تدعو الأصول المُنزَّلة (القرآن الكريم والسنة المطهرة) إلى التسامح مع أتباع الأديان المخالفة، وكان النبي الكريم صلى الله عليه وسلم يتسم بالرحمة والرفق معهم، حتى إنه حزن عندما هزمت الإمبراطورية الفارسية الوثنية الروم المسيحيين.

 

وفي الوقت الراهن يستأنف ناشطون مدنيون وسياسيون الحوار، وخصوصًا في المجتمعات المتعددة العقائد والأديان، والملاحظ أنه يوجد نمطان لحوار الأديان؛ أولهما: الحوار داخل الدين الواحد (intra faith dialogue)، والثاني: الحوار بين الأديان (interfaith dialogue)، ومن المفارقة وجود تجارب عديدة ومثمرة للأخير وخفوت صوت الحوار داخل الدين الواحد!.

 

ولا يسعى الحوار الديني إلى البحث عن دينٍ جديدٍ بين أتباع الديانات المختلفة أو عقيدة واحدة داخل الدين الواحد، بل إلى خلق أجواء من التعايش والسلام داخل المجتمع؛ حيث يمكن للمنضوين في هذا الحوار أن يعملوا في هذا الاتجاه من خلال: تعلم الإنصات والتسامح مع الاختلافات من جهة، والعمل معًا في مشروعاتٍ إنسانية واجتماعية وخيرية لجميع الناس والمواطنين من جهةٍ أخرى.

 

بكلماتٍ أخرى: إنَّ الحوارَ لا يتعلق بالعقائد، وإنما يهدف إلى خلق الاحترام المتبادل وتمهيد الطريق أمام مجتمع متعايش وسلمي؛ مما يعني أن حوار الأديان ليس من أجل خلق دين جديد أو طمس العقائد، وإنما لبناء الجسور وتعزيز التفاهم والتعايش المشترك.

 

والاختلافات بين الناس داخل الدين الواحد أو بين الأديان المختلفة تعد أمرًا طبيعيًّا وسنة من سنن الله في أرضه، ولا يمكن إنكارها، والمهم أن نتعايش معًا، ولا نترك خلافاتنا تزداد مثل البعض منا الذين تُوجَّه إليهم الدعوة لحل مشكلات المواطنين وتعزيز التفاهم ولكنهم يرفضون قائلين: "لا!.. لا نحتاج ذلك" وتكون النتيجة أن الخلافات تزداد ويتنافر الناس بطريقة أكبر.

 

وقد أرشدت التعاليم الإسلامية منذ بدء الرسالة وطوال العهدين المكي والمدني إلى طرق محددة للتعامل مع (الآخر) المختلف، ومن المصطلحات القرآنية في هذا السياق:

 

- التعارف: ويعني المعرفة والفهم وبناء العلاقات، وهنا يمكن لاجتماع حوار الأديان أن يكون مجلسًا للتعارف.

 

- الإصلاح: ويشير إلى بناء الجسور والتسامح وتعزيز العلاقات وحل الصراعات، وهذه هي وظيفة الدعاة والناشطين المدنيين والسياسيين؛ حيث يسعون إلى بناء التسامح داخل المجتمع، ويفترض أن يكون حوار الأديان عملاً إصلاحيًّا؛ على اعتبار أنه يعمل على توفير الصدقات وحل النزاعات.

 

- المجادلة بالتي هي أحسن: تكشف الخبرة التاريخية أن أهل كل دين كانوا يحاولون إثبات قدرة دينهم على الإجابة عن التساؤلات العقدية والأخلاقية، وقد أمر القرآن الكريم المسلمين بأن يُظهروا الاحترام للآخرين وألا يؤذوهم، فيقول تعالى: ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (العنكبوت: من الآية 46).

 

- التعاون: ويعني من المنظور القرآني العمل من أجل صالح الناس والإحسان إلى جميع الخلق.

