محمد الحليسي

 

استيقظ (الباطل) ذات ليلةٍ مذعورًا خائفًا مكروبًا لا يكاد يلتقط أنفاسه، فخرج يتمشَّى لعله يأنس بأحدٍ من أعوانه وهو يقول لنفسه: ما هذا؟ مَن هذا (الحق) الذي يقضّ مضاجعي, ويقطع عليَّ منامي, ألستُ أكثر منه عَددًا؟ وأمضى منه عُددًا؟ أليس يتبعني كل جبار ويتبعه مَن لا حول لهم ولا قوة؟! ألم أستعمل من كل طائفةٍ ماكريها, ومن كل طبقةٍ مخادعيها فأنفق عليهم وأغدق؟! ألم أستكثر من طلاب المجد والشهرة, عبيد أهوائهم, فأَعِدُهم وأمنِّيهم, فأنتفع بخدمتهم وأوظف رغبتهم؟! فلماذا أن خائف قلق مذعور؟!.

 

وعندئذٍ سمع صوتًا يتردد صداه في الأفق البعيد: لا.. لا، بل أنا الأبقى والأقوى, معي المخلصون, وجنودي الصادقون, يكثرون عند المغرم, ويقلون عند المغنم.

 

فاتجه إليه الباطل: مَن أنت؟.

الحق: أنا مَن تخشى.

الباطل: تعالَ أكلمك, عندي أشياء أستوضحها.

الحق: ومتى استمعت إليَّ من قبل حتى تستمع الآن؟!.

الباطل: إن الله استمع إلى الشيطان, أفلا تسمعني؟!.

الحق: هات ما عندك.

الباطل: لماذا يرغب الناس فيك وأنا أُخوِّفهم منك؟

 

الحق: أنا اسم من أسماء الله, عندي الأمان والسكن, عندي المبادئ والقيم, جندي متحابون, على أنفسهم يؤثرون, باسمي يهتفون, ولأجلي يُجاهدون.

 

الباطل: ولكنك لا تُعطيهم شيئًا.

الحق: هم على هذا بايعوني؛ فهم أزهد الناس في الدنيا, أرغبهم في الآخرة؛ لذتهم في الخدمة بلا أجرة.. ولكن حدثني أنتَ عن أصحابك.

 

الباطل: أصحابي؟!! لمصالحهم يتجمعون, ولأهوائهم يعملون، بأسهم بينهم شديد، يطعن بعضهم على بعض، ويشي بعضهم ببعض، جبارون بعضهم على بعض، يخططون ليجمعوا، ويمكرون ليحكموا.

 

الحق: أليس منكم رجل رشيد؟!.

 

الباطل: الرشيد عندنا مَن اشتغل بالدهاء، وخدع الدهماء.

الحق: ألا تخافون العلماء؟!.

 

الباطل: جنَّدنا منهم مَن نكسب به قلوب العامة.

الحق: وهل منهم مَن يطمع فيك؟.

 

الباطل: حب المال والشهرة والمدح والثناء هي آفات العلماء، فاتَّخذتهم كالبائع الغشاش، فيكونون لديَّ كمصحفٍ في خمّارة أو سبحة في يد زنديق.

 

الحق: ليس كل العلماء هكذا غشاشين مخادعين, وليس هؤلاء بالعلماء.

الباطل: أحدثك عن جندي لا عن جندك.

الحق: حدثني إذن عن بعض أعوانك.


الباطل: المستبدون، وهؤلاء هم صفوة رجالي، ولكن ليس لهم حول ولا قوة إلا بالمتمجدين.
الحق: المتمجدون؟؟ ماذا تعني بالمتمجدين؟.

 

الباطل: المتمجد طالب المجد الكاذب والمظهر الفارغ، الباحث عن أي جاهٍ, والتمجد هو أن يتقلّد الرّجل سيفًا من قِبَل الجبارين يبرهن به على أنَّه جلاد في دولة الاستبداد، أو يعلِّق على صدره وسامًا مشعرًا بما وراءه من الوجدان المستبيح للعدوان، وبعبارة أوضح وأشد اختصارًا، هو أن يصير الإنسان مستبدًّا صغيرًا في كنف المستبدِّ الأعظم.

 

الحق: إذًن يكون المتمجدون أعداءً للعدل أنصارًا للجَور، لا دين ولا وجدان ولا شرف ولا رحمة.

 

الباطل: وهذا ما يقصده المستبدُّ من إيجادهم والإكثار منهم؛ ليتمكَّن بواسطتهم من أن يغرِّر بالأمة لتضر نفسها تحت اسم منفعتها، فيسوقها مثلاً إلى حربٍ اقتضاها محض التجبُّر والعدوان على الجيران، فيوهمها أنَّه يريد نصرة الدين، أو يُسرف بالملايين من أموال الأمة في ملذاته وتأييد استبداده باسم حفظ شرف الأمة وأبَّهة الدولة، أو يستخدم الأمة في التنكيل بأعدائه مدعيًا أنهم أعداء لها، أو يتصرَّف في حقوق الشعب كما يشاء باسم مقتضى الحكمة والسياسة.

