من وقتٍ لآخر.. تُثار على الساحة عدة مشاكل اجتماعية وأخلاقية تُنذر بخطرٍ جسيم وتُنبئ عن وجود تفاعلات غريبة تتحكم في أخلاق الناس عمومًا وتوجه تصرفاتهم، تفاعلات تحدث تحت السطح تشكل قيمًا جديدة.. وأنماط للسلوك مستحدثة.. ومستهدفة.. وهي من شدة دقتها، لا تظهر على السطح إلا في شكل جلبة هائلة ودَوِيٍّ جارف، وزلزالٍ مُدمِّر، ثم ينجم عنها علاقات اجتماعية تتشكل في غيبةٍ من أعراف المجتمع وقيمه ومواريثه وعاداته وتقاليده التي كانت قد تشكَّلت بالأساس في محضن الدين الإسلامي الذي يدين به الغالبية العظمى للمواطنين.
وأمام كل مشكلةٍ اجتماعيةٍ أو أخلاقية تظهر على السطح.. فإن الكُتَّابَ والمفكرين والمحللين لهذه الظواهر.. يكونون أحدَ فريقين:
- الفريق الأول: أصحاب التوجه العلماني: وما أكثرهم في هذه الأيام؛ حيث أصبح المجال أمامهم مفتوحًا للنيل من الإسلام، والطعن في ثوابته وأركانه، والخوض بلا كللٍ ولا مللٍ في جدوى العودة إلى الإسلام، واستلهام قيمه وموازينه لإصلاح المجتمع وإعلاء شأن الأمة، وكذلك الهجوم الضاري على كلِّ العاملين في مجال الدعوة للإسلام.. وإعانة الناس على أن يعيشوا لله رب العالمين، فيخرجون بإذن الله من الظلمات إلى النور، ومن الموت إلى الحياة، باعتبار أن الحياة الحقيقية هي وفق منهج الله، وتحكيم الشريعة التي جاء بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه هي مهمة كل مسلم، لا مهمة أو مسئولية الدعاة فقط.
أصحاب التوجه العلماني يُفسِّرون كل مشكلة أخلاقية أو حدث اجتماعي بارز وصادم تفسيراتٍ مادية، ويُرجعون جذورها إلى أمورٍ سطحية هامشية؛ هروبًا من الحقيقة الدامغة، التي تصدمهم ليل نهار، والتي تقرر أن الابتعاد عن هداية الله، والخروج عن النسق الرباني، وسنة الله الماضية في النفوس والأشياء فيه الهلاك والدمار.. وفيه الخيبة والفشل حتى ولو بدت هذه المجتمعات في غاية الرقى الحضاري والتقدم المادي والعلمي، وأظننا قد وضعنا أيدينا على الجرح الدامي الذي يعاني منه الجميع سواء في الغرب أو في الشرق، وعند كل مَن ربط مصالحه ومصيره بالسير في ركاب هؤلاء وهؤلاء.. الكل منساق إلى هاويةٍ لا يعلمها إلا الله عز وجل.. ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ (الإسراء: 16).
قلنا إن أصحابَ التوجه العلماني في التفكير يهربون من هذه الحقيقة، ويحاولون إبعاد الإسلام عن مدار حياة الناس.. وتنظيم شئونهم والحل الحاسم لكلِّ قضاياهم ومشاكلهم، وينكرون ذلك حتى ولو بدت مظاهره واضحةً للعيان.
لذلك وجدنا آراءهم غريبة بل وشاذة في علاجهم للمشاكل التي تُثار على الساحة، وخاصةً ما تعلق منها بالجوانب الأخلاقية والسلوكية مثل ما تعرض له النساء والفتيات من مضايقات أو تحرش في الأماكن العامة والطرقات، وهم في معالجاتهم، قد ينظرون فقط إلى السطح، ولا يتعمقون في فهم الجزء الكبير الغاطس تحت الماء؛ حيث هذا الجزء المخفي عليهم.. أعمق أثرًا وأشد تأثيرًا في مجريات الأحداث التي يعالجونها.
