هل يمكن أن يتجانس الدين والإبداع الفني ليكونا فريقًا واحدًا؟ وهل يمكن أن يتعانق الدين والفن معًا ليقدما لنا فنًّا راقيًا؟ أم أن الفصام بينهما هو الأساس؟ والى متى يبقى الخصام قائمًا بينهما؟

 

كل هذه الأسئلة وغيرها انتابتني وأنا أشاهد فيلم "آيات الحب"، والذي استطاع رغم إمكانياته الفنية المتواضعة أن يعالج هذا الفصام النكِد بين الدين والفن؛ فرأينا الفن يجسِّد القيم والأخلاق الدينية في صورة تناغمية رائعة؛ تُثبت أن الخلَل ليس في الفن ولا في الدين، بل هو في نفوس القائمين على الفن في بلادنا، المحاربين لبروز القيم السامية، والساعين لنشر الرذيلة والجوانب السلبية في حياة الناس وفقط، والوقوف في خطٍّ معادٍ للدين.

 

آيات الحب

ما أروع الفن حينما يناقش الحب والذي هو أعظم قيمة في الحياة؛ في ظلال من الرقيِّ والبُعد عن الإسفاف، مع الالتزام بضوابط الدين والشرع، وهذا ما تجلى في "آيات الحب"؛ تلك القصة الفريدة التي أذهلت القرَّاء قبل أن تتحول إلى فيلم سينمائي، فاستطاعت القصة أن تحقق أرقامًا قياسيةً في التوزيع، واستطاع الفيلم أن يحقق هو الآخر أرقامًا قياسيةً في المشاهدة؛ حيث جذب إليه أكثر من 5 ملايين مشاهد حتى الآن، وفي مقدمتهم رئيس الجمهورية.

 

وحديثنا هنا عن الفيلم الإندونيسي "آيات الحب".. ذلك الفيلم الذي يناقش بشكل مباشر قيمة الحب وتلازمها مع الوازع الديني الذي لا يغيب عن هذه النفس البشرية، محاولاً تقديم موعظة مفادها: إن الحب ليس رجسًا، وإن الدين لا يحاربه ولا يمانعه ولا يرفضه رفضًا قاطعًا، ولكنه فقط يضع له إطارًا ضابطًا كي لا ينحرف بالإنسان نحو الرذيلة.

 

"آيات الحب" يحاول أن يقدم لنا حياةَ طالب العلم، وبخاصة الوافد للدراسة في الأزهر الشريف، والذي ينظر له الوافدون على أنه قلعة العلم في العالم الإسلامي، فتأتي شخصية "فخري عبد الله" الطالب الإندونيسي ابن الفلاح من جاوه الوسطى الوافد الساعي إلى مصر من أجل استكمال دراسته العليا بالأزهر، حاملاً معه طموحاته العالية وأحلامه وآماله الرفيعة، وهي الشخصية التي من خلالها يتعرَّض الفيلم لمعاناة طالب الأزهر والآمه وآماله وهمومه وأحزانه، وأفراحه وأتراحه، وهو الوافد على مجتمع ولغة وعالم جديد عليه، يجسِّد الفيلم شخصية "فخري" الجامع بين الالتزام الديني قولاً وفعلاً والشغوف بالعلم على كافة أصعدته؛ فهو الدارس بالأزهر، وهو المتقن لثلاث لغات: "العربية والإنجليزية والفرنسية"، إضافةً إلى لغته الاندونيسية، والمشتغل في الوقت ذاته في الترجمة من العربية إلى الإندونيسية طلبًا للرزق من أجل إعانة نفسه على استكمال تعليمه بالأزهر ولسداد أعباء المعيشة.

 

زوايا الحب المختلفة

يغوص بنا الفيلم في أعماق نفسية "فخري" والمجتمع من حوله، وحرص الفيلم على تأكيد أن الحب موجود كغريزة داخل كل إنسان، ويقدم لنا سيمفونية رائعة للحب الطاهر الذي يمر به فخري؛ فهو الشخصية المثالية لكل من حوله، أحبه الدكتور وإمام المسجد الذي يصلي به، وكافة جيرانه من حوله، وكل من خالطه.

 

ويقترب الفيلم أكثر في تناوله للحب بكل أشكاله وغرائزه في النفس، ويعرض لنا أربع صور لفتيات أحببن فخري: "عائشة" الطالبة المنقَّبة ذات العينين السوداوين الألمانية من أصل تركي الجميلة والذكية والغنية،  والتي تعرَّف عليها فخري من خلال التقاء العينين في مترو الأنفاق، ثم اللقاء بها ثانيةً في حلقة تحفيظ القرآن الكريم فيتعلق بها قلبه دينًا بعدما تعلَّق بها جمالاً، فكان زواجه منها بعد تعلُّقه بها، ورغم غناها وقدرتها المالية؛ إلا أنه يرفض نفقاتها عليه.

 

والثانية "ماريا".. جارته المسيحية المصرية والتي أحبته حبًّا جمًّا حتى مرضت، والتي كانت تحفظ بعضًا من سور القرآن الكريم، وهي التي تزوَّجها بعدما طلبت منه زوجته الأولى ذلك نظرًا لمرضها؛ في عرض لقيمة الزواج والتعدد في الإسلام، وكان زواجه منها سببًا في إسلامها فيما بعد.

 

والثالثة" نورا" الجارة المصرية التي تعيش حياةً معذبةً، فكان فخري يساعدها بين الحين والآخر لإخراجها من مأساتها الإنسانية في بيت أبيها، فأحبته حبًّا من طرف واحد؛ أوجد لديها غيرةً وانتقامًا منه فيما بعد، حينما تزوَّج بغيرها فلفَّقت له جريمة اغتصاب لم يرتكبها.

 

والرابعة "نورل" الطالبة الإندونيسية الوافدة من نفس منطقته في جاوه الوسطى، والتي كان فخري يرغب في الزواج بها في المقام الأول على أنها من جنسيته وبلده، ولكنه لم يثِق جيدًا في حبه لها، فأحجم عن الزواج بها، وهكذا يقدم لنا الفيلم أربع قصص للحب بزوايا مختلفة من خلال الشخصيات النسائية الأربعة.

 

معاناة وافد

ومن جانب آخر يتناول الفيلم قضية الابتلاء في حياة الطالب الوافد، سواءٌ في ضيق العيش أو ضعف القدرة على الإنفاق على تعليمه، فنجد "فخري" مدفوعًا للعمل مترجمًا من أجل جمع ما يستطيع بحثًا عن لقمة العيش ومن أجل استكمال دراسته العليا، ثم يتطرق إلى ابتلاء آخر حينما يُتَّهَم من قبل "نورا" جارته المصرية بالاغتصاب، فيؤخذ للحبس ويتعرض أثناءه للتعذيب على يد الشرطة المصرية؛ التي لا تغيب أدوات بطشها عن أحد حتى ولو كان طالبًا وافدًا يدرس بالأزهر.

 

وفي فترة حبسه يلتقي بناشط سياسي يتشاركان ويتجاذبان الحديث معًا في همِّ الحبس، ليؤكد لنا الفيلم على ركيزة أساسية من ركائز الحياة السياسية في مصر وتعرض رجالها للاعتقال والحبس.

 

تيار غير سائد

ولا ينسى "آيات الحب" أن يشير إلى بعض القيم التربوية المغروسة في المجتمع المصري والإسلامي بشكل عام؛ فإضافةً إلى رسالة الزواج في الإسلام، وحقيقة الابتلاء في حياة المسلم، كانت الإشارات إلى ظاهرة مائدة الرحمن في رمضان، وانتشارها، واستفادة غير القادرين منها، وبخاصة الطلاب الوافدين، وكذلك ظاهرة حمل المصحف وقراءة القرآن في المواصلات العامة، ثم البذل والإنفاق، والمتمثل في علاج المريض ودفع نفقاته دون أن يعلم، وكذلك حينما يذهب فخري إلى الجامعة فيجد أن كفالته الدراسية قد سُدِّدَت، وحينما يسأل عمن سددها يقال له فاعل خير.

 

وتأتي نهاية الفيلم لتذكِّرَنا بانتصار الخير على الشر في نهاية المطاف، حينما تذهب "ماريا" المسيحية لتشهد أمام المحكمة لصالح "فخري" حتى يأخذ البراءة في قضية اتهامه بالاغتصاب، وتعلن "ماريا" إسلامها قبل أن تموت من مرضها.

 

لقد كان "آيات الحب" مليئًا بتلك الإشارات الإيجابية من خلال مشاهده المختلفة، والتي ينقصها الاحتراف السينمائي، وكذلك السيناريو المتسم بالسطحية والبساطة، وإن كان يُشهَد له بأنه محاولة صناعة سينما جادَّة؛ لها دور تربوي غير أصيل داخل صناع هذه الأفلام، وهو في الوقت نفسه طريقة لتوسيع رقعة الجمهور المستهدف ليضم له شريحة من يهتم بالأفلام الملتزمة التي تحتوي على قيم تربوية، وهذا ما دفع جمهور الملتزمين إلى الإقبال على الفيلم، وما دفع أصحاب الفيلم إلى التفكير في إنتاج جزء ثانٍ بعنوان "حينما يسبح الحب".

--------

كاتب مصري.