أروع سيمفونية نسمعها من حناجر أئمة المسجد الحرام، فطوبى لمَن يُكرمه الرحمن بلقاءٍ مع المولى في المسجد الحرام.. في هذا الوقت المصطفى المبارك أشهر الحج، المسجد الحرام الذي تقلَّب وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم في السماء من أجل أن يكون قبلتنا، وتستعد النفس وتبتهج، ونتذكر الوحي ونزول القرآن، فنحن نسمع من حناجر شيوخنا الأجلاَّء كلام الله بلا تحريفٍ ولا تأويل.

 

وصلنا في وقت صلاة الجمعة، وكان الزحام شديدًا، الكل يأمل في مكانٍ يكفيه لأداء الصلاة سواء خارج المسجد الحرام أو داخله أو في الطوابق العليا أو السفلى، المهم أن يظفر بمكان قبل وقت الصلاة، وكنت معهم فأخذتني موجة بشرية انتهت بي عند المسعى.

 

ووجدت بُغيتي.. مكانًا بالكاد يسمح لي بالسجود، ولكن شريان الصفا والمروة ما زال يتدفق بينهما البشر، وكنت جالسةً في مواجهتهم، فأخذت عيناي ترقب هذا المشهد المهيب، وقد كان بصري على الأرض انتظارًا للصلاة واستماعًا لخطبة الجمعة؛ محاولةً للإنصات، فذهلت من عدد الأقدام المختلفة في أشكالها وألوانها وأحجامها، والتي تخطو خطواتها على مرمى بصري، وكان اتجاهها واحدًا وبوتيرة منتظمة، أقدام تليها أقدام، وكأنَّ كل قدم تترك آثارها وبصمتها لتشهد لها بين يدي الخالق العظيم: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ (يس: من الآية 12).

 

وتساءلتْ نفسي: تُرى.. ما الذي كُتب على كل أثرٍ لقدمٍ تحمل نفسًا بشريةً؟! لكل واحد منهم قصة حياة كاملة؛ إما أن ينبثق منها سعادة أو شقاء.

 

سعيٌ لم يوقفه سوى نداء الصلاة، فتراصَّت الصفوف وتلامست الأقدام وخشعت الآذان تستمع إلى آيات الله، وكل هذا العدد الهائل لم نسمع إلا دقات قلوبهم خافتةً؛ لا صوت ولا همس، والأجساد وكأنها أصبحت جسدًا واحدًا تتحرك بنفس الوتيرة.. ركوع متحد، سجود متحد، وقوف متحد.

 

يا الله.. ما هذه الروعة؟! وما هذا الجمال؟!، وكأن أجسادنا بوقوفنا متراصِّين كالبنيان المرصوص قد خفَّت أثقالها وسبحت الأرواح مع كلمات الله فتنساب الدموع متسابقة متدافقة؛ لعلها ترى ما نرى.

 

وفي دقائق معدودات وكأن يدًا خفيةً قامت بتنظيمهم وترتيبهم وقفوا في خشوع ثابتين، وكأن أقدامهم غرست في الأرض فكانوا زرعها الذي يعجب كل من يراه، وانقضت الصلاة وقد حصل كل فرد يريد الصلاة على مكان، وكأن أرض المسجد الحرام تتمدد في هذه اللحظة المباركة ليصليَ الجميع مهما استحال على البعض تخيُّل أن يظفر بمكان للصلاة، وهو أمر معجز بالفعل.

 

وتندهش الأعين؛ فبمجرد انتهاء لقاء الله يتداخل بعضهم في بعض أمواجًا متداخلة، لا ينتهي مددها عند شاطئ ليجد من تدافعها؛ فبمجرد أن يناديَ الإمام "الصلاة على الأموات يرحمكم الله" يحدث أمر عجيب وغريب، فهذه الأمواج المتداخلة تصبح بقدرة قادر صفوفًا متراصةً مرةً أخرى وكأنها لم تتفرَّق وتنتشر ولو للحظة.

 

منظر أعجز عن تصويره أو إيجاد الكلمات المناسبة لشرح كيفيته.. صورةٌ لا نرى لها مثيلاً إلا في بيوت الله وعند نداء الرحمن.

 

إن منظر هذه الصفوف المتراصَّة من الرجال والنساء لا يمكن لكاميرا أن تعبِّر عن معناها إلا كاميرا عين الإنسان، فيقف أمام هذا الجمع الحاشد مشدوهًا متأثرًا، ويشعر بحنين جارف لأخيه الملاصق لكتفه الملامس لقدمه، فيحاول أن يلين معه في الكلام وأن يقدِّم له كافة المساعدات، راجيًا رضا خالقه، ونرى بوضوح الابتسامات على الوجوه ينثرها المسلمون على بعضهم البعض كالزهور المتفتحة المعطَّرة الرائعة.

 

وما أروع مشهد النساء وهن يرتدين التاج الممزوج بطاعة الله.. خُمُرٌ مختلفة الألوان والأشكال متحدة المعنى والهدف؛ فالله هو الأول والآخر، وهو مقصدهن.

 

ويأتي وقت الطواف، وما أدراك ما الطواف!، عندما تستشعر النفس طواف الأنبياء؛ فقد كان في نفس المكان وعلى نفس الأرض، ونرى الأقدام وهي تسير على أثر خطوات محمد صلى الله عليه وسلم وإبراهيم عليه السلام والأنبياء عليهم السلام؛ فقد طافوا حول الكعبة وعلى نفس الأرض، وقبَّلوا نفس الحجر، وقال فيها محمد صلى الله عليه وسلم نفس الكلمات التي نرددها عنه الآن.

 

وعند شرب زمزم تنساب الأماني كالشلال لربٍّ لا يُعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، لا تختلط عند الله أمنية بأخرى، ولا دعاء بآخر.. الكل يدعو في نفس الوقت، وسبحانه قريبٌ من كل فرد، وشعرت بخلوة مع الله وكأني وربي، وكأنه يسمعني أنا فقط، وهو سبحانه رب الجميع يسمع للجميع، ويُجيب إن أراد وإن شاء.

ولنا معكم وقفات أخرى.