الخيرات في شهر رمضان كثيرة، وفضائل هذا الشهر على المسلمين عميمة، وحكمة الصوم بالغة، والدروس المستفادة منه لا حصر لها ولا عد، وكل يوم يلمس فيه الناس- كل الناس مسلمهم وغير مسلمهم- آيات واضحات، تؤكد أن للصوم فوائد للإنسان في جوانب كثيرة من حياته؛ منها ما يتصل بالصحة والعافية في بدنه وتكوينه الجسماني (الفسيولوجي)، ومنها ما يتصل بصحته وعافيته النفسية وسلامته الروحية وعافيته من كثير من أمراض النفس والقلب معًا، وبما يطلق عليه اصطلاحًا الجانب (السيكولوجي).

 

ومن الأمراض التي يجب أن يتحرر منها المسلم في شهر الصوم، بل وفي حياته كلها في كل وقت وزمن: (قول الزور)، وهو مرض نفسي وسلوكي، يكاد يستشري في حياة الناس، بعيدًا عن الالتزام بهدى الله والمعيشة في ظلال الإسلام.

 

وإذا ما علمنا أن قول الزور يرادف الكذب والغش والخداع والزيف والتزييف والافتراء؛ أدركنا حاجة الناس إلى التزام الجادَّة، وتمثل قيم الإسلام قولاً وعملاً وسلوكًا؛ إذ ليس للمسلم أن يخوض في كل شيء؛ عرفه أم لم يعرفه، أو يَهْرِف بما لا يعرف كما يقولون، ويضبطنا في ذلك قول الله عز و جل ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً﴾ (الإسراء: 36).

 

إذا علمنا ذلك أدركنا الحاجة الشديدة لأن نعرض أنفسنا على أخلاق الإسلام المبثوثة في آيات كثيرة من القرآن، وفي أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي واقع حياة صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيرهم وسلوكهم؛ التي كانت ترجمةً صادقةً لجيل تربَّى في نور النبوة، وفي محضن الرسالة الخالدة.

 

وتكاد تجمع نصوص القرآن والسنة على أن "شهادة الزور" أو "قول الزور" جريمة في حق صاحبها، تدمِّر قيم المجتمع، وتنسف جسور الثقة بين أبنائه، وتقطع روابط الأخوَّة والحب والألفة بين الجميع، وتنتهي بالأفراد والجماعات إلى حالة من الأنانية والميكافيللية، وتؤدي إلى وضعٍ لا ينتهي فيه الناس إلى "كلمة سواء" أو إلى "رأي عام" يؤدي إلى إصلاح حال الأمة واستنهاضها من كبوتها، والأخذ بيدها إلى العلاج الشافي الذي نحمل الدعوة إليه وهو الإسلام.

 

يقول الله عز وجل: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنْ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ (الحج: من الآية 30)، ويغلِّظ النص من جريمة قول الزور؛ إذ يقرنها بالشرك؛ إذ الشرك افتراء على الله وزور، فيروي الإمام أحمد في حديثٍ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلَّى الصبح، فلما انصرف قام قائمًا فقال: "عدلت شهادة الزور الإشراك بالله عز وجل".

 

ويقول صاحب "الظلال" رحمه الله: "إنما يريد الله من الناس أن يميلوا عن الشرك كله وأن يجتنبوا الزور كله وأن يستقيموا على التوحيد الصادق الخالص ﴿حُنَفَاءَ للهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ (الحج: من الآية 31)".

 

ويذهب ابن كثير في تفسيره إلى أن الرجس هو الأوثان، وقرن الشرك بالله بقول الزور كقوله ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللهِِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ (لأعراف: 33).

 

ويذهب كثير من المفسرين إلى أن الآية الكريمة ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ (الإسراء: من الآية 36) تعني شهادة الزور، وتنهى عن القول بلا علم، بل بالظن الذي هو التوهم والخيال.

 

ويهتم الإسلام في تربيته لأبنائه بتكوين الضمير الحي، وإيقاظ رقابة النفس ومحاسبتها أولاً بأول عن كل تفريط أو تقصير في حق الله وحق أصحاب الحقوق، وحتى في حق النفس ذاتها، وكل ما يلفظ به المرء مراقب ومدون ومكتوب ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ (ق: 18).

 

والمسلم مطالب بأن يتحرَّى الصدق في أقواله وأفعاله، حتى يُكتَب عند الله من الصادقين؛ استجابةً لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (التوبة: 119)، وأَوْلَى الناس بالتحلي بكل مكارم الأخلاق والتزام النهج السليم في الحركة مع المجتمع ريادةً ودعوةً وقدوةً هم أبناء الدعوة؛ الذين آمنوا بالإسلام دينًا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًّا ورسولاً، وآمنوا بصدق المنهج وسلامة الطريق، وأيقنوا أنه هو الوحيد الذي يوصل إلى العزة والسعادة في الدنيا، والجنة والنعيم المقيم في الآخرة؛ أَوْلى بهؤلاء وغيرهم من المسلمين أن يتحرَّوا الصدق في كل شيء ولا ينزلقوا إلى ما يناقض ذلك من الافتراء والكذب والزيف والتزوير، وكل مرادفات هذه المعاني، وخاصةً "قول الزور" الذي نحن بصدد تسليط الضوء عليه تحذيرًا وتبشيعًا وتخويفًا.

