![]() |
|
أسامة جادو |
ينتابني شعور بالمسئولية الكبرى كلَّما تذكرت أحداث الإسراء والمعراج فيما يتعلق بمكانة الأمة الإسلامية ومنزلتها بين الأمم؛ فهي الأمة الوسط، والشاهدة، وهي خير أمة أخرجت للناس.
نقرأ صفحةً من صفحات الإسراء تُجدِّد عند الأمة وتذكِّرها بمسئوليتها العالمية، وسطور هذه الصفحة تخبرنا أن الله تعالى جمع كل الأنبياء والمرسلين من لدن آدم عليه السلام حتى عيسى بن مريم عليه السلام، وحشدهم في بيت المقدس ليكونوا في استقبال رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فعن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ثم دخلت المسجد- المسجد الأقصى-فعرفت النبيين من بين قائم وراكع وساجد، ثم أقيمت الصلاة فأممتهم".
وفي حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: "فلمَّا ألبثْ إلا يسيرًا حتى اجتمع ناس كثير، ثم أذن مؤذن، فأقيمت الصلاة فقمنا صفوفًا ننتظر من يؤمنا، فأخذ بيدي جبريل فقدَّمني فصليت بهم".
وليس بخافٍ أن إمامة النبي صلى الله عليه وسلم لجميع من سبقه من الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام إنما هي دلالة على مكانته وفضله؛ فهو صلى الله عليه وسلم سيد ولد آدم ولا فخر.
ونتأمل معًا هذا الدرس ونؤكد أن إمامة النبي صلى الله عليه وسلم وصلاته ركعتين بالنبيين والمرسلين ثابتة، وكانت هذه الإمامة إقرارًا مبيِّنًا أن الإسلام كلمة الله الأخيرة إلى خلقه؛ أخذت تمامها على يد محمد صلى الله عليه وسلم.
وهي تعني الانتقال بالقيادة الروحية في العالم من أمة إلى أمة، ومن بلد إلى بلد، يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله: "إن الإسلام هو المنهج الإلهي للبشرية في صورته الأخيرة؛ سبقته صورٌ منه تناسب أطوارًا معينة في تاريخ البشرية تمهِّد كلها لهذه الصورة الأخيرة الخاتمة".
وفي سورة الصف يذكر الله تعالى رسالة موسى وأمة اليهود التي اؤتمنت على قيادة البشرية في وقتها، ويقرِّر الله تعالى أن اليهود انحرفوا عن الرسالة ومنهج الله ولم يعودوا أمناءَ على دين الله في الأرض ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ (الصف: 5).
إذن.. فقد انتهت قوامة اليهود على دين الله، ولم يعودوا أمناءَ عليه منذ زاغوا فأزاغ الله قلوبهم، ومنذ ضلوا فأضلهم الله، ومن ثم يذكر الله رسالة عيسى ليقرَّر أنه جاء امتدادًا لرسالة موسى، ومصدِّقًا لما بين يديه من التوراة، وممهِّدًا للرسالة الخاتمة، ومبشِّرًا برسولها محمد ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ (الصف: 6).
ولم تنصلح أمة اليهود على يد موسى، ولم تنصلح على يد عيسى عليهما السلام، فجاء محمد صلى الله عليه وسلم ليتسلَّم الراية من النبيين أجمعين، ولتتولَّى أمته قيادة البشرية وأستاذية العالم وريادة الكون، كما عبَّر عنها الإمام البنا، وقد جعلها هدفًا من أهداف الدعوة.
أمل عظيم يراود خيال وعقل المؤمنين، وواقع أمتنا الإسلامية المر الأليم بعيد كل البعد عن هذا الأمل، وبينها وبين هذا الأمل فجوة عظيمة، ولن تصل الأمة إلى أملها المنشود إلا إذا اجتازت هذه الفجوة وعبرت آلامها إلى آمالها بجهدها.
ما أحوجنا كي نسد هذه الفجوة إلى كل طاقة وجهد ووقت كي نحقق أملنا! نحن في حاجةٍ إلى تكاتف الجهود ووحدة الصف وصفاء النفوس حتى نصل إلى غايتنا.. كفانا خلافات، وكفانا تضييعًا للوقت والجهد والفرص.. كفانا إعاقةً لمسيرة الحركة الإسلامية.
إن الخلاف الفقهي الذي بين أيدينا خلافٌ موروثٌ، وليس خلافًا مُحْدثًا؛ اختلف فيه صحابة نبينا وسلفنا الصالح؛ حين اختلفوا لم يتفرَّقوا، وتفرقنا اليوم.
ما أحوجنا إلى أن نلتف حول منهجنا، مسترشدين بقاعدة المنار الذهبية التي رفعها الإمام البنا "فلنتعاون على ما اتفقنا عليه، وليعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه"!
فلنتعاون ولنتكاتف حتى يكون منا الفرد المسلم، والبيت المسلم، والمجتمع المسلم، والحكومة المسلمة، والدولة المسلمة، ولنتعاون حتى تعود الخلافة الراشدة إلى مكان الريادة، ولتتبوأ الأمة مكان الصدارة بين الأمم، ونكون بحق "خير أمة أخرجت للناس".
--------
* عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين.
