قبل أن يغادرنا شهر رجب الخير أو نغادره نحب أن نتأمل بشيءٍ من التركيز والإيجاز بعض المعاني التي عشناها في هذا الشهر الحرام، وأن نستصحبها معنا طوال رحلتنا في العام القادم، بل وطوال ما بقي لنا من أيامٍ في عمرنا نقضيها في خدمة دعوتنا ونصرة إسلامنا.

 

من هذه المعاني:

1- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه الصحابة الكرام- ويلحق بهم كلُّ من سار على الدرب للعمل لدين الله حتى قيام الساعة- واجهوا عنتًا كبيرًا وصدًّا عن سبيل الله وإيذاءً شديدًا، ثم مات عمه أبو طالب الكفيل والسند من قريش، كما ماتت السيدة خديجة زوجه رضي الله عنها بعد رحلةٍ من الحنان والرعاية والحب استمرَّت نحو ربع قرنٍ من الزمن، وكان لها دَور في مؤازرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقويته وتثبيته في هذا الجو المشحون بالآلام والأحزان.

 

وبعد الموقف الغريب الذي بدر من ثقيف بالطائف من الصد والتنكُّر وإغراء السفهاءِ أطفالَهم بإيذاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الأجواء المشحونة والملبَّدة، تحدث حادثة الإسراء والمعراج، فكان ذلك فرجًا ومخرجًا، وكأنَّ الله يقول لرسوله صلى الله عليه وسلم: إن ضاقت بك الأرض فلن تضيق بك السماء، وإن كذَّبك أهل الأرض فلك التصديق من الملأ الأعلى في السماء، وإن أساء أهل الأرض استقبالك فسيحتفي بك مَن في السماء، فكانت الإسراء تمثل نقلة بعيدة في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم والإسلام.

 

2- وما أكثر الشدائد في حياة الدعاة وأهل الإصلاح! فهم يسيرون على درب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والشدة أو المحنة مَعْلمٌ من معالم الطريق إلى مرضاة الله وإحقاق الحق ونصرة الدين ﴿الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ (2)﴾ (العنكبوت).

 

ولكنَّ دأبَ المؤمنين وما تعلموه وتربَّوا عليه من منهج الإسلام هو أن المحن والشدائد مهما تكاثرت وتجمَّع عليهم أهل الباطل جميعًا فلن يصرفهم ذلك عن التعلق بالله عز وجل والثقة في وعده الذي لا يتخلَّف، وهم على يقينٍ بأن الله ناصرٌ دينه ومُعْلٍ كلمته لتكون هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (15) وَأَكِيدُ كَيْدًا (16)﴾ (الطارق)، ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (الأنفال: من الآية 30).

 

3- واليقين الذي يملأ قلوب المؤمنين وينير حياتهم وطريقهم إنما يغمر هذه الحياة رضًا وسكينةً واطمئنانًا؛ على اعتبار أنه لا يحدث لهم إلا ما يقدِّره الله عز وجل ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ (الأحزاب: 22).

 

فهذا التجمع العجيب والتكتل الرهيب، سواءٌ أيامَ بزوغ نور الإسلام في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو هذا التكتل العالمي الذي تقوده أمريكا ليعيثَ في بلاد المسلمين فسادًا وتدميرًا ويجهز على دين الإسلام وقيمة وموازينه تحت مسمى محاربة الإرهاب.. كل ذلك وما إليه من شأنه أن يوحِّد- بإذن الله- صفَّ المسلمين، ويوقظهم من غفلتهم ونومهم الذي طال، ويعيدهم إلى الله وإلى دينهم عودًا حميدًا؛ يقيمون منهجه، ويُحيُون العمل بشريعته التي فيها سعادتهم دنيا وآخرة.

 

وعند الشدائد يكون العودة إلى الله واليقين الجازم بأن ما يجري لا يكون إلا لحكمةٍ يريدها سبحانه ﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنْ اللهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللهِ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174)﴾ (آل عمران).

 

4- وفي ذكرى الإسراء والمعراج يبرز نموذج التصديق لكل ما يقوله رسول الله صلى الله عليه وسلم من قِبل سيدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنه عندما جاءه نفرٌ من قومه يحكون له ما يقوله صاحبه وزعمه أنه جاء إلى بيت المقدس ثم رجع إلى مكة في ليلة واحدة!! هنا يقول أبو بكر رضي الله عنه: "أوقال ذلك؟" قالوا: نعم، قال أبو بكر: "فأشهد لئن كان قال ذلك لقد صدق"، ويؤكد سيدنا أبو بكر المعنى فيقول: "إني أصدقه بخبر السماء"، قال أبو سلمة: فبها سُمِّي أبو بكر الصديقَ.

 

ما أروع موقف أبي بكر رضي الله عنه في تصديقه رسولَ الله صلى الله عليه وسلم! في الوقت الذي فتن فيه بعض المسلمين، وهذه سنة لله جارية في خلقه وفي الناس؛ لا تتخلف هذه السنة، فهناك ينقسم الناس أمام بعض القضايا قديمًا وحديثًا بين مؤمن واثق ومتردد واهن؛ ولذلك كانت الثقة ركنًا أساسيًّا أصيلاً في العمل لدين الله وبين الجماعة التي تأخذ على عاتقها نصرة الإسلام.