 

ومن بديهيات المنهج التربوي في الإسلام أن تكون حركة المسلم بأقواله وأفعاله وسلوكه وواقعه الحياتي واليومي مطابِقةً تمامًا لما يتعلمه من هذا الدين؛ بحيث لا يكون هناك تناقض بين الأقوال والأفعال أو بين النظرية والتطبيق، كما يقولون، وهذا ما عبَّر عنه أهل "السلوك إلى الله" بأن مدار نجاح الداعية في حركته اليومية بالدعوة وبين الناس بـ"الحال" لا بـ"الأقوال"، وإن كان لا غنى عن الأقوال، إنما المعوَّل الأساسي هو "الحال" أو واقع الحياة؛ ولهذا قالوا: "حال رجل في ألف رجل خير من كلام ألف رجل في رجل"، فانتبهوا يا أهل الدعوة، وخاصةً شبابها الحي النابض، إلى أن القدوة الحسنة والأسوة الطيبة لها مفعولها الأعظم في فتح القلوب وانشراح الصدور، ولا يكون ذلك تصنُّعًا ورياءً، إنما ينبغي أن يكون خلقًا وطبعًا ويقينًا.

 

وقد يخرج علينا من تستهويه وسائل الإعلام المتعددة، وما أكثرها في هذه الأيام!، ليتكلم بما تهوى نفسه وما يزيِّن له شيطانه من كلام وأحاديث ووقائع بعيدة كل البعد عن الحقيقة، فيدخله ذلك أراد أم لم يُرِد، في دائرة إثم "قول الزور" وكان الأولى أن يتأكد من صدق ما يقول أو يكتب، ويمتحن صوابها، ويختار الوقت والمكان المناسبَين قبل أن يعلن ذلك على الملأ، ونذكر هنا أن الكلمة أو "حصائد الألسنة" قد تردي صاحبها في النار سبعين خريفًا، "وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم"!.

 

وإذا أردنا أن نشير إلى نماذج يسيرة لما يتناثر هنا وهناك من (قول الزور)، وخاصةً ما يتصل بالهجمة الشرسة على دعوة الإخوان المسلمين (منهجًا وأصولاً ووسائل ورموزًا) فإننا نكتفي بالقليل من هذه النماذج:

1- في إطار الهجمة على الحجاب، ومحاولة تفريغه من مضمونه الشرعي؛ باعتبار أن الحجاب لا بد أن يتناول الشكل والمضمون، وأن المنطلق إليه مرضاة الله أولاً وأخيرًا، وهو مبنيٌّ على الفهم والغاية منه، ورغم أن المبطلين والكارهين له قد أخرجوه، أقصد الحجاب، عن خطه الصحيح ومضمونه، إلا أنه مع ذلك أصبح ظاهرةً طيبةً تعطي صورةً مقبولةً لمجتمع يحب مظاهر الإسلام، وينزل علها ولو من ناحية الشكل العام، ومع ذلك كله تخرج علينا في إحدى القنوات الحوارية من تدَّعي أن المحجَّبات هن الأكثر استهدافًا للمعاكسات من الشباب والرجال في أماكن التجمعات والمواصلات، وتدَّعي أن ذلك نتيجة استبيانات واستطلاعات للرأي، ولا شك أن ذلك الادعاء يخالف الواقع والحقيقة؛ فالشارع كما يعجُّ بالمحجبات يمتلئ كذلك بالحاسرات الكاسيات العاريات، فكيف يمكن أن نفهم هذا التناقض، وما أكثر أن يتم فبركة هذه الاستبيانات للوصول إلى مقررات من شأنها أن تضرب الحجاب في مقتل!، أليس ذلك من قول الزور، ونشر الزور وشهادته؟!

 

2- وهناك من يضرب بكل حقائق التاريخ والثابت من الأحداث، ويدَّعي أن الإخوان المسلمين ليس لهم أي دور في مقاومة المستعمر الإنجليزي، وخاصةً في حرب القناة، ونسي أو تناسى أن الإنجليز قد نفد صبرهم، أعلنوا الجوائز الكبيرة لمن يعثر على الشيخ محمد فرغلي الذي كان يقود جهاد كتائب الفدائيين من الإخوان في عام 1951م، وكان كتاب الدكتور كامل الشريف (المقاومة السرية في قناة السويس) خير ما يوثِّق هذه المقاومة في هذه الفترة التي يأتي الأستاذ أحمد حمروش فيحاول مسحَها من ذاكرة التاريخ، وهيهات.. أليس ذلك من قول الزور أو شهادة الزور؟!

 

وهناك أقوال (زور) كثيرة يُروَّج لها هذه الأيام، منها: الإسلام السياسي، فصل الدين عن السياسة، الإخوان طلاب حكم ومناصب، الإخوان يحتكرون الإسلام، وهم ليسوا المتحدثين الوحيدين باسمه، والمطالبة بالشريعة تضرب الوحدة الوطنية، وغير ذلك من أقوال الزور التي تتهاوى أمام حقائق الإسلام وأصوله.. ولا حول ولا قوة إلا بالله.