علمنا رسولنا صلى الله عليه وسلم أن أعمال العباد ترفع إلى الله في شعبان وكأنها نهاية السنة التعبدية، وأنه صلى الله عليه وسلم كان يحب أن ترفع أعماله وهو صائم، وبعد رحيل شعبان ورفع أعمال السنة الماضية، يأتي رمضان ليبدأ المسلم سنة تعبدية جديدة مع الله؛ ولأن الله رحيم بعباده ولطيف بهم شاءت إرادته أن يبدأ الإنسان السنة التعبدية الجديدة من كل عام وصفحته بيضاء نقية وخالية من أي شائبة، فصفد الله له في رمضان الشياطين من أجل أن تكون بدايته مع الله قوية وخالية من أي معصية أو ذنب، وليدخل المسلم رمضان وهو شبه معصوم من الشياطين، ولا يجد أمامه سوى الحادي يهتف به "يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر"، وتتوالى عليه نفحات ربه طوال الشهر، فتكون عمارة المساجد بالصلوات المكتوبات والسنن والنوافل وصلاة التراويح والتهجد وتلاوة القرآن والذكر والاستغفار وسائر أوجه العبادة، وهكذا يمضي رمضان بأيامه ولياليه الربانية والإيمانية العامرة بالطاعات والخيرات، وارتحلت أيامه ولياليه، حاملةً معها أغلى الأوقات وأحب الساعات، وفي جعبتها العبادات المتواصلة، والتلاوات المرتلة، والصلوات الخاشعة، والأذكار المتجددة، واستغفارات الأسحار، وسجدات الليل والنهار، ودمعات التائبين، وأنين المستغفرين، وبكاء المبتهلين، وقد ربح فيه من ربح وخسر فيه من خسر.

 

الكَيِّسُ من استفاد من رمضان لروحه وقلبه قوةً وزادًا دافعًا لمواصلة السير إلى الله، وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يتزودون من رمضان ما يجعلهم يواصلون المسير إلى الله ستة أشهر بعد رمضان، والكيّس مَن التمس طريق الصحب الكرام، وظل موصولاً بالله ولم يغلق باب طاعته ولم يترك عمارة مسجده ولم يهجر كتابه وسننه ونوافله، والكيّس من حافظ على صفحته بيضاء نقية أطول فترة ممكنة بعد رمضان، فلم يقترف إثمًا ولا معصية ولم يقع فيما يدنس صحائفه، والكيّس من لا يهدم ما بناه في رمضان ولا يعزم على معاودة المعاصي بعد رمضان، والكيّس من تدفعه طاعات رمضان إلى طاعات أخرى لا تتوقف ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ (17)﴾ (محمد)، والكيّس يدرك مقولة الحسن البصري رحمه الله "لا يكون لعمل المؤمن أجلٌ دون الموت" فهو في طاعة دائمة وعمل متواصل.

 

مضى أكثر من أسبوع منذ رحيل رمضان، ذقنا فيه لذة الدمعة، وحلاوة المناجاة في الأسحار فهل كان شهر رمضان بالنسبة لغيره من الشهور محط تزود وترويض على الطاعة والمصابرة؟، أم انقضت الطاعات بانتهائه؟ وهل انقطعت الصلة بينك وبين الصلوات المكتوبات في المساجد أم لا زالت قائمة؟ وهل عادت المصاحف إلى الأرفف والأدراج أم هو في جيبك؟ وكم جزءًا من القرآن قرأت بعد رمضان حتى اليوم؟ وكم صلاة فجر حافظت عليها في بيت الله؟ وهل نسيت أذكار الصباح والمساء؟ أم أنت من أهلها؟ وهل جفَّت مدامعنا التي سالت بغزارة في رمضان وعلى الدنيا تباكينا؟ أم بقيت خشية الله في قلوبنا؟ وهل سادت مظاهر الكسل والفتور والتراجع عن الطاعة؟ أم ما زالت روحانياتنا عالية؟ وهل نسينا عهد مولانا؟ أم نحن على عهده ووعده ما استطعنا؟.

 

لقد ارتدينا جميعًا في رمضان ثيابًا من الطاعة بيضاء نقية، جملناها بالطاعات والقربات، وسعدنا جميعًا باعتكاف العشر الأواخر امتثالاً لسنةِ الحبيب، وسعدنا بإدراك ليلة القدر، وكنا نتقلب في أعمال الخير وأبوابه حتى قال قائلنا "يا ليتني متُّ على هذا الحال"، ويبقى السؤال الحيوي الذي يجب أن يشغلنا: كم شهرًا وكم أسبوعًا وكم يومًا بعد رمضان سنحافظ على تلك الصفحة البيضاء وسنبقى على العهد مع الله؟ عهد الطاعة والعبادة، عهد الذكر وتلاوة القرآن، عهد التوبة والاستغفار، عهد ارتياد المسجد والارتباط به، عهد حب الصالحين والمكث معهم، عهد المداومة على الأعمال الصالحة التي تقربنا إلى الله.

 

يجب أن نقف مع أنفسنا ونتساءل: إلى متى سنبقى على صفحتنا بيضاء نقية؟ وما قدرتنا على المحافظة عليها بيضاء نقية؟ أم أنها اقتربت ساعة تلويث تلك الصفحة البيضاء؟ وأذكرك أخي بدعاء الحبيب- صلى الله عليه وسلم-: "‏اللهم إني أعوذ بك من الحور بعد الكور‏" وفي رواية "بعد الكون" أي من النقصان بعد الزيادة، والرجوع من الطاعة إلى المعصية، حتى لا نرجع بعد رمضان إلى الكسل والفتور وضعف الهمة وقلة الالتزام، لن ننتقل من نعيم الطاعة ولذة المناجاة إلى جحيم المعاصي والفجور، بل هو العهد مع الله أن نبقى على النفوس التي سطعت فيها شمس الإيمان، والقلوب التي حيت بالقرآن، والأرواح التي قويت بها الإرادة من بعد ضعف، وعلت بها الهمة من بعد انتكاس، واشتد بها العزم من بعد فتور، هي دعوة نعلنها أنه لا للانقطاع عن العمل الصالح بعد رمضان، لا لهجر بيوت الله وصلاة الجماعة وصلاة الفجر بعد رمضان، لا لهجر الأذكار وتلاوة القرآن بعد رمضان، لا لهجر الصيام والقيام بعد رمضان، لا وألف لا، بل مستمرون على طاعة الله، ثابتون على شرعه، مستقيمون على دينه.

 

اللهم ارزقنا العزيمة التي تعيننا على حفظ صفحتنا بيضاء نقية، والتي تعيننا على طاعتك على الدوام، وامنحنا القوة والإرادة على ترك واجتناب المنكرات، والمحافظة على جوارحنا من الوقوع في الشهوات والمحرمات، ومواصلة السير إليك بإرادة قوية لا يتطرق إليها ضعف ووفاء ثابت لا يعدو عليه تلون ولا غدر.

-------

* باحث إسلامي