمد).

 

إننا كثيرًا ما ننسى تلك الأصول ونغالي في المنافحة عن آرائنا كمنافحتنا عن الحق، وكأنها حتمًا ستصيب الهدف، بينما الله تعالى هو الفعَّال، وليس لهذا الرأي أو ذاك شيءٌ من الأمر، حتى ما نتفق عليه من الآراء وما ينبني عليها من أعمال هي في نهاية المطاف لا تقدم ولا تؤخر سوى كونها طاعةً لله وسعيًا منا لإرضائه، ولو شاء الله لأبطل مفعولها، وما يوم حنين منا ببعيد!.

 

لذا.. فليهوِّن أحدنا على نفسه من الحماسة الزائدة عن الحد في تبنِّي ما يرى، وليطمئن بأننا ندور في فلك القدر المحتوم، وأنه لن يصيبنا إلا ما كتب لنا، ومن الأحرى أن نجتهد مع أنفسنا، فلا ننزلق إلى ما يخالف الدين الذي نحن في الأصل نسعى لنصرته والتمكين له.

 

من الأحرى أن نتفحَّص نياتنا.. خوفًا عليها من دبيب النمل.. خوفًا على عملنا ألا يُقبل.. خوفًا من الله ألا يرضى، ولنستغفر الله جميعًا لما نعلمه وما لا نعلمه.. ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (286)﴾ (البقرة).