د. حامد أنور

 

فشلت مجموعة القوانين الوضعية التي انتهجتها السياسة المصرية منذ الاحتلال البريطاني واستمرت حتى يومنا هذا.. فشلت في التعاطي مع الواقع المصري والشعوب الإسلامية قاطبةً، ويعود هذا الفشل إلى الطبيعة القاصرة للعقل البشري في الإلمام بكل متطلبات الإنسان والمجتمع والتنبؤ بالأضرار والآثار الجانبية الناتجة من التطبيق؛ فمثلاً الدستور الأمريكي تم تعديله أكثر من سبع وعشرين مرة في مائتي عام فقط، وهذا لا يدل على أن العلمانية تصحح من نفسها، بل يدل على القصور البشري وعدم القدرة على الإدراك والوصول إلى المنظومة التشريعية الأمثل للتعامل مع الواقع الإنساني والمستجدات التي تحدث بعد التطبيق.

 

كما فشلت أيضًا القوانين الوضعية على المستوى النفسي والروحي؛ فقد فشلت في تحقيق الأمن النفسي الداخلي والسلام الاجتماعي وتهذيب النفس البشرية والحد من فورانها الانفعالي، فانتشرت الجرائم وظهر الجحود والعقوق بين أفراد الأسرة والمجتمع، وتدنَّت النفس البشرية إلى طبيعتها الأولى من الغدر والخداع والتملُّق والكذب والانقياد وراء الغرائز والشهوات.

 

إن سلامة أي نظام سياسي في الدولة والاستقرار المنشود له؛ يتأتَّى من توافق منظومته التشريعية مع المعتقدات الدينية لأفراد شعبه.. يقول ميكيافيللي في كتابه الأمير: "وقد يسَّر هذا تيسيرًا كبيرًا جميع المشروعات التي حاول القيام بها مجلس الشيوخ أو كبار أعضائه، وقد ادَّعى توما أنه تحدَّث إلى إحدى الحور وأنها أملت عليه كل ما يريد أن يقنع الناس به، والحق أنه لا يوجد مشترع عظيم لم يلجأ إلى القوة الإلهية، وإلا لما أطاع الناسُ شرائعه؛ لأن ثمة شرائعَ صالحةً كثيرةً يدرك المشترع أهميتها، ولكن أسباب وضعها لا تتضح للناس وضوحًا كافيًا يمكِّنه من إقناع غيره من الناس بإطاعتها، وهذا هو السبب الذي يجعل العقلاء من الناس يلجئون إلى السلطة الإلهية ليتغلبوا على تلك الصعوبة" (ول ديورانت، نقلاً عن كتاب الأمير، قصة الحضارة، المجلد الحادي عشر).

 

وهكذا يتم وضع العديد من الفتاوى والأحكام وصبغها بصبغة الشريعة وهي ليست منها لخداع الشعوب، وهذا يعود إلى أزمةٍ في القوانين الوضعية لعدم قدرتها أصلاً على إقناع البشر بجدواها.

 

ويقول هوبز: "إن المؤسسين والمشرعين الأولين للدول بين الأمميين- غير اليهود- الذين كانت غاياتهم الإبقاء على طاعة الناس وعلى السلام، عُنوا في كل مكان أولاً بأن يطبعوا في أذهان الناس أن تلك التعاليم التي جاءوا بها فيما يتعلق بالدين لا يجوز الظن بأنها جاءت من عندياتهم، بل إنها جاءت بأمرٍ من بعض الآلهة أو الأرواح، وإلا كانوا يقولون عن أنفسهم، أي المؤسسون والمشرعون: إنهم من طبيعة أسمى وأرقى من مجرد بشر معرَّضين للفناء حتى يمكن تقبُّل قوانينهم في كثير من اليسر، وهكذا زعم توما بومبيليوس ثاني ملوك روما أنه تلقى الطقوس التي أقامها بين الرومان من الحورية إيجريا، كما زعم مؤسس بيرو وأول ملوكها أنه وزوجته من أبناء الشمس، ثانيًا أن يشيعوا الاعتقاد بأن الأشياء التي تُغضب الآلهة هي التي حرمها القانون" (ول ديورانت: قصة الحضارة، المجلد السابع عشر).

 

إذن فمن خلال هذا الدجل والتحريف وإلباس أمر الدين على العوام تأتي السيطرة على الشعوب، وهذه هي طبيعة البشرية التي ترضخ للتشريعات الدينية أكثر من القوانين الوضعية، والتي- أي القوانين الوضعية- تجعل الشعوب حقل تجارب لأفكارها القاصرة؛ تغيرها من حين لآخر بسبب عجزها وقصورها؛ فالعقل يحسن التعامل مع الآلة الجامدة ولكنه يفشل في التعامل مع الطبيعة البشرية المتأججة، وإلا كان علماء الطبيعة والفيزياء والهندسة والكيمياء هم أنجح وأسعد البشر.

 

إذن فلماذا كل هذا الالتفاف؟! ولماذا لا نعود إلى التشريعات الإسلامية مباشرةً بدلاً من محاولات الخداع والكذب وليِّ الحقائق؟!

