إبراهيم الهضيبي

 

أثناء سيري في جنازة المرحوم الأستاذ إبراهيم شكري رئيس حزب العمل والحليف التاريخي والإستراتيجي للإخوان؛ بدأت ألتفت يمينًا ويسارًا؛ أبحث من حولي عن شباب الإخوان الذين كنت أتوقَّع حضور أعداد منهم للجنازة، ولكني بكل أسف وجدت نفسي في ذلك وحيدًا؛ فقد حضر من الإخوان قيادات تمثيل رسمي كما هو العادة من قيادات تدرك قيمة الرموز الوطنية، أما الشباب فلم يحضر أحد.

 

تساءلت في عقلي عن مبرِّر ذلك الغياب فلم أجد، وخفت أن يقال غاب شباب الإخوان عن الجنازة بالكامل، فحرصت على تقديم العزاء لقيادات حزب العمل مع تعريفهم بنفسي.

 

لم تكن جنازة شكري هي الأولى لرمزٍ من رموز المجتمع، بل والحركة الإسلامية في مصر، التي يغيب عنها شباب الإخوان؛ فقبل أسابيع قليلة كانت جنازة العلامة الدكتور عبد الوهاب المسيري رحمه الله، الذي اهتمت القيادات الإسلامية والوطنية بخبر وفاته، وتناقلته الصحف ووسائل الإعلام (بما في ذلك قنوات التليفزيون المحلية)، واهتمت به القيادات الإخوانية؛ فنعاه المرشد العام والنواب، ونشر الموقع الرسمي خبر وفاته وموعد جنازته في صدر صفحته الأولى.

 

ووصلتني- كما وصلت غيري فيما أظن- في غربتي وقتئذٍ رسائل متعددة تحمل خبر وفاته، فاتصلت بعددٍ من شباب الإخوان أُخبرهم بموعد الجنازة، وأطلب منهم الحضور، وجاءتني الردود محبطة؛ فلا أحد منهم سيستطيع الحضور.. الأعذار مختلفة، تتفق في كونها أعذارًا يمكن التغلب عليها لو كانت هناك رغبة حقيقية في الحضور، وجاء مشهد الجنازة في القاهرة على الفضائيات محبطًا؛ فالقيادات والرموز الوطنية والإسلامية كانت حاضرة، بينما غاب الشباب.

 

ولما كان الدين هو النصيحة كما في الحديث "الدين النصيحة"، قلنا: لمن يا رسول الله؟، قال: "لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم"، فقد كان لزامًا أن نتناصح في تلك المسألة، وأن نحاول فهم المشكلة وحجمها وكيفية علاجها.

 

وهنا سؤال جوهري لا بد من طرحه لفَهْم طبيعة المشكلة: "لماذا الغياب المتكرر من شباب الإخوان عن جنازات (وصالونات وندوات) قيادات الحركة الوطنية والإسلامية ممن هم خارج التنظيم؟!" لا أعتقد أن الكسل هو السبب؛ إذ لو كان الأمر كذلك لأصبح الغياب ظاهرةً في جنازات (ومحاضرات وندوات) القيادات التنظيمية كذلك، ولكن الواقع يشهد بخلاف ذلك؛ فالحضور في تلك المناسبات كثيف، ويدل على أخوَّةٍ ووفاءٍ محمودَين، ولكنهما قاصران؛ إذ تقف حدودهما عند حدود التنظيم بشكل عشائري، فلا يشمل القيادات الوطنية والإسلامية.

 

أخشى أن يكون الغياب المتكرر دليلاً على وجود نوع من الانفصال بين شباب الإخوان والمجتمع.. انفصالٍ أصبحنا فيه أكثر ارتباطًا بقياداتنا التنظيمية من القيادات الفكرية الإسلامية في المجتمع؛ بحيث أصبح (التنظيم) عندنا هو منبع (الأفكار)، وذلك أمر لا يصح من أبناء دعوة كان مؤسسها يقول: "كم منا وليس فينا! وكم فينا وليس منا!" إيمانًا منه رحمه الله بأن حدود الفكرة تتخطَّى التنظيم، وأن حملة الفكرة المخلصين لا يقتصرون على أبناء التنظيم.

 

ولا أظن الغياب نوعًا من غياب الوفاء في قلوبنا لرجال بذلوا أعمارهم دفاعًا عن قضايا أمتهم، كانوا العقول التي تفكر للأمة ولمستقبلها، والعزيمة التي تدافع عن الشعب وحقوقه، بل أخشى أن تكون المشكلة أكبر من ذلك؛ أن تكون أننا لا نعرف قيمة هذه الرموز من الأساس؛ فلا نشعر تجاههم بأية مسئولية، وكيف لا ونحن لا نقرأ لهم ولا نحضر ندواتهم وصالوناتهم إلا القليل القليل؟!

 

وتلك مسألة مهمة لا بد من الالتفات إليها بجدية؛ لما لها من تأثير كبير على مستقبل الحركة الإسلامية؛ ذلك أن ضعف العلاقة بهؤلاء المفكِّرين والرموز يسبِّب قصورًا وعجزًا في القدرات الفكرية للجماعة؛ فعلى من نعتمد في بناء أفكارنا ومفاهيمنا وتصوراتنا ونماذجنا الحضارية إن لم يكن على هؤلاء؟!