 

- استبقوا الخيرات: أي إذا قام غير المسلمين بعملٍ تطوعي وخدمة الناس فيجب على المسلمين أن يقوموا بما هو أبعد من ذلك ويتأسوا بالنبي الكريم عندما ساعد أهل قريش في رفع الحجر الأسود دون حرب كادت تنشب بينهم.

 

وعمومًا فإن مَن يُرِدْ أن يشارك في الحوار يجد في البداية أن الحوار داخل الدين الواحد أصعب من الحوار بين الأديان، وهذا يرجع في الحقيقة إلى أننا لم نتلقَّ تدريبًا مناسبًا على قواعد ومهارات الحوار رغم علمنا بأن القرآن الكريم يُقِرُّ الاختلاف في الآراء بين أتباع الدين الواحد وبيننا وبين الأديان الأخرى.

 

وفي هذا الإطار يضع البروفسور ليونارد سويدلر (قسم الدين بجامعة تمبل الأمريكية) مبادئ مهمة للحوار الديني بمختلف أنماطه وأشكاله؛ منها:

- أن يكون هدف الحوار هو التعلم وزيادة الفهم.

- أن يكون المشاركون أمناء ومخلصين ولديهم رغبة في التعلم والاحترام المتبادل.

- ألا نقارن أفكارنا بممارسات شركائنا في الحوار، ولكن نقارن أفكارنا بأفكارهم، وممارساتنا بممارساتهم.

- أن ينصت المتحاورون إلى بعضهم بصدقٍ وانفتاح.

- الحوار يحدث فقط بين متساوين؛ فلا تُعامِل الآخرين باستعلاء.

- الحوار يجب أن يجريَ في أجواء من الثقة المتبادلة.. إلخ.

 

كما يضع كتاب "حوار الأديان.. دليل إرشادي للمسلمين" (واشنطن: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 2007) لكلٍّ من البروفسور محمد شفيق الباحث الزائر للدراسات الدينية والإسلامية بمركز حوار الأديان بكلية ناذاريث- روشستر في نيويورك، والبروفسور محمد أبو نمر الباحث بمركز السلام الدولي وتسوية النزاعات بالجامعة الأمريكية بواشنطن،.. عددًا من المبادئ المهمة للمشاركين للراغبين في الدخول في حوار داخل الدين الواحد أو حوار بين الأديان؛ منها:

1- كن على خُلقٍ، وابتعد عن الخلاف، واقتدِ بالنبي الكريم الذي مدحه ربه تعالى بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4)﴾ (القلم).

2- تحدث بطريقة لينة وهادئة؛ فقد أمر الله تعالى موسى وهارون أن يقولا لفرعون قولاً لينًا!.

3- اكظم غيظك وتسامح؛ فالقرآن الكريم يدعو إلى كظم الغيظ والعفو عن الناس، والله يحب المحسنين.

4- اصبر في تعاملك مع غيرك؛ فالله يحب أيضًا الصابرين.

5- ابتسم بهدوء؛ فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبتسم ويقول: "تبسمك في وجه أخيك صدقة".

6- أعطِ الآخرين فرصةً لكي يُعبِّروا عن رأيهم بحرية.

7- كن مستعدًا دائمًا وتطوع في العمل الجماعي من أجل المرضى والمحتاجين والفرقاء من البشر.

 

وصفوة القول: إن حوار الدين الواحد أصبح أولوية من أجل زيادة الفهم المتبادل وإزالة الصور النمطية السلبية وتحقيق العدل والتعايش والاحترام المتبادل، ولنا أن نتخيل أن الله تعالى دعانا إلى حفلٍ ودعا إليه جميع خلقه.. فكيف تكون ردة فعلنا؟! إننا بالطبع سنتزيَّن ونلبس أفخر ثيابنا ونذهب إلى هذا الحفل ونعامل جميع الخلق بحبٍّ ورحمة.

----------

* صحفي مقيم بالبحرين.