 

الحق: والحقيقة أنَّ كلَّ هذه الدواعي الفخمة العنوان في الأسماع والأذهان ما هي إلا تخييل وإيهام يقصد بها التضليل.

 

الباطل: نعم.. هذه هي الحقيقة؛ فالمستبدُّ لا يستغني عن أن يستمجد بعض أفراد من ضعاف القلوب، ولهذا يُقال: دولة الاستبداد دولة بُلْهٍ وأوغاد.

 

الحق: ولكن ليس كل أتباع الاستبداد بُلْهًا، بل فيهم الأذكياء.

 

الباطل: نعم.. المستبدُّ يجرِّب أحيانًا في المناصب والمراتب بعض العقلاء الأذكياء أيضًا ليُثبِتَ أنه يقوى على تليين طينتهم وتشكيلهم بالشِّكل الذي يريد، فيكونوا له أعوانًا خبثاء؛ ينفعونه بدهائهم، ثمَّ هو بعد التجربة إذا خاب ويئس من إفسادهم يبادر إلى إبعادهم أو ينكِّل بهم.

 

ولهذا لا يستقرّ عند المستبدّ إلا الجاهل العاجز الذي يعبده من دون الله، أو الخبيث الخائن الذي يرضيه ويغضب الله.

 

الحق: وكيف يستخدم المستبد رجاله؟ ومتى يثق بهم إذن؟.

 

الباطل: المستبدّون المحنّكون يُطيلون أمد التجربة بالمناصب الصغيرة، فيستعملون قاعدة الترقّي مع التراخي، ويسمّون ذلك رعاية قاعدة القدم، ثمّ يختمون التجريب بإعطاء المتمرِّن خدمةً يكون فيها رئيسًا مطلقًا ولو في قرية.

 

الحق: إلا يخشى المستبد من تجمعهم عليه والانقلاب ضده؟!.

 

الباطل: مع هؤلاء يستعمل المستبدُّ سياسة الشدِّ والإرخاء، والمنع والإعطاء، والالتفات والإغضاء؛ كي لا يبطروا، وسياسة إلقاء الفساد وإثارة الشحناء فيما بينهم كي لا يتفقوا عليه.

 

الحق: ولكننا نرى أحيانًا أن المستبد يحاكم بعض رموزه، ويقدمهم إلى العدالة! فما تفسير ذلك؟!.

 

الباطل: المستبد تارةً يعاقب عقابًا شديدًا باسم العدالة إرضاءً للعوام، وأخرى يقرنهم بأفراد كانوا يقبِّلون أذيالهم استكبارًا فيجعلهم سادةً عليهم يفركون آذانهم استحقارًا، يقصد بذلك كسر شوكتهم أمام الناس وعصر أنوفهم أمام عظمتهم.

 

الحق: تقصد أنَّ المستبدّ يُذلِّل أتباعه بكلِّ وسيلةٍ حتى يجعلهم مستلقين بين رجليه كي يتَّخذهم لجامًا لتذليل الرعية؟!

 

الباطل: هو ذاك.

 

الحق: وهل المستبد فعلاً يرى نفسه إلهًا من دون الله؟.

 

الباطل: المستبدُّ في لحظة جلوسه على عرشه ووضع تاجه المسروق على رأسه يرى نفسه أنه كان إنسانًا فصار إلهًا، ثم يُرجع النظر فيرى نفسه أعجز من كلِّ عاجزٍ، وأنَّه ما نال ما نال إلا بواسطةِ من حوله من الأعوان، فيرفع نظره إليهم فيسمع لسان حالهم يقول له: ما العرش؟ وما التاج؟ وما الصولجان؟ ما هذه إلا أوهام في أوهام.. هل يجعلك هذا الريش في رأسك طاووسًا وأنت غراب؟ أم تظن الأحجار البراقة في تاجك نجومًا ورأسك سماءً؟ أم تتوهم أنَّ زينة صدرك ومنكبيك أخرجتك عن كونك قطعة طينٍ من هذه الأرض؟ والله ما مكَّنك في هذا المقام وسلَّطك على رقاب الأنام إلا تجبُّرنُا, وامتهانُنا لديننا ووجداننا, وخيانتُنا لوطننا وإخواننا، فانظر أيها الصغير المتكبِّر الحقير الموقر كيف تعيش معنا!.

 

وعندئذٍ يرجع المستبدُّ إلى نفسه قائلاً: الأعوان الأعوان، الحَمَلَة السَّدنة أسلمهم القياد وأردفهم بجيشٍ من الأوغاد أحارب بهم هؤلاء العبيد العقلاء، وبغير هذا الحزم لا يدوم لي مُلْكٌ، بل أبقى أسيرًا للعدل معرَّضًا للمناقشة.

