ما أحلى أن نتذوق حلاوة الطاعة!، وما أجمل أن نعيش دائمًا في كنف الله وجنبات رحماته ووارف ظلال الأنس به والقرب منه!، فننشغل دائمًا بذكره، وتلهج ألسنتا بحمده وتسبيحه، وبتلاوة القرآن والاستماع إليه وتدبره، ومحاولة فهم معانيه ودلالاته، وصولاً إلى تطبيقه والعمل به في خاصة النفس وفي واقع الحياة والمجتمع وموازينه، ومعاييره وأنماط سلوكه وتفكيره، وقواعد أحكامه ومناهج التعليم والثقافة والإعلام والفن، وسائر وجوه الإبداع، والتفوق والبروز في كافة الأنشطة ومجالات الحياة المختلفة.
ولا خصام إطلاقًا بين هذا الانطلاق بالمعنى التقدمي في مضمار الحضارة والتفوق المادي والتقدم التكنولوجي وكل تقنيات الحضارة الحديثة، وبين الالتزام بالإسلام دينًا ومنهجًا، وبشريعته قانونًا وأحكامًا، وبأخلاقه إطارًا وسياجًا تحمي مواريث الأمة وتدفع عنها غوائل الهدم وعوامل السحق والإبادة وتجريدها من أسباب قوتها وسر بقائها واستعصائها واستعلائها على كل دعاة القهر والاستبداد والتبعية والدونية والإذلال.
لا غرابة أن يستحث الإمام المؤسس إخوانه ويخاطب كل من يعمل لنصرة الإسلام ليأخذ مكانه اللائق به في قيادة أمةٍ هي خير أمة أخرجت للناس.. لا غرابة أن يقول لهم: "أنتم روح جديد يسري في هذه الأمة فيحييها بالقرآن..".
لقد انقضى أكثر هذا الشهر المبارك ولم يَبْقَ إلا أيام معدودات، وهذه الأيام مطلوب منا أن نشمِّر فيها عن ساعد الجد، وقدوتنا في ذلك رسول الله (صلى الله عليه وسلم)؛ حيث أُثر عنه (صلى الله عليه وسلم) أنه إذا دخل العشر الأواخر من رمضان "أحيا ليله وشد مئزره وأيقظ أهله"، وما ذلك إلا لعِظَم قيمة هذه الأيام وفضلها وبركتها، خاصةً أن ليلة القدر موجودة في هذه الأيام، وهي في ليالي الوتر منها، وليست مقتصرة على ليلة السابع والعشرين، بل هي مبثوثة متناثرة؛ يتم تحريها في ليالي الوتر من أول ليلة الحادي والعشرين وحتى ليلة التاسع والعشرين؛ فهي خيرٌ من ألف شهر، وفيها نزل القرآن الكريم ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ (3) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (4) أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (5)﴾ (الدخان).
إن أعمال البر والخير في هذه الأيام كثيرة، والاهتمام بالفقراء والمساكين والأرامل واليتامى والمحتاجين واجب في هذه الأيام، وكثير من الفتيات والشباب ممن يسعون إلى إكرام هذه الفئات المحتاجة، يعملون على هيئة مجموعات ويجمعون ما يفيض من أهل الخير من مال وكساء وطعام ويجهزون وجبات إفطار ساخنة ومقبولة؛ يمرون بها على ذوي الاحتياجات في الأحياء الفقيرة والمناطق العشوائية؛ يفطِّرون صائمهم، ويطعمون جائعهم، ويكسون عاريَهم؛ فهم بذلك رسُل رحمة ومصدر إغاثة، ومنطلق خير وبر، ونتمنى أن يعمَّ هذا النموذج في كل البلاد، سواء في القرى والنجوع، وما أكثر الفقراء المعدمين فيها!، أو في الأحياء الشعبية والنواحي والشياخات التي تجمع أعدادًا ضخمةً من الذين يعيشون في هذه الأيام تحت خط الفقر؛ فزاد الأغنياء غنى وزاد الفقراء فقرًا، وزالت معالم الطبقة المتوسطة التي كانت تجمع خِيرة أبناء الأمة من محامين وأطباء ومهندسين، وغير ذلك من المهن التي يشغلها خريجو الجامعات والمعاهد العليا، وكادت هذه الطبقة تدخل في عداد الفقراء، حتى إننا سمعنا بعض الفتاوى في السنوات الأخيرة تجيز إعطاء زكاة الأموال لجميع موظفي الحكومة حتى درجة "مدير عام"، وهم الذين كانوا في عصور سابقة عيونَ المجتمع وصفوةَ رجاله!.
في هذه الأيام الأخيرة من رمضان يلزم الساعين لرضوان الله أن يعوضوا ما قد يكون فيه تقصير منهم في هذا الشهر، سواء في جوانب العبادات وحضور الصلوات في المساجد، أو المحافظة على صلاة التراويح وصلاة الفجر، أو قيام الليل فيما يُعرف بالتهجد وتلاوة القرآن الكريم وملازمته في أغلب الأوقات حفظًا وتلاوة وتدبرًا ومعايشة؛ تمهيدًا لتعويد النفس على التخلق به؛ أسوةً برسولنا (صلى الله عليه وسلم) "كان خلقه القرآن".