 

ولكن لأننا موضوعيون للغاية نريد أن ننبِّه على أن أفكار هوبز وميكافيللي والتي صاغت الفكر السياسي المعاصر للدول الإسلامية تعاني من نقطتي ضعف خطيرتين؛ هما:

أولاً: أن هوبز يعتمد سياسة التخويف وبثّ الرعب؛ لإحكام السيطرة والرد بقسوة على أية محاولة للتغيير، ولم يعتمد سياسة إقامة العدل أيضًا والذي يحمي الممالك من الانهيار؛ لذلك فما لا يعرفه هوبز أنه إذا تجرَّأ البعض وقام بالتصدي وبقوة دون مهابة؛ فإن هذا يغري الآخرين بأن يحذوا نفس حذوه؛ لأنه زرع الكراهية في قلوب الجميع بسبب سياسة البطش المتبعة؛ فمثلاً لو أن مجرمين ركبوا "أوتوبيسًا" وهدَّدوا الركَّاب بالأسلحة وقتلوا أحدهم من أجل بث الرعب في قلوب الآخرين؛ فإنه لو تجرَّأ أحد الركَّاب وهاجمهم سيتجرَّأ بعد ذلك كل الركاب، فإذا كان هوبز قد زرع الخوف فإنه سيحصد الكراهية التي قد تعصف به، ولتنظر أمريكا إلى شماتة الشعوب في كل مصيبة تحل بها.

 

إنما مثل النظام العالمي الجديد الذي وضعه هوبز كمثل حبات العقد؛ فالخوف هو ذلك الخيط الذي يربط بينها، فإذا تقطَّع وانسلَّت حبة انسلَّ وراءها باقي العقد؛ لأنه قائم على الخوف والظلم لا القوة والعدل، كذلك إذا تحطَّم جدار الخوف تحرَّرت كل الأمم؛ فالحمقى الذين تغاضوا بقصد عن التدخل الروسي في جورجيا إنما يغرون الآخرين بالتحرر.

 

لقد طردت بوليفيا سفير أمريكا لديها وكأنه سفير موزمبيق وسارت على نفس النهج فنزويلا، والفضل كل الفضل بعد الله سبحانه وتعالى للمجاهدين في أرض العراق الذين كسروا حاجز الخوف على أبواب بغداد.

 

لذلك كان حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: "سيد الشهداء حمزة ورجلٌ قام إلى سلطان جائر قال كلمة حق عنده فقتله".

 

لقد جعل الإسلام هذا الرجل الذي قال كلمة حق مثل سيد الشهداء؛ لم يحمل سيفًا أو مدفعًا، ولكنه أصبح مثل حمزة رضي الله عنه؛ لأنه تجرَّأ وكسر حاجز الخوف ولو بكلمة، ولاحِظ أنه قال "رجل"، ولم يقل "عالم"؛ فالأمر ليس وقفًا على أحد أو فيه تخصيص لفئة.

 

وكنت دومًا أتأمل الحديث وأتساءل: ولكن الرجل لم يغيِّر شيئًا؛ لم يأتِ بالإصلاح المنشود، لقد مات هباءً دون مردود، إنه كما يقال بالعامية "مات فطيس"!، ولكن موته هذا يوقظ الآخرين، ألم يوقظ موت سيد قطب- كما أرَّخت له الإدارة الأمريكية- روح الجهاد في الأمة؟! وكما يقول ديورانت: "إن سلطان السيف يضارع سلطان القول"، فأين نحن الخانعون المتثاقلون إلى الأرض الراكنون إلى الدنيا من كلمة الحق؟!

 

ثانيًا: أن طبيعة الإسلام كدين ليس فيها طائفة من الكهنة أو المستأثرين بالشريعة كما في سبط لاوى عند اليهود؛ الذي استأمنه موسى عليه السلام على التوراة، أو عند باباوات الكنيسة الكاثوليكية في أوروبا؛ لأن القرآن واضح لا غموض في أحكامه أو تشريعاته، ومتاحٌ لكل الناس، وتتلى علينا آياته؛ فالحمد لله الذين أنزل الكتاب ولم يجعل له عوجًا؛ لذلك لا يمكن للأنظمة الحاكمة أن تتحايل على شعوبها وتقول لهم إن تلكم القوانين الوضعية هي من عند الله حتى تعطيها قبولاً لدى الجماهير، كما لا توجد في الإسلام عصمةٌ لغير الأنبياء، وكلٌّ يؤخذ منه ويردُّ إلا محمد صلى الله عليه وسلم؛ لذلك حاولت أمريكا والأنظمة المتحالفة معها صناعة هذه الطائفة في المنطقة التي تسير على نهج باباوات الكنيسة الكاثوليكية؛ حتى تستطيع السيطرة على المنطقة بالسيطرة عليهم؛ فإن هؤلاء الباباوات حينما كان يأتي إليهم الفقراء والمظلومون والمسحوقون يشتكون من ظلم القياصرة والملوك فيقولون لهم: "دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله".

 

والآن تخرج بعض الأقلام لتقول لنا: "وإن أخذ مالك وجلد ظهرك" كما فعل باباوات الكاثوليكية؛ فهذا خطأ كبير؛ لأننا لو تجاوزنا عن الظلم الشخصي، رغم أن الإسلام يوجب رد الحقوق إلى أصحابها، فلن نتجاوز عن الجَور على أحكام الشريعة ونبذها وراء الظهور؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وكما أمرنا القرآن الكريم ﴿وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ﴾ (آل عمران: من الآية 64).

 

دع عنك الظلم الشخصي رغم أهميته، ولكن أين حدود الله المُعتَدَى عليها؟! فإذا أرادت الدولة أن تضع قانون الطفل الوضعي الذي شاركت فيه مؤسسات تبشيرية ثم تختمه بصك الشريعة عندنا والشريعة منه براء؛ فهنا الدولة تريدنا أن نتخذها أربابًا من دون الله.

 

إن القوانين الوضعية تعاني من أزمةٍ في التعايش مع الواقع وتؤدي إلى خواء روحي وفساد مادي وانحراف خلقي.