كثيرًا ما تقرأ وتطالع في مقالات وآراء عددٍ من الصحفيين والمهتمين بالكتابة عن التيار الإسلامي، وخاصةً من يزعجهم وجود تيار إسلامي عريض كالإخوان المسلمين على الساحة السياسية.. يتحدثون عن تضارب الآراء واختلاف الرؤى وتصارع الأجيال واختلاف المدارس داخل الجماعة الواحدة ما بين صقور وحمائم، وإصلاحيين ومحافظين، ومن ثم التتبع لأقوال وتصريحات قادة الجماعة ومفكريها، ثم التحليل و"التفعيص" في الكلمات ومحاولة تأويلها وتصنيف قائلها إلى إصلاحي أو محافظ أو، أو...

 

وسار على نهج هؤلاء بعض الكتاب والمحللين المحسوبين على التيار الإسلامي، وصار الجميع يعزف على هذا الوتر رغم أن النغمة نشاز إلا أنهم فيما يبدو تعوَّدوا على النشاز حتى صار عندهم مقبولاً.

 

وإحقاقًا للحق، وحتى لا تلتبس الأمور على الناس ويجد الذين في قلوبهم مرض الفرصة المواتية للطعن والتقول على الجماعة وقادتها وفكرها بما ليس فيها.. أردت أن أقطع الطريق على الجميع وأوضح الحقائق التالية:

 

أولاً: الدعوى والسياسي

إن منهج جماعة الإخوان منهج إسلامي خالص؛ تأخذ الإسلام بشموله، وهي في ذلك رائدة ومتميزة؛ لم يسبقها في ذلك إلا أمة الإسلام في صدر دعوتها حين كان للإسلام دولة وكانت للدولة سياسة للدعوة؛ تحرس العقيدة وتجيِّش الجيوش، وتنظم الأسواق وترعى الفقراء، وتبني المساجد وتحفظ الحرمات، وتعمر الأرض وتحفظ العرض، لا فرق عندها بين وظيفة الحاكم (سياسية) ووظيفة الإمام (دعوية)، بل كان الحاكم هو الذي يخطب الجمعة، ويذكِّر الناس بالآخرة، ويدفعهم إلى عمارة الدنيا، أما الذين يسعون إلى فصل السياسة عن الدعوة بحجج خدَّاعة (قدسية الدين لا تتناسب مع ألاعيب السياسة)، (السياسة نجاسة)... إلخ.

 

فإنهم أرادوا التسويق للفكر العلماني في الوسط الإسلامي رغم انخداع بعض الإسلاميين بهذه الحجج، وروَّجوا لها تحت بند "مصلحة الدعوة في المرحلة الراهنة"، "أو لنيل بعض المكاسب القريبة"، "أو لتجنب البطش والتنكيل".

 

ولهؤلاء جميعًا أقول: إن الإسلام كلٌّ لا يتجزَّأ، ومن رضي بمبدأ فصل الدعوي عن السياسي فقد ارتضى مبدأ العلمانية، وأهدى العلمانيين ما لم يكونوا يحلمون به يومًا، مع ملاحظة الفارق بين الإيمان بالفكرة أو المبدأ ومراحل التنفيذ؛ فالإيمان بالفكرة كلها لا يجوز الإيمان بها على مراحل، بينما التنفيذ قد يقتضي الأمر عقودًا أو قرونًا وبالتدرج، وعلى مراحل، وأوضح مثال على ذلك رفض النبي- صلى الله عليه وسلم- عرضًا مغريًا من قريش في مرحلة حرجة من عمر الدعوة عرض عليه أن يكون ملِكًا على قريش ومَن حولها، ويُزوَّج أجمل النساء وأعلاهن نسبًا، ويُجمع له المال ليكون أغناهم، (يلاحظ مع هذا العرض أن أوجه الخلاف بين النبي وأهل قريش لم تكن كبيرةً، وأنه كانت توجد نقاط اتفاق معهم كبيرة جدًّا؛ حيث كانت نقطة الخلاف الوحيدة هي قولهم ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ (ص: من الآية 5)؛ لأنهم كانوا مؤمنين بالله ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾ (الزمر: من الآية 38)، وكانوا فقط يتخذون الأصنام قربانًا إلى الله ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى﴾ (الزمر: من الآية 3)، وكانت نقاط الاتفاق كبيرةً؛ حيث قال لوفد نجران حين جاءوا إليه: "ما بكم؟" قالوا خمس عشرة خصلة؛ عشر تخلقنا بها في الجاهلية، وخمس تخلقنا بها في الإسلام، وقال عن حلف الفضول: "ذلك حلف لو دعيت لمثله لأجبت"، وقال "خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام".

