سري سمور

 

قبل سنوات توجَّه الدعاة والعديد من الخطباء والوعاظ وعددٌ لا بأس به من أهل الرأي والفكر نحو الخوض في التفاصيل الحياتية تحت شعارات برَّاقة، مثل وجوب النزول إلى الواقع الحياتي، وتطوير الخطاب، وعدم التقوقع، والتفاعل الإيجابي مع حاجات المجتمع.

 

مثل كثيرين من أقراني تحمَّست لهذا الطرح باسم الواقعية، ورأيت في الخطاب الجديد تحولاً إيجابيًّا سيسهم في تطوير حياتنا ويُخرجنا من مظاهر التخلف السياسي والاجتماعي وينقذنا من براثن الفقر والبطالة، والتي باتت علامةً مسجَّلة للأمة العربية والإسلامية!

 

ولكن النتائج كانت على عكس التمنيات، وفقدنا معها مشاعر جميلة، وبات الجفاف الروحي يجتاح غالبيتنا، وفي نفس الوقت- كما نعلم- بقي التخلف على كل الصُّعُد قائمًا بل ربما زاد، وغدا حالنا حال المنبتِّ؛ لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى، وبتنا نخاف أن نكون ممن خسروا الخسران المبين- والعياذ بالله- خاصةً إذا استمرَّ الحال على ما هو عليه!

 

الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ وَمَا نَزَلَ مِنْ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمْ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (الحديد: 16)؛ فالخطاب موجَّه إلى المؤمنين دون سواهم، فمتى سنجيب: قد آن يا رب؟ متى نشعر بالتجليات الروحية؟ ومتى تخشع قلوبنا لذكر الله؟

 

يدخل المصلون المساجد بقلوب باردة فيخرجون منها كما دخلوها، يقرأ المرء القرآن ويكون همه كم ختمة ختم، وإذا صام النوافل أو صلى ركعات قيام الليل ينشغل بعدها؛ فقد طغى الكم على النوع في العبادات، وهو ما انعكس على سلوكنا مع بعضنا، فأصبحت ترى من يصوم ويصلي في المسجد ويحج البيت الحرام وهو قاطعٌ للرحم، ومؤْذٍ لجيرانه، وآكل لمال لا يحل له؛ لأن عباداته عبارة عن حركاتٍ لم تنعكس على النفس لتزكيها!.

 

أصحاب الخطاب الذي ابتعد بنا عن الروحانية والخشوع والتقوى والورع كانوا أصحاب نوايا حسنة في معظمهم، وقد تحركت بهم النخوة والغيرة على واقع الأمة المرير، ولكن "الجرعة" كانت زائدةً فأدَّت إلى نتائج عكسية.

 

كنا دائمًا نتباهى ونفاخر بأننا لا نعاني الفراغ الروحي مثل الغرب وإن كان الغرب قد سبقنا في مجال العلم والمعرفة بكثير، أما الآن فنحن وهم استوينا في "لا روحانيتنا"، وهم سبقونا بصناعاتهم واختراعاتهم ونظام حياتهم، فوجب على أصحاب هذا الخطاب أن يراجعوا أنفسهم وخطابهم، وأن يرجعوا بنا إلى تلك المشاعر الروحية الجميلة.

 

كم منا يبكي حين يقرأ القرآن؟! كم منا يتفاعل مع الصلاة والصوم ويشعر بخفقان قلبه وتغير شعوره؟! لقد أصبحنا مثل الجماد المتحرك، وهذه حقيقة قد يتهرَّب منها الكثيرون ويتجنَّب الحديث عنها المتحدثون، ولكنها تبقى حقيقة!

 

الحياة ومشاغلها والجري وراء لقمة العيش يأخذ من وقتنا الكثير، فلماذا لا تكون لحظات وساعات وأيام العبادات فرصةً ليغسل المرء نفسه من هذه الهموم والمشاغل؟! لماذا لم يعد الموت واعظًا لنا؟! بل تجدنا ندفن موتانا ونتحدث عن أمور الدنيا!.

 

إن الجفاف الروحي الذي نحياه ينقض الفكرة التي سادت منذ سنوات، صحيح أن الرهبانية بمعنى اعتزال الدنيا والعزوف عن العمل فيها والتفرغ للعبادة فقط، فكرة مرفوضة جملةً وتفصيلاً؛ فالتوازن مطلوب في حياة الإنسان، ولكن الحياة بطبيعتها المعاصرة تشغلنا وتلهينا فَلِمَ يعمد البعض إلى نقلها إلى مساجدنا وقبور موتانا؟!