 

ومن لم تستقر في نفسه هذه الثقة فإنه يظل حائرًا متردِّدًا؛ يتخبط بين أفكار غريبة وتهويمات عجيبة وتصورات مضطربة؛ من شأنها أن تُخرج العاملين في حقل الدعوة عن جذورها وأصولها تحت دعاوى ما أنزل الله من سلطان، بل وتحت ضغط الواقع الأمني ومخاوف السجون والاعتقالات، ففرارًا من مواجهة الواقع بالإيمان والصدق مع النفس والمبدأ يختلق الفرد من الدعاوى والحجج ما يُخرجه عن خط دعوته ويُبعده عن الجادِّة والصواب، وهو بهذا التصرف الطائش لا يضر إلا نفسه، وأحسب أنه إن لم يَعُدْ إلى رشده ويوفقه الله إلى الصواب فإنه سيبتعد عن طريقه، وتتفرَّق به السبل عن سبيل الله، ويومئذٍ لا يلومن إلا نفسه.

 

5- ويجب أن تكون الثقة ابتداءً في الله عز وجل مدبِّر الأمر، ومصرِّف كل شيء في هذا الكون، خالق كل شيء ومليكه؛ بيده الأمر وهو على كل شيء قدير، ونثق في الإسلام دينًا ومنهج حياة؛ فهو خاتم الأديان وأتمها وأكملها، وهو دين الفطرة، ونثق في الرسول صلى الله عليه وسلم؛ فقد هدانا الله بفضل دعوته ورسالته، وأخذ بأيدينا إلى الهداية والرشاد وإلى السعادة في الدنيا والآخرة﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا﴾ (الأحزاب: 21).

 

ثم نثق في جماعتنا التي تقتفي أثر الرسول صلى لله عليه وسلم والصحابة والسلف الصالح؛ فقد نُقلت صورة الإسلام صحيحة واضحةً نيرةً على يد الأستاذ المؤسس رحمه الله؛ حيث أخذ في منهجه بشمول الإسلام لكل جوانب الإصلاح والحياة في كل نواحي العبادة والعقيدة والاجتماع والاقتصاد والسياسة والقانون والتربية، وكل ما يعود على حياة المسلمين بل الناس جميعهم بالخير والنماء والعزة والإيمان.

 

قد تهتز هذه الثقة بشمولها في نفس البعض؛ فتراه يعجب برأيه، ويشمخ بأفكاره، وقد يظن نفسه مفكرًا لا يُشَقُّ له غبار، ومبدعًا يأتي بما لم يسبقه إليه أحد أو يباريه بَشَرٌ، وربما يكون ذلك من تلبيس إبليس وتزيين الشيطان، وينسى هذا البعض أن المعيشة في رحاب الجماعة وفي ظلال الربانية التي تحيط به وفي عبوديتنا لله عز وجل هي التي تصنع رجالاً لهم شأن ولهم دَور في حياة الناس جميعًا، وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء.

 

وهذه الدعوة هي التي تصنع رجالها، وتعطيهم قيمتها ما حافظوا على بيعتهم وعهدهم.. هذه الدعوة وهذا الإسلام هو الذي صنع الرجال الأفذاذ الذين فتحوا الدنيا كلها بكلمة الله ونور الإسلام، صنع رجالاً في الأول أمثال خالد وأبي عبيدة وعمرو، وقبلهم الخلفاءَ الراشدين وكبار الصحابة، وبعدهم كرامَ التابعين ممن لا يمكننا حصرهم، وصنع رجالاً على نفس الخط والطريقة آخِرًا، أمثال البنا وقطب والهضيبي ومن سار سيرهم في ركب الدعوة المباركة على مدى أجيال وأجيال؛ ففَضْل الإسلام على الجميع سابغ وعميم.

 

ونحن بخيرٍ ما كان التوافق والتواؤم والتحابُّ والأخوة هي التي تظلل المؤمنين العاملين لمرضاة الله ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلْ اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (الحجرات: 17)، ﴿لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ (الأنبياء: 10)، والذكر هنا هو الشرف والمكانة والريادة، وكلها تأتي من انضوائنا تحت راية الإسلام والتزامنا به وخضوعنا لمنهجه والجهاد في سبيله.

 

6- وآخر هذه المعاني أن الحي لا تؤمن عليه فتنة، وأنه لا يجب أن يُقتدَى بحي، وقد علَّمنا الإسلام وتجاربنا الكثيرة في داخل الصف وعلى مدار أكثر من نصف قرن أن الارتباط يكون للمبدأ والفكرة والعقيدة والمنهج، ولا يكون للأشخاص مهما كان وضعهم ومكانتهم، وليس معنى ذلك أن تتقطَّع ما بين الأفراد من وشائجَ ومحبةٍ واحترامٍ ومودةٍ وتوقيرٍ.. كلا، نحن لا ندعو إلى ذلك، وإنما نَقْصِر تأكيدنا على الذاتية المتفردة التي يتربَّى عليها الداعية، وعلى مسئولية كل واحد عن الدعوة، وهي مسئولية عظيمة يُسأل عنها أمام الله عز وجل ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ (المدثر: 38)، ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ (مريم: 95).

 

كما أن من الأمور الغريبة في حقل الدعوة وأخلاق العاملين بها أن يكون للنفس حظٌّ في أمورٍ تتصل بإدارات الدعوة ومجال حركتها، أو تتشوَّق إلى مكانةٍ أو منصبٍ عن غير طريق الشورى، أو يحب أن يرى مكانه في الصف، أو تكون ذاته متورمة أكثر من اللازم، أو أن يكون من الذين يحبون أن يُحمَدوا بما لم يفعلوا أو يفرحون بما أَتَوا، كل هذه أمراض للنفس وعلل للقلب نسأل الله الشفاء منها.

وجزى الله الشدائد كل خير.