في قرابة شهر فقد الإسلام والأمة الإسلامية والعربية ثلاثةً من فرسان الحق؛ هم: دكتور عبد الوهاب المسيري، والشيخ حسن أيوب, وأخيرًا الدكتور عبد العظيم المطعني، وحق أن يقال فيهم ما قاله أبو تمام في ثلاثة إخوة من بني حميد الطوسي، سقطوا شهداء في ميدان الوغى:

لعمرك ما كانوا ثلاثة إخوة             ولكنهم كانوا ثلاث قبائل

وندر في الرجال من يعيش كأنه أمة شامخة مهيبة، رفيعة الرأس، وكم من أمم لا تساوي الواحدة منها ظل رجل واحد، إنها تلك التي سماها الشاعر خليل مطران: "أمم الزوال".

 

ولأن ثلاثي الحق الذي عاش يتيمًا بأرض ضُيِّعت فيها اليتامى.. لم يقبلوا بساط الطاغية, ولم ينحنوا لهيبته الزائفة، ولأنهم عاشوا لله في صلاتهم ونسكهم, ومحياهم ومماتهم، ولأنهم عاشوا طيلة حياتهم للدين والأمة، لا كالذين عاشوا حياتهم بـ"الدين والأمة".. بكل أولئك أغفلتهم وسائل الإعلام، بينما اتسعت للممثلين والمهرِّجين والطبالين والزمَّارين؛ لذلك استحق كل عملاق من هذه القمم الثلاث أن أقول فيه:

             وما شيَّعوك إلى حيث تمضي    =       زكيًّا طهورًا لمثوى أخير 

             وأبطال إعلامهم أغفلوك          =     لراقصة "ما لها من نظير" 

             ولهو وطبل وفن رخيص       =      وصوت مغنٍّ رقيع غرير 

             لأنك ما عشت باسم الأمير        =   وزيف الأمير بسِرْك الأمير 

             وحقرت من مجَّدوا عرشه       =     بكل نفاق خسيس حقير 

                                       ************

وكان آخر من لقي ربه هو الدكتور عبد العظيم المطعني؛ الذي كان مثالاً للتواضع الأصيل,
 وللزهد النبيل؛ فما رأيته يزدهي مرةً واحدةً بما يعلم، وكان كذلك في مظهره وملبسه, حتى يخيَّل لمن لا يعرفه أنه يجالس رجلاً من عامة الناس، ونرى مَن عنده عُشْر مِعْشَار علم المطعني يكاد يتفجَّر غرورًا وخيلاءَ, وتُسلَّط عليه الأضواء, وتُدبج فيه عبارات التمجيد والإحسان.

 

وكان رحمه الله ذا عقلية موسوعية، جمعت وأوعت، واتسعت لرصيد ضخم من الفقه والسنة
 والتاريخ.

 

ولم تكن هذه الموسوعية الممتدة المترامية المدى.. لم تكن على حساب تعميق الموضوعات التي تمثل محتواها, حتى يظن أنها مجرد تعدد في المعارف كما هو معروف مشهور في المقولة المشهورة: "العالم من يعرف كل شيء عن شيء واحد، ويعرف شيئًا واحدًا عن كل شيء".

 

فهذه المقولة لا تصدق عليه؛ لأنه "كان يعرف كل شي عن كل شيء".

وتقرأ ما كتبه في السنة، فيُخيَّل إليك أنه تخصَّص فيها دون غيرها، ويقال ذلك عن كل علم من العلوم؛ كالفقه والتاريخ والنقد الأدبي؛ فكتابه عن "أولاد حارتنا" لنجيب محفوظ يُعدُّ أوفى وأعمق ما كُتب عن هذا العمل، وهو حكمٌ لم ألقِه على عواهنه بل سقته بعد أن قرأت الرواية (طبعة باريس)، وقرأت ما كُتب عنها من مقالات وكتب؛ أهمها كتابا الشيخ عبد الحميد كشك, والأستاذ محمد جلال كشك, رحمهما الله.

 

وقد عاش يمثِّل حصنًا حصينًا؛ تتكسر عليه كل السهام الموجَّهة إلى الإسلام؛ كتابًا وسنة وتراثًا دينيًّا وأدبيًّا، فنقض شبهات المستشرقين عن الإسلام وشبهات أعداء السنة بدافع من الجهل أو التعصب.

 

ومن أهم سماته الفكرية أنه في كتبه لا يكتفي بعرض الحقائق العلمية والفقهية وغيرها, وهذا في ذاته جهد علمي محمود, ولكنه يحرص على نقض ما يحيط بها من شبهات, يثيرها العلمانيون, وأدعياء التجديد الفقهي.

 

ويحدِّد المطعني منهجه هذا ابتداءً من عناوين كتبه؛ فنرى له غرامًا أو حرصًا خاصًّا "بالبيْنات"؛ أي إبراز كلمة "بيْن"، كما نرى في عناوين كتبه الآتية:

- الفقه الاجتهادي.. بين عبقرية السلف ومآخذ ناقديه.

- عقوبة الارتداد عن الدين.. بين الأدلة الشرعية وشبهات المنكرين.

- المجاز عند الإمام ابن تيمية وتلاميذه.. بين الإنكار والإقرار.

 

ومن فضول القول أن نقول إنه يعالج المسائل بعمق رأسي, وحجج قوية, وقدرة فائقة على استخلاص الدلالات الحاسمة؛ بحيث يحيط بكل جوانب الموضوع عرضًا وموازنةً ودفاعًا وهجومًا ناقضًا، مجنِّدًا معارفه الواسعة في الانتصار لكلمة الحق, وفضح الأدعياء من المتعالمين والمتفيهقين والعلمانيين.

 

ومن أهم سماته في عطاءاته حرارة الإيمان, ولكن هذه العاطفة الصادقة لا تأتي مجردةً, بل تعانق الحقائق والأحكام التي يخلص إليها, فيبدو الأداء التعبيري ثريًّا نديًّا بتلاحم التدفق الوجداني والوقار العقلي المنطقي.

 

وكعادة من يكتبون سير الغائبين نطرح السؤال التقليدي: ماذا بقي من عبد العظيم المطعني؟ ونقول بقي منه القيم الخلقية السامية؛ من تواضع, وزهد، وترفُّع عن الدنايا والاعتزاز بالدين والأمة, وذخيرة طيبة من تراث رفيع لن يموت أبدًا.. كل أولئك بقي منه مخطوطًا في سجل التاريخ وعلى صفحات العقول والقلوب.

 

وكلمة أخيرة أقولها: إن أيسر ما نكرم به هذا العالم القمة العملاق:

1- إطلاق اسمه على قاعة من قاعات إحدى الكليات بالأزهر.

2- إطلاق اسمه على الشارع الذي كان يسكن فيه أو أقرب الشوارع إليه.

3- رصد جائزة سنوية باسمه لأحسن بحث في الدفاع عن الإسلام: نبيًّا ورسولاً وسنةً.. إلخ.

4- تشجيع طلاب الدراسات العليا على الكتابة عن هذا الرجل العظيم في أطروحاتهم؛ الماجستير والدكتوراه.

رحم الله هذا العالم الجليل, وحشره مع النبيين والصديقين والشهداء, وحسن أولئك رفيقًا.

-------------

Komeha@menanet.net