والفريق الثاني: وهم أصحاب التوجه الوطني.. وعلى رأسهم أصحاب التوجه الإسلامي الذين يرون أن أمراض الأمة ومشاكلها إنما نجمت عن الابتعاد عن الله، وتنحية شريعته وتغريب كل لون من ألوان الحياة المختلفة وجعله مربوطًا بعجلة الغرب المعادي للإسلام المناوئ له، المناقض لقيمه وموازينه ومنهجه في الأصل والفروع، وهم يرون أن الإسلام يُصلح كل شأنٍ من شئون هذه الحياة، وهو يُفتي في كل شيء، وهو يجمع بين الدين والدنيا، ويصلح ما أفسدته المناهج المادية والغربية، فهو علم وقضاء وثقافة وقانون، ومادة وثروة، وفضلاً عن ذلك هو عبادة صحيحة وعقيدة سليمة سواء بسواء.
إنَّ إبعاد الدين وإقصاء المتدينين عن كل ساحات العمل العام، وخاصةً ما يتعلق منها بالإعلام والتعليم والثقافة والفكر كل ذلك وما إليه يمثل الركن الأصيل فيما آلت إليه الأحوال العامة من تدهورٍ وانهيار، ويُنذر بعواقب وخيمة في كل المجتمع لا في الجوانب المادية الحياتية فقط، وإنما في الأشكال والأنماط الاجتماعية والعلاقات المختلفة التي تربط أفراد المجتمع وتحفظ عليه وحدته وتماسكه، وارتباط أجزائه بعضها مع بعض في جسم متماسك.
ولعل أبرز القضايا أو المشاكل التي تُثار على الساحة الآن هي:
الأولى: مشكلة الانهيار الأخلاقي والتحلل القيمي والاختلال السلوكي النفسي، الذي بدأ يطفو على سطح الأحداث أو الواقع؛ حيث تظهر نُذُرهُ في أوقات التجمعات البشرية العامة والزحام الذي تتسم به بعض الأماكن في المناسبات الوطنية أو الدينية، وهو ما سمَّاه البعض بالتحرش أو المعاكسات والمضايقات.
الثانية: ما انتهى إليه الحال في المنظومة التعليمية وضياع معالمها البارزة التي كانت تحكمها العلاقة بين الأساتذة المربين!!، وبين أبنائهم الطلاب؛ حيث كانت تجمع هذه المنظومة بين التربية والتعليم في آنٍ واحدٍ وتتحدد العلاقة بين الطرفين (المعلمين والطلاب) في إطار روح الأبوة والحب والعطف من جانب، والاحترام والتوقير والإجلال من جانبٍ آخر.
في إطار المشكلة أو القضية الأولى، يختلف الكُتَّاب أو المفكرون في تتبعها وتحليلها، كلٌّ حسب خليفته الفكرية والثقافية؛ فنرى مثلاً الأستاذ فهمي هويدي لا يُولي موضوع التحرش اهتمامًا كبيرًا إلا بالقدر الذي يدفعنا إلى علاجه، ويعزو أسبابه إلى انهيار سلطة القانون وضياع هيبة الشرطة، وانتشار البطالة بين الشباب وغياب دور المدرسة والبيت في التربية والتوجيه، وأيضًا بسبب استغراق التربية والتوجيه، وأيضًا بسبب استغراق الآداب والأم في الركض وراء توفير متطلبات العيش من خلال العمل في الصباح والمساء، وهو يعتبر أن التحرش السياسي الموجود على ساحة العمل العام وإدارة شئون المجتمع هو الأهم، ويعاني منه المجتمع بأسره متمثلاً في استمرار الطوارئ والمحاكمات الاستثنائية العسكرية والقمع والمصادرة والتعذيب والانحياز إلى السياسات الغربية في حصار غزة ولبنان والعراق.
