مرَّت بنا ذكرى الإسراء والمعراج، ومعها عشنا مرحلةً من سيرة النبي محمد رسول الله عليه وسلم، وكيف ضاقت به السبل في مكة المكرمة بين قومه وأهله وعشيرته، وقد فَقَدَ السند المُعين بوفاة عمه "أبي طالب" الذي منع عنه أذى قريش، ووفاة زوجته الوفية المؤمنة السيدة خديجة بنت خويلد التي كانت تخفِّف عنه وتزيل ما يلحق بنفسه من ضيقٍ وكربٍ، بإيمانها وإخلاصها وصدقها ومواساتها له بنفسها ومالها.
لم يقعد الرسول العظيم ويخلد إلى اليأس والقنوط، ولم يتسرَّب إلى نفسه مللٌ ولا كللٌ، ولكنه تحرَّك بعقيدته وإيمانه إلى خارج مكة إلى قبيلة ثقيف بالطائف؛ بحثًا عن مؤمنين بدعوته أو مناصرين له.
ونعرف جميعًا ماذا حدث له في رحلته تلك إلى الطائف وكيف واجهه سادة ثقيف وبعض كبرائها بالهزؤ منه والسخرية من دعوته والصدود عن الإيمان، ولم يخفف عنه إلا عبدٌ من العبيد (عداس) عندما أوى في نهاية الشوط إلى بستانٍ، فجاءه الفتى بعنقود من العنب، وجرى بينهما حوارٌ سرَّى عن نفس النبي صلى الله عليه وسلم قليلاً بعد أن اسمع دعاء النبي فآمن بنبوته.
وحفظنا ذلك الدعاء من الرسول صلى الله عليه وسلم وتضرعه عند عودته وهو في طريقه إلى مكة راجعًا وهو مكسوف البال، منكسر بين يدي ربه، وقد خاب ظنه في البشر فرفع يديه إلى السماء وهو يقول: "اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقله حيلتي، وهواني على الناس، يا ارحم الراحمين.. أنت رب المستضعفين، وأنت ربي، إلى من تكلني؟! إلى بعيد يتجهَّمني؟ أم إلى عدو ملكته أمري؟
إن لم يكن بك عليَّ غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصَلُح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تُنزل بي غضبَك، أو يحلَّ عليَّ سخطُك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك".
ولم يدخل النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم مكة إلا في جوار المطعم بن عدي خشية بطش قريش.
كنا في زمن الفتوة والشباب- وما زال البعض منا- يعجب بقول الرسول صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: "إن لم يكن بك عليَّ غضب في أبالي"، وكان شيوخنا يعلموننا عدم التوقف عند هذه الجملة، بل إكمالها ببقية الدعاء: وقوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: "ولكن عافيتك هي أوسع لي".
جملة تحمل معنى التحدي والحماس، وأخرى تحمل معنى الثقة بالله والركون إليه وطلب العافية منه والاستسلام لقهره والامتثال لأمره، وهذا ما عاشه النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم عندما جاءه ملك الجبال يخبره بأن الله أمره بالامتثال لأوامره، وإن شاء محمد أن يطبق على قريش الجبال لفعل، فكانت الرحمة التي تخلَّق بها صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم بأن رفض إنزال النكال والعذاب بقومه؛ طلبًا لتوبتهم ورجاء أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا، وهو ما حدث بعد ذلك بسنين وبعد منازلات ومعارك طويلة، وكانت كلمة النهاية للرسول صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وهو يقول لمن بقي منهم على الكفر عند فتح مكة: "اذهبوا فأنتم الطلقاء".
وصدق الله العظيم حيث قال في وصفه (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) (الأنبياء: 107)، واليوم ونحن نتأمل في حالنا معشر المصريين والعرب والمسلمين، خاصةً الذين يقبضون على دينهم كالقابض على الجمر، والمتمسكين بشريعة الله تعالى والداعين إلى إحياء قيم الإسلام كالحرية والعدل والمساواة والشورى في حياة المسلمين، والصامدين في وجه الظلم والاستبداد والفساد والديكتاتورية، ومعهم غالبية من الشعوب تؤيدهم وتناصرهم وتساندهم على مختلف توجهاتهم وتنويعاتهم السياسية.
واليوم ونحن نريد التأمل في أحوالنا مع أعداء هذه الأمة التي يفترض أن تحمل رسالة النبي العظيم صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ومع حلفائهم من بني جلدتنا من الطغاة المستبدين والمفسدين العظام والصغار، هؤلاء الذين جثموا على صدورنا واحتلوا أرضنا ودنسوا مقدساتنا.
اليوم نحن في حاجةٍ إلى إعادة النظر في ذكرى الإسراء والمعراج ودعاء النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم لنقول للجميع: عافية الله هي أوسع لنا.
الصراعات والصدامات والاستبداد والديكتاتورية والفساد والظلم لن يؤديَ إلا إلى المزيد من الصراع والدماء والأشلاء.
الصلح مع الله تعالى والعودة إلى شريعته وإلى دينه العظيم بقيمه العليا السامية، وردُّ الحقوق إلى أصحابها وإطلاق الحريات وإغلاق المعتقلات وإنهاء الاحتكارات والوقوف صفًّا واحدًا في وجه المؤامرات هي عافية الله الواسعة.
إن المعانيَ التي تتداعى في ذكرى الإسراء والمعراج حول قضية فلسطين وتحرير المسجد الأقصى السليب وريادة هذه الأمة لبقية الأمم وغيرها من الدروس والعظات تحتاج إلى صفحات وصفحات.
لكنني توقفت عند هذه الجملة من دعاء الرسول صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم "ولكن عافيتك هي أوسع لي" لتتسع أمامنا آفاق رحمة الله، ولتفسح أمامنا الأمل الواسع في مستقبلٍ أفضل لهذه الأمة التي تعيش نفس الظروف والأحوال التي عانى فيها محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم عندما خرج من مكة إلى الطائف ثم عاد مكسورَ النفس يرفع أكفَّ الضراعة إلى ربه؛ فالبعيد العدو وقد ملك أمور الدنيا وزها بقوته وقدرته على الأرض، والقريب البعيد طغى وتكبر وبغى على قومه وأفسد الأرض بل أكثر فيها الفساد، والناس من مَللهم ويأسهم وقنوطهم ينتظرون القوارع والمعجزات التي تذهب غيط قلوبهم، ولكنني أقول مع الرسول صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ولكن عافيتك هي أوسع لنا.
فيا رب املأ بالأمل قلوبنا.. يا رب لا تقنطنا من رحمتك بنا.. يا رب لا تجعل بأسنا بيننا شديدًا.. يا رب اجمع على الحق أمتنا.. يا رب اسلل سخائم نفوسنا.. يا رب ردنا إلى دينك ردًّا جميلاً..
(فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ) (يوسف: من الآية 18) صدق الله العظيم.