 

إن بناء تلك المفاهيم وتطوير الأفكار ليست مهام تنظيمية وإنما فكرية، والإمام البنا رحمه الله كان شديد التواصل مع مفكِّري عصره، بل والعصر الذي سبقه، من خلال القراءات والتواصل المباشر؛ فكان يُفَعِّل أفكارهم بالتنظيم، فإذا بعدنا عن هؤلاء حكمنا على أفكارنا بالجمود، ولم نكن كما أراد الإمام الشهيد.. "دعوة من الدعوات التجديدية لحياة الأمم والشعوب".

 

والحقيقة أن ضعف التواصل بين شباب الإخوان والمثقفين من خارج التنظيم هو خروج على منهج الإمام البنا الذي يحكي المرشد الحالي كيف أنه كان شديد الحرص على ربط الشباب بالمفكِّرين، وكيف أنه كان كلَّما التقاه حثَّه على حضور صالونات وندوات ومحاضرات العقّاد ومحبّ الدين الخطيب وغيرهما، فخرج جيلٌ مثقفٌ يقدِّر الرموز الوطنية ولا يقيِّم المجتمع من حوله بمعايير تنظيمية.

 

ومقارنة ما كان بما هو كائن محبطة؛ فالغالبية العظمى من الشباب علاقاتهم بالقامات الفكرية الإسلامية من خارج التنظيم، ومنهم المرحوم الدكتور المسيري، والمستشار طارق البشري، والأستاذ فهمي هويدي، والدكتور سليم العوا، والدكتور سيد دسوقي على سبيل المثال، شديدة الضعف؛ لا فقط على مستوى حضور صالوناتهم وندواتهم والاستماع إليهم ومناقشتهم والتعلم من أفكارهم، وإنما أيضًا على مستوى قراءة كتاباتهم ومعرفة قيمتهم.

 

وإن كان الإنصاف يقتضي القول بأن المشكلة ليست متعلقةً بالإخوان بقدر ما هي مشكلة مجتمع بالكامل لا يقدِّر مفكِّريه ورموزه، وأن ضيق الوقت وسرعة "رِتْم" الحياة تجعل من الصعب على الأخ أن يجد الوقت اللازم لأداء بعض الواجبات الفكرية والثقافية مثل القراءة وحضور الندوات؛ فإن هذا (التوصيف) للمشكلة لا يصلح أن يكون (تبريرًا) لها؛ بمعنى أن ذلك التوصيف هو خطوة في فَهْم المشكلة؛ تتبعها خطواتٌ لا بد منها للعلاج؛ أراها مسئوليات تقع على قيادات الجماعة وعلى الشباب.

 

أما قيادات الجماعة فدورهم التنبيه على أهمية الثقافة والأفكار، وأذكر كلمةً عميقةً قالها الأستاذ المرشد معلِّقًا على لقاءٍ له مع مجموعة من المفكِّرين، قال: "أتمنى لو كان شباب الإخوان يحملون هذه الثقافة والأفكار التي سمعتها من هؤلاء المفكِّرين ويتحرَّكون بها في المجتمع بهمتهم ونشاطهم، وهو ما أعتقد بإمكانه لو نبَّهت إليه قيادة الجماعة بشكل كافٍ".

 

وأتصوَّر أيضًا أنه من الممكن علاج المشكلة بفتح مجال أوسع أمام كتابات هؤلاء المفكِّرين والمثقفين في النوافذ الفكرية للجماعة، سواءٌ على موقعها الرسمي، وذلك الأمر له فوائد عدة؛ أهمها نقل أفكارهم كما هي من دون تشويه إلى أفراد الجماعة، وثانيها زيادة حجم معرفة شباب الجماعة بهم من خلال كتاباتهم، وهو ما قد يشجِّعهم على حضور ندواتهم وصالوناتهم، إضافةً إلى معرفة قيمتهم، وهو أمر لازم لما في الحديث: "ليس منا من لم يعرف لعالمنا حقه".

 

وربما كان التنويه بتلك الصالونات والندوات على مواقع الجماعة، ومن خلال الأُسَر أمرًا مهمًّا يمكن الاستعانة به لعلاج المشكلة، ولرفع درجة الوعي الفكري بين صفوف الشباب، وكذلك لتعميق الارتباط مع القيادات الوطنية من خارج الجماعة.

 

ولكن عتابي الحقيقي هو لإخواني الشباب؛ إذ ليس المتصوَّر من الشباب أن يكون سلبيًّا بحيث يجلس منتظرًا من ينبِّهه على أهمية تواصله مع المجتمع وارتباطه به، وأهمية تثقيف نفسه والاهتمام بالفكر والثقافة؛ فليست الجماعة مسئولةً مسئوليةَ الأب والأم عن أطفالهما تجاه أفرادها؛ تعلمهم وتوجههم وتربِّيهم في كافة أمور الحياة، وإنما على الأفراد دور أكبر في السعي إلى الصلاح بمفهومه الشامل الذي لخَّصه الإمام البنا بكلمات قليلة، جعل من بينها: "مثقف الفكر"، ولا يمكن إلقاء تلك المسئولية على الجماعة واتخاذ تقصيرها في ذلك الأمر عذرًا ﴿بَلْ الإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (14) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (15)﴾ (القيامة).

 

فعلى الشباب في ظني مسئولية البحث عن الفكر والثقافة، والبحث عن مصادرهما، والاجتهاد في تحصيلها، ومعرفة قدر العلماء والمجاهدين، وإن لم تنبِّه الجماعة على ذلك بشكل كافٍ.
أتمنَّى أن يقبل إخواني عتابي، وأن ينظروا لما فيه من نصيحة، وأن يسامحوني إن وجدوا فيه قسوة.. والله يقول الحق، وهو يهدي السبيل، والحمد لله رب العالمين.