ويذهب د. علاء الأسواني في جريدة (الدستور) بتاريخ 22/10/2008م- مثل كثيرٍ من الكُتَّاب اليساريين والعلمانيين- إلى أن السبب الأصيل لظاهرة التحرش هو تغيير نظرتنا للمرأة، وأن هذه النظرة وردت إلينا من بلاد الخليج وخاصةً السعودية، وهذا منطلق خاطئ ومقلوب؛ حيث يعتبر أن الأصل في مصر هو السفور والتكشف والعري ولبس الملابس الفاضحة والمايوه، كما يزعم أن الشعب المصري لم يستنكر هذه المظاهر، وتعوَّد عليها.
ونحبُّ أن نُذكِّر أصحاب هذا الرأي، وخاصةً د. علاء الأسواني، أن السفورَ وخروج المرأة عن حجابها ووقارها هو الفكر العارض المستورد، وهذا السفور نفَّذته السلطة السياسية بزعامة سعد زغلول عند عودته كبطلٍ من المنفى في عام 1922م عندما خلع حجاب هدى شعراوي في ميدان سُمَّي بميدان التحرير، وكأنَّ المعركةَ كانت مع الحجاب الإسلامي وليست مع المحتل الإنجليزي الجاثم على صدر مصر وقتذاك.
وعن المشكلة الثانية:
والتي تفجَّرت عندما ضرب مدرس بالإسكندرية تلميذًا له- لم يعمل الواجب- في بطنه فأفضى ذلك إلى موته في الحال، ولا شكَّ أن هذه مأساة لها دلالات متعددة منها:
1- أن المنظومة التعليمية قد طرأ عليها تغيير جذري، وهي تعكس واقع المجتمع ومنبثقة منه؛ حيث إن الوضع الاقتصادي قد أثَّر على طرفي العملية التعليمية؛ فأجور المدرسين متدنية لا تكفي سد الحاجات الأساسية لهم ولأسرهم؛ مما ألجأهم إلى الدروس الخصوصية، وأثَّر ذلك في انحسار احترام المعلم وتوقيره وتبجيله حيث أصبح هو اليد السفلى، ويأخذ بدل أن يُعطي، والدولة لا تكفل للمعلم الحياةَ الكريمةَ التي تحفظ عليه كرامته، ولا يُستبعد أن تكون الرغبة في دفع التلميذ المقتول والضغط عليه وإرغامه للحصول على الدروس الخصوصية.
2- والمناهج فيها قصور شديد، ولا تهتم ببناء الإنسان الذي يرتبط بالأمة ويضحي من أجلها بالغالي والرخيص، كما لا تغرس قيم الفضيلة والطهر والعفاف، ولا تعْلي قيمة الدين والأخلاق، ولا تربط النشء بالله الخالق المعبود.
3- إقصاء المعلمين ذوي الاتجاهات الإسلامية عن التدريس؛ وبذلك خلت ساحة التعليم من المعلم الخلوق المخلص ذي التأثير القوي على الطلاب وزملائه من المدرسين والإدارة، ومن هنا ظهر الفساد في كلِّ شيء، وخسر الجميع خسارات فادحة.
4- وفراغ المؤسسات التعليمية من هذه النوعية الصالحة والمُصلِحة أدَّى إلى الجفاف والجدب في كلِّ الأطراف، ومثل جريمة في حقِّ المجتمع والأجيال.
وبالطبع فإن ذلك كله يخدم مصالح أعداء الأمة؛ حيث يعيق الصحوة الإسلامية كما يؤدي إلى تأخُّر البلاد ويجعلها دائمًا عالةً على غيرها، محتاجةً إليها في الطعام.
ونقول لذوي الشأن: إن إقصاءَ الإسلام ومحاربة العاملين له بأسلوبهم الوسطي المتميز فيه خطرٌ يُهدد الجميع، ويُدمِّر الأمة- كل الأمة-، ولن ينجو أحد؛ الظالم والمظلوم، فالجميع في سفينةٍ واحدة.