ونحب أن نشير دائمًا إلى أن الهدف من هذه الشحنة الإيمانية التي سنحصلها في هذا الشهر، سواء فيما مضى منه أو ما هو آت؛ الهدف من ذلك كله أن نتزود بزاد التقوى، وأن نتقوى بالطاعات على ما يأتي من أيام نحمل فيها الدعوة في معترك الحياة الوعرة ونحن أكثر وعيًا بطبيعة الطريق وفهمًا لأبعاده، مرتكزين في ذلك كله على قاعدة صلبة ودعائم متينة من فَهْم للإسلام ودوره في إسعاد الناس جميعهم في الدنيا والآخرة؛ شرط أن يرجعوا إليه ويقيموا أمره وشريعته في واقع الحياة وتنظيم شئون المجتمع:﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ﴾ (النور:55).
هذا التزوُّد بالشحنة الإيمانية والنفحات النورانية التي نستشعرها كلما عشنا في رحاب الطاعة في هذا الشهر المبارك؛ حتى ننطلق في مجال العمل والدعوة بثبات وقوة، وصبر وقدرة على التحمل، وجدية ومثابرة، بحيث لا نركن إلى الدعة والخمول والخمود، أو الفتور والضعف والاستكانة؛ فهذه ليست من صفات العاملين المجاهدين الجادين؛ حيث إن الجدية في مجال الدعوة والحركة هي نفسها المطلوبة في مجال الجهاد ومواجهة الأعداء: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (146) وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (147) فَآتَاهُمْ اللهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (148)﴾ (آل عمران).
هذا الإعداد النفسي والروحي لتحمُّل أعباء الدعوة والطريق والصبر على العنت والمشقة ومجالدة الباطل وكثرة الإيذاء المادي والمعنوي الذي يتعرَّض له الدعاة المتمثل في الملاحقة والمتابعة وكيل التهم وتلفيق القضايا بمختلف الحجج والذرائع لتعطيل الدعوة، وتعويق الطريق والمنع من الوظائف، ومصادرة الأموال والحريات بغير حق، وتوهين العزائم وإضعاف الصف، وتشويه الدعوة والدعاة وإشاعة قول السوء بين المؤمنين، وهز الثقة في الجماعة والمنهج والقيادة..
كل ذلك وكثير غيره يتعرَّض له الإخوان، ولكنه ولله الحمد لا ينال منهم، ولا يهز قلوبهم ولا عزيمتهم؛ وهم يتمثلون موقف الأنبياء والرسل عندما يتوعدهم أقوامهم ليصرفوهم عن الحق الذي أكرمهم الله به: ﴿وَمَا لَنَا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ (إبراهيم: 12).
وقريب من هذا منهج القرآن في إعداد النبي (صلى الله عليه وسلم) في بداية الدعوة وفي بدايات الوحي الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمْ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً (2) نِصْفَهُ أَوْ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلْ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً (4) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً (5)﴾ (المزمل).
فأعباء الدعوة وتكاليفها ومشاق الطريق وعنته والصبر على الإيذاء والآلام من كل من يتصدى لدعوة الإسلام ويصد عن سبيل الله.. كل ذلك وما إليه؛ يحتاج إلى نفوس قوية وعزائم متينة وإرادة لا يتطرق إليها ضعف ولا وهن ولا استكانة؛ لذلك كان توجيه القرآن بأن يلوذ الدعاة إلى صلاة الليل والوقوف بين يدي الله تعالى في خشوع وخلوة والناس نيام.
وقريب من هذا كذلك خطاب القرآن الكريم للرسول (صلى الله عليه وسلم)- وطبعًا لكل من يحمل الدعوة بعده ويسير على نهجه- في أواخر سورة الحجر: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (97) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنْ السَّاجِدِينَ (98) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (99)﴾ (الحجر).
المخرج من الأزمات والعقبات التي توضع أمام دعوة الإسلام وأمام الملتزمين بهذه الدعوة قولاً وفعلاً وأخلاقًا وسلوكًا.. هو اليقين الجازم بأن الله ناصر دينه، ومعز جنده، وأنه تعالى قد تكفَّل بحفظ هذا الدين: ﴿ِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: 9)، ﴿كَتَبَ اللهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (المجادلة:21).
وإذا كانت هناك من مشكلة فهي فينا نحن وفي مدى تمثلنا لكل جوانب الخير الذي نحمله والحركة به؛ ليس بالقول والكلام فقط، وإنما بالحركة والواقع والسلوك، وهذه مهمة ليست بسيطة، وإنما تحتاج إلى عون من الله وتوفيق واستمداد القوة منه سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (محمد: 7).
فهيا نغتنم هذه الأيام المباركة لنكون أهلاً لنصرة الله، والله المستعان ومنه التوفيق.