 

لقد كان في مجتمع العرب قبل الإسلام صفات نبيلة كثيرة تصلح كأساسٍ للتفاوض، ومع كل ذلك رفض هذا العرض ورفض المساومة على المبدأ وأعلنها مدوية قاطعة: "لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر (الدين) لن أتركه حتى يظهره الله أو أهلك دونه"، وكان يستطيع أن يلعبها سياسيًّا ليصل إلى الملك ليأمر فيطاع- والناس على دين ملوكهم- ليوظف الملف الدعوي بعد ذلك، لكنه رفض كل ذلك؛ لأنه يعلم ويُعلِّم الأمة كلها أن الدين كلٌّ لا يتجزَّأ.

 

ثانيًا: الخيار الفقهي

جماعة الإخوان المسلمين تعي جيدًا خطورة الفُرقة على الأمة، وتدرك أهمية الوحدة؛ لذلك فهي جماعة تجمع ولا تفرِّق، وتدرك أن قوة الجماعة في رصيدها الجماهيري ومدى تماسك صفها؛ ولذلك قال أحد دهاة السياسة يومًا: "نحن والإخوان نتسابق إلى المجتمع؛ فمن فاز بالمجتمع كانت له الغلبة".

 

من أجل ذلك كانت فكرة الإخوان تقوم على الابتعاد عن أسباب الفُرقة؛ وأهمها الآراء الفقهية المختلفة في فروع الدين؛ فكان من مبادئ الإخوان الأساسية "عدم تبني الجماعة أي خيار فقهي معين"؛ فهي لا تلزم أبناءها برأي معين ولا بمذهب محدد، بل تركت الحرية لأبنائها كل يأخذ الرأي الذي يميل إليه، ووضعت لذلك ضوابط عامة لأبنائها يفهمون الإسلام في ضوئها؛ هذه الضوابط هي الأصول العشرين لفهم الإسلام، وكل أبناء الإخوان ملتزمون بهذه الأصول الجامعة.

 

والحقيقة أن هذه الأصول ليست من اختراع الإخوان ولا من تأليف الإمام البنا، إنما هي أصول وقواعد إسلامية جامعة شرحها الإمام الشاطبي في كتابه الموافقات، ولخَّصها الإمام البنا وأعاد صياغتها بلغة سهلة وأسلوب عذب يتناسب مع روح العصر، كما دعت إلى نبذ المذهبية، وكلَّف الإمام البنا الشيخ سيد سابق مبكرًا عام 1941م بجمع الآراء الفقهية المختلفة والمتفرقة في كتب المذاهب المختلفة في كتاب واحد، فكان كتاب "فقه السنة" الذي التفت حوله الأمة بعد ذلك رغم اختلاف البعض حوله، وكان هذا الكتاب.

 

وهذه الخطوة من الإخوان إيذانٌ بزوال عهد المذهبية البغيضة، ومن هنا جمعت هذه الجماعة الأمة حول منهج الوسطية، وجمعت بين أنماط الناس المختلفة؛ من صاحب العزيمة وصاحب الرخصة، والعاطفي والعقلاني، والمتبع لفقه الأحوط والآخذ بفقه الأيسر، بين الأكاديمي العلمي والرباني الروحاني، بين من يأخذ بظاهر النص يتعبد به ومن يتعمق في المعاني.. كل هذه الأنماط والمظاهر توجد في بوتقة واحدة تصهر بالحب في الله؛ لا يعيب فيها أحد على غيره، ولا تُلزم الجماعة أحدًا بفقهٍ معين، وهكذا كان أصحاب رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يميزهم نقاء صدورهم تجاه بعضهم البعض.

 

كما أن الجماعة تربَّى أبناؤها على عدم تجريح الهيئات والأشخاص؛ لأن