 

رمضان قادم، وهو فرصة للعودة إلى الروحانية وإحياء القلوب الميتة، وأنا أدرك أن هذا لن يكون سريعًا، ولكنه ممكن لو تغيَّرت صيغة الخطاب، في كل رمضان تأتينا النصيحة "احرص على أن تختم القرآن ثلاث مرات على الأقل في الشهر الكريم"، جيد، ولكن الأجود أن تكون هناك دعوة إلى تدبر كل آية بغض النظر عن عدد الختمات، ولا يحتج أحد بأن الشافعي رضي الله تعالى عنه كان يختم القرآن في رمضان ستين مرة عدا ما كان يقرأ منه في صلاته؛ فالشافعي كان متفوقًا في الكم والنوع بلا شك، ونحن بحاجةٍ إلى التخلص من تركيزنا على الكم في هذه المرحلة كي نلحق بمعشار ما وصل إليه الشافعي وأمثاله، وهذا ينسحب على كل جزئية في العبادات والسنن والنوافل والآداب.

 

نحن بحاجةٍ إلى إحياء القلوب التي تحجَّرت، وإلى غسلها من الأدران والشوائب التي علقت بها عبر الزمن، وعندها سينعكس على سلوكنا اليومي ومعاملاتنا مع بعضنا البعض.

 

أتذكَّر قبل نحو عشرين سنة شيخًا داعيًا وقد عمل مدرسًا فترة طويلة؛ أخذ البعض من طلبته يسأله عن بعض الأمور التي تعدَّدت الآراء حولها؛ أحلال هي أم حرام، مثل الدخان وقروض البنوك وغيرها، فكان يجيب السائلين بالقول: "أنا أسعى إلى أن اجعل الله تعالى عظيمًا في قلبك؛ فتعظيم الله في قلبك يجعلك تعرف الصواب، وعندها لن تسألني ولن تسأل غيري"!

 

وأرى أن كلام الشيخ الذي توفي، رحمه الله، على قدر كبير من الصواب؛ فنحن نرى الناس يسعون إلى تبرير كل سلوكياتهم وجريهم وراء الأهواء والشهوات عبر فتوى هنا أو كتاب هناك، وأخذوا ينظرون إلى الفقه والفتوى وسيلةً للغرق في كل شبهة، ولعل في هذا تفسيرًا "لفوضى الفتاوى" التي انتشرت مؤخرًا، ومن كثرة الغرق في الأمور المشتبهات وقع الكثير منا في الحمى، كما جاء التشبيه في الحديث الشريف الشهير، وهذا مرده إلى أن قلوبنا تحجَّرت ولم نعد نتقي يومًا نرجع فيه إلى الله، رغم أن ألسنتنا تردد أن الموت حق وأن الحساب لا مفر منه؛ فإما الجنة وإما النار... ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ (الصف: من الآية 3).

 

يقول إبراهيم بن أدهم: "إننا في لذة لو علم بها الملوك لقاتلونا عليها بالسيوف"، تعلمنا هذه الجملة وقرأناها وسمعناها، ولكن معظمنا لا يشعر بها، فكيف شعر بها ذاك العبد الصالح، وهو بالتأكيد عاش حياة فيها من المتع والمباهج والزخارف أقل مما لدى أفقرنا حالاً، وأكل من الطعام ما هو أدنى مما لدى أي منا، وعاش في بيت أبسط من بيت أبسطنا معيشة.

 

الروح مشتاقة إلى الراحة والسعادة، والنفس توَّاقة إلى الطمأنينة، والجوارح محتاجة إلى الخشوع، وكثير منا شعر بذلك ذات يوم للحظات أو أيام أو سنوات، فما الذي جنيناه حين قدمنا سعادة مادية لم ننلها رغم سعينا الحثيث وراءها، على سعادة روحية وطمأنينة نفسية كانت ميسَّرة لو أوليناها اهتمامنا وخطابنا وجهدنا؟!

 

وهذه دعوة أوجِّهها ونحن على أبواب شهر الخير، شهر رمضان الرحمة والمغفرة والعتق من النار، إلى كل واعظ أو داعية أو صاحب رأي وفكر إسلامي: اعملوا على تعظيم الله في قلوب الناس، احرصوا على أن تخشع القلوب وتدمع العيون، حاولوا أن تطيروا بمشاعر الناس إلى السعادة الروحية التي لا تعدلها أية سعادة، اجعلوا الحساب والصراط أمام ناظرينا في كل حركة أو خطوة نخطوها في حياتنا، عبر تطوير خطابكم نحو الروح بشكل أساسي، لا الاقتصار على الجوانب المادية فقط، وعندها فإنكم تعالجون كثيرًا من السلوكيات التي يشتكي منها الجميع؛ لأن النفوس اضطربت فخرج من أجسادها كل ما هو منكر!.

-----

* جنين- فلسطين المحتلة- s_sammour@hotmail.com