الشيخ عبد الخالق حسن الشريف

كان إذا سافر أحدٌ إلى كثيرٍ من البلاد الأفريقية أو غيرها فيسألونه من أي البلاد أنت؟ فإذا قال من مصر، قالوا له: الأزهر، لقد كانت مصر تُعرف بأزهرها، وهو فخرٌ لكلِّ المصريين بل والمسلمين، فإن الأزهر الذي بُني لغرضٍ شاءت إرادة الله أن يكون حاميًا للعقيدة الإسلامية الصحيحة ودفاعًا عن أهل السنة، ونشر العلوم الإسلامية في ربوع الأرض.
لقد عاش الأزهر جامعةً للمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، وإذا شاءت إرادة الله لك بزيارته تجد رواق المغاربة، ورواق الأتراك وغيرهم، لقد تبارى الخلفاء والسلاطين في التمكين لهذا الصرح الشامخ، ومرَّ عليه علماء الأمة مدرسين ودارسين ومحاورين، وكان يحتضن المذاهب الإسلامية المختلفة في سعةٍ هي صفة من صفات هذا الدين.
وكانت دروس العلم في شتى العلوم من التفسير إلى علوم القرآن، ومن الحديث إلى الجرح والتعديل، ومن الفقه بمذاهبه المختلفة إلى أصول الفقه وعلم الكلام، ومن النحو إلى الصرف والبلاغة، ومن الطب إلى التاريخ والكيمياء، ومن الفلك إلى الدراسات الاجتماعية والرحلات وغير ذلك من أصناف العلوم.
هكذا عاش الأزهر
ولكن الابتلاءات والنكبات صارت تحل به منذ مصادرة أوقافه، وتعيين شيخه دون اختيار العلماء، وإلغاء هيئة كبار العلماء، إلى قانون تطويره وفرض الكثير من العلوم؛ مما أثقل كاهل الطالب فيخرج ضعيفًا في كل المواد، إلى إلغاء دراسة الفقه المذهبي؛ مما أضعف الفقه والفقه المقارن وأصبح الطالب لا يعرف إلا رأي مَن ألَّف الكتاب.
ونجد التدخل في تعيين رؤساء الجامعة وعمداء الكليات؛ فلا يختارهم الزملاء، ولكن يُفرَضون فيكون ولاؤهم لمَن أتى بهم، مع التدخل في وجود الطلاب بالمدن الجامعية الملحقة به.
وها نحن نرى اليوم مَن يدعو إلى تقسيم جامعة الأزهر، وآخرون يدعون إلى عدم استقلاليته عن المجلس الأعلى للجامعات، وكأنَّ المطلوبَ أن لا يكون هناك جامعة أزهرية بكل فروعها وتضييق المجال الذي تعمل فيه الجامعة لحاجةٍ أخفوها في نفوسهم ويظهرون ما يخدعون به الناس.
لقد قُدِّمت مدن كثيرة وأراضٍ متبرعٌ بها وتعهدات بتكلفة البناء والتشييد من أجل إقامة كليات أزهرية بها سواء في علوم المعرفة كالطب وغيرها أو في علوم الشريعة الإسلامية كأصول الدين والدعوة وقُوبلت هذه الطلبات بالرفض.
وكل يوم نسمع عن أمور تُحاك بالأزهر الشريف
عفوًا.. ارحموا الأزهر
كفاكم تدمير للتعليم أن المرحلة الابتدائية والثانوية العامة والمناهج والكتب وأسلوب الامتحانات وتقييم الطلاب لا نعرف لها استقرار، فهي تُمسي بحالٍ وتُصبح بحالٍ آخر، وسلوا إن شئتم الصفَّ السادس الابتدائي، والثانوية العامة سنة أم سنتان أم ثلاث سنوات، أم ماذا سيحمله له الغيب.
لقد جعلت الأمة تعيش في حيرةٍ وبلبلةٍ وضياعٍ، ونحن جميعًا نعرف النتيجة جيل يحمل شهادة وهو جاهل، ليس له في لغته (أعني اللغة العربية) نصيب، لا تحدثًا ولا كتابةً، ومنهج التعليم يقتل كل المواهب وغير ذلك كثير.
لذا.. نقول لكم: الأزهر ليس في حاجةٍ إلى خبراتكم الفذة، ولا إلى ما تُنتجه عقولكم في هذا المجال.
نصرخ فيكم: عفوًا.. ارحموا الأزهر، والله من وراء القصد.