لم أجد وأنا أتلقى نبأ الفاجعة، فاجعة موت المجاهد العلامة عبد العظيم المطعني إلا قول أبي عبد الله، أحمد بن حنبل في وصف شيخه الإمام محمد بن إدريس الشافعي الذي يقول فيه: كان الشافعي كالشمس للدنيا، وكالعافية للناس.

 

وعبد العظيم المطعني- يعلم الله تعالى- كان في بعض ما قدَّمه لدينه وأمته شمسًا وسط ظلامٍ دامسٍ مُطبَّق، وعافية وسط أمراض جسام هجمت على أمتنا.

 

ولقد كنت- وهو من أخطائي القديمة التي مَنَّ الله عليَّ بتصحيحها- أنظر إلى الدكتور عبد العظيم المطعني من زاوية تخصصه العلمي الدقيق، وهو البلاغة العربية وهو العلم الذي ظهر أول ما ظهر، وغايته الكشف عن إعجاز الكتاب العزيز.

 

 د. عبد العظيم المطعني

 

وكنت أقف أمام دراسته الجبارة (المجاز في اللغة والقرآن الكريم بين الإجازة والمنع.. عرض وتحليل ونقد)، مجلاً ومكبرًا ومثمنًا هذا الصبر والدأب والعلم، ثم أعود فأقول هذا نموذج بديع لما ينبغي أن يكون عليه البحث والدرس، استقصاءً وعرضًا وعدم خضوع لما شاع من أقوال، ومقاومة سطوة هذا الشائع وأدبًا في التناول وتقديرًا لجهدٍ من سبق.

 

وقد كانت عينه طامحة صوب العقيدة النقية، مدركًا اشتباك البلاغة العربية في دراستها لمشكل المجاز بالاعتقاد، واللغة والفرق والتاريخ، وإلخ.

 

ولو لم يكن للدكتور عبد العظيم المطعني غير هذا السفر الكبير الماتع لكفاه، ولارتقى بمنزلته إلى درجة سامقة، بما توافر فيها من إتقان وضبط وكشوف كان منها أن إنكار المجاز في اللغة قبل ابن تيمية لم ينسب إلا إلى رجلٍ واحدٍ مع ضعف مستنده وضعف النسبة إليه، وأن إنكار المجاز في الذكر الحكيم لم يصح فيه دليل واحد منذ قال به داود ابن علي الظاهري إلى أن قبل كل ما يمكن أن يقال فيه على يدي الإمامين ابن تيمية وابن القيم حتى صح عنده بعد هذه الضجة العارمة، أن ظاهرة إنكار المجاز في اللغة، وفي القرآن العظيم إنما هي مجرَّد شبهة كتبت لها الشهرة، ولم يكتب لها النجاح!.

 

وكان لواقع الأمة أثره في جهاد الدكتور عبد العظيم المطعني العلمي حتى استوى فيه مسارات عديدة تسعى نحو الانتصار لهذه الأمة ومقاومة عوامل النخر التي تسعى إلى إسقاطها وتدميرها، ويمكن إجمال مسارات جهاده العلمي والدعوي فيما يلي:

1- الندوات والمؤتمرات المشتبكة مع القضايا الإسلامية.

2- الاشتباك مع أعداء الفكرة الإسلامية من العلمانيين وغيرهم من أصحاب الملل الأخرى.

3- مواجهة شبهات المشككين ببيان حقائق الإسلام المشرقة المنيرة.

4- الفتاوى المشتبكة مع ثوابت الأمة.

5- التدريس الجامعي والإشراف العلمي.

6- التأليف المتخصص في البلاغة، ولقد صاحبته في كثير جدًّا من الندوات التي كان يُدعى إليها فيسعى ملبيًا مضحيًا غير عابئ بظروف سن متقدمة، ولا عابئ بظروف مرضية ضاغطة، وكانت "آفاق عربية" ونقابة الصحفيين وغيرهما من المواقع شاهدةً على هذا الجهاد العلمي ضد هجمات دنيئة من قِبل خصوم الإسلام.

 

ولقد كان أول التفات مني إلى موسوعيته الإسلامية الفذة التي تذكر بتاريخ أئمتنا العظام- ما رأيته من توقيع له على الرد على مفتي في فتواه بحل ربا البنوك أمام الرقم (27) وهو ما ترى صورة ضوئية له ملحقة بآخر كتاب فوائد البنوك هي الربا الحرام للدكتور يوسف القرضاوي مكتبة وهبة بالقاهرة عام 1419هـ= 1999 م، ص 197.

 

وهو ما استوقفني أمام مجموعة من العلامات المهمة جدًّا في هذا السياق الذي يتأمل الموقف العلمي لجيلٍ من أساتذة مصر ممن انتموا إلى الأزهر الشريف؛ حيث توظف المعارف والعلوم الشرعية والعربية لخدمة دين الأمة، وأن من الأخطاء الكبرى التي نجح غيرنا في تصديرها إلينا التفريق ما بين ما يسمى عقيدة وما يسمى عبادة وما يسمى معاملات والأولى أن يسمى كل ذلك دينًا وشريعةً، وهو ما تجلى تجليًا بديعًا في فتاوى الدكتور عبد العظيم المطعني، وهو أهم ما يميز ما صدر منه من فتاوى تقديره الخطير للواقع الذي تمر به الأمة.

 

لقد كانت الفتوى عنده بنتًا بارةً لما يُسمَّى بفقه النوازل يقرأ ما وراء الأحداث في اشتباكه مع الهجمة على أمتنا ثم يفضح محاولات جرنا إلى ما سمي زمانًا باسم حوار الأديان حتى كان يحرمه في الملابسات القائمة الراهنة.

 

ولعل مراعاة واقع الأمة وما يُدبَّر ضدها لاستمرار إضعافها والسعي نحو اقتلاعها من الوجود هو أهم ما يميز ما صدر عنه من آراء وفتاوى.

 

ثم يأتي مظهر آخر من أهم ما أسهم به الدكتور المطعني في حركة الجهاد العلمي والدعوي انتصارًا لدين الأمة- من كتاباتٍ ترد على شبهات المشككين من خصوم الأمة الإسلامية، وهو ما يعكس الوجه المشرق لما سميناه الموسوعية المجاهدة.

 

وفي القائمة التالية ما يعكس هذا الذي نقرره حيث رد على الشبهات التي أُثيرت وتعلَّقت بما يلي:

1- جمع القرآن.

2- تعدد مصاحف القرآن.

3- تعدد قراءات القرآن.

4- الكلام الأعجمي فيه.

5- التناقض.

6- التفكك.

7- التكرار.

8- النسخ.

9- الغريب.

10- المنقول عن غيره.

11- مجموعة مما سمي عند خصوم القرآن باسم المخالفات اللغوية والنحوية من نصب الفاعل وتذكير خبر الاسم المؤنث إلخ.

 

12- مجموعة من الشبهات المتعلقة بمقام النبوة الكريمة من مثل: دعوى خلو الكتب السابقة من البشارة برسول الإسلام إلى غير ذلك من الاتهامات المغرضة التي نفث في نارها خصوم هذه الأمة وأعداؤها، وهي كما ترى في الأمثلة السابقة موزعة على كثير من أبواب العلوم الشرعية والعربية المختلفة وقد تميز منهجه في هذا الباب الخطير من أبواب العلم بمجموعة من السمات والمميزات منها:

1- إيراد الشبهة واضحة.

2- الرد على الشبهة تفصيلاً.

3- استقصاء الآراء السابقة واستثمارها في بيان الرد على الشبهة.

4- استثمار المعرفة المتخصصة في مصادرها الأصيلة في الموضوع مثار الشبهة، ومن الأمثلة التي تجلي منهجه في الرد على الشبهات ما كتبه في دحض دعوى تقول كيف يكون القرآن عربيًّا مبينًا وبه كلمات أعجمية.

5- بيان الرأي في موقف المشككين في وضوحه.

 

وفي سبيل تفنيدها يقرر الحقائق التالية:

أ- أن وجود مفردات غير عربية الأصل أمر أقره علماء الأمة.

ب- العجمة المقررة تتعلق بمفردات كثير منها أسماء أعلام.

ج- لا سبيل لوجود جملة غير عربية في القرآن وبالنظام النحوي يحكم على نص ما بأصالته اللغوية من عدمها.

د- أن وجود كلمات أجنبية في أي لغة لا يخرج بها عن أصالتها.

هـ- ثمة إسراف عند مروجي هذه الشبهة حتى قالوا بعجمة ألفاظ لا سبيل إلى القول بعجمتها كالزكاة والحور والله والسكينة.. إلخ.

و- إغفال ما يسمى بالألفاظ العربية بالاستعمال، مما كان قبل الإسلام أعجميًّا عرَّبه العرب ثم أخضعوه لمقاييس اللفظ العربي.

 

لقد كان الدكتور عبد العظيم المطعني رجلاً يذكرك سمته بسلفنا الصالح، ويذكرك كذلك بحجم ما سكن النفس المسلمة في تلبسها بالعلم من قوة عجيبة تشدها إلى جذورها، ومن يقين جارف بصحة هذه الشريعة مما يعلي من حاجز المقاومة والصمود والمواجهة.

 

ثم كان الدكتور عبد العظيم المطعني فقيهًا مخلصًا لفكرة استنقاذ الأمة من براثن هجوم مروع ضارٍ يشنه خصوم غير شرفاء.

 

ثم كان الدكتور عبد العظيم المطعني مفكرًا سامي المنزلة يقدر فارق ما بين أجواء النهضة التي ولَّت وأجواء النازلة التي حلت بالأمة، وهو ما قاده إلى مواجهة اتهامات المشككين والتصدي لفتاوى المغرضين ومقاومة عبث العابثين.

 

رحم الله الدكتور عبد العظيم المطعني الذي رحل من عالمنا لنفقد برحيله صخرةً شديدةَ الصلابة طالما تكسرت عليها معاول هدم ضخمة.

 

رحل عبد العظيم المطعني فغابت شمس طالما أحالت كثيرًا من الظلمات إلى أنوار مبهرة، ورحلت عافية طالما استردت معها النفس المسلمة المعاصرة كثيرًا من قوتها وأملنا في الله سبحانه كبير في أن يرحمه رحمةً سابغةً، وأن يرزقنا صوتًا جديدًا يعلو فوق المئذنة، ويسكن وسط المحراب!

---------

* كلية الآداب- جامعة المنوفية- مصر.