 

الحق: أفهم منك أن المستبد كلما كان عريقًا في الاستبداد أكثر من هؤلاء؟!

 

الباطل: نعم.. كلما كان المستبدُّ حريصًا على العسف احتاج إلى زيادة جيش المتمجّدين العاملين له المحافظين عليه، واحتاج إلى مزيد من الدقّة في اتِّخاذهم من أسفل المجرمين الذين لا أثر عندهم لدينٍ أو ذمّة، واحتاج إلى حفظ النسبة بينهم في المراتب بالطريقة المعكوسة، وهي أن يكون أسفلهم طباعًا وخصالاً، أعلاهم وظيفةً وقربًا، ولهذا لا بدَّ أن يكون المقرَّب الأعظم للمستبدّ هو اللئيم الأعظم في الأمة، ثم من هو دونه لؤمًا، وهكذا تكون مراتب المقربين والأعوان في لؤمهم حسب مراتبهم في التشريفات والقرب منه.

 

الحق: ولكننا نسمع أحيانًا وزيرًا أو مسئولاً يُصرِّح بأنه مع الحريات، أو الإصلاح، فكيف يتماشى هذا مع ما تقول؟!.

 

الباطل: لا يغرَّ العقلاء ما يتشدَّق به الوزراء والقوّاد من الإنكار على الاستبداد والتفلسف بالإصلاح، وإن تلهَّفوا وإن تأففوا، ولا ينخدعوا لمظاهر غيرتهم وإن ناحوا وإن بكوا، ولا يثقوا بهم ولا بوجدانهم مهما صلّوا وسبَّحوا؛ لأنَّ ذلك كلّه ينافي سيرهم وسيرتهم، ولا دليل على أنَّهم أصبحوا يخالفون ما شبُّوا وشابوا عليه، كيف يجوز تصديق الوزير والعامل الكبير الذي قد ألف عمرًا كبيرًا لذّة البذخ وعزّة الجبروت في أنَّه يرضى بالدخول تحت حكم الأمّة؟!.

 

ألا ترى أن أحدهم لا يكاد يلبس كُمَّ سترة المنصب إلا ويتلبَّس بشرِّ الأخلاق، فيتنمّر على أمه وأبيه، ويتمرّد على أهل قريته وذويه، ويكظُّ أسنانه قضمًا للأموال، لا يميّز بين أخٍ وعدو؟! إنَّ أكابر رجال عهد الاستبداد لا أخلاقَ لهم ولا ذمَّة؛ فكلُّ ما يتظاهرون به أحيانًا من التذمّر والتألّم يقصدون به غشَّ الأمة.

 

الحق: ولكن نرى بعض رجال الاستبداد يدفعون بعض الأموال لبناء مسجد مثلاً أو التبرع لشيء من مصالح العامة.

 

الباطل: أيها الحق.. ما عهدتك ساذجًا، إنما يصرف بعضهم من ذلك شيئًا في الصدقات الطفيفة وبناء المساجد سمعةً ورياءً، وكأنهم يريدون أن يسرقوا أيضًا قلوب الناس بعد سلبِ أموالهم، أو أنهم يرشون الله، ألا ساءَ ما يتوهمون.

 

الحق: ولكن صولة رجال العلم والدين ستقف لهذا بالمرصاد.

 

الباطل: اطمئن؛ فالمستبدون يستجلبون فئةً من أولئك المتعاظمين باسم الدين؛ يقولون للشعب والأمة: يا بؤساء.. هذا قضاءٌ من السماء؛ فالواجب تلقّيه بالصبر والرضاء، والالتجاء إلى الدعاء، فاربطوا ألسنتكم عن اللغو والفضول، واربطوا قلوبكم بأهل السكينة والخمول، وإياكم والتدبير؛ فإن الله غيور، وليكن وِرْدُكم: اللهم انصر سلطاننا، وآمنَّا في أوطاننا، واكشف عنا البلاء، أنت حسبنا ونعم الوكيل.

 

الحق: أيها الباطل.. سيكون لي معك جولات؛ أتعرَّف بها منك على المزيد من طباع رجالك، ولكن اعلم أن هذه الأمة قيَّض الله لها أفرادًا كبار النفوس؛ يشترون لها السعادة بشقائهم، والحياة بموتهم، جعل الله في ذلك لذتهم، ولمثل تلك الشهادة الشريفة خَلَقهم؛ فكما خلق رجال عهد الاستبداد فُسَّاقًا فُجَّارًا مهالكهم الشهوات والمثالب، خلق رجال الحق عدولاً أبرارًا؛ الموت في سبيل الله أسمى أمانيهم.

 

فسبحان الذي يختار مَن يشاء لما يشاء، وهو الخلاّق العظيم.

---------

* اقتبستُ بعض العبارات بنصها من الكواكبي وأنا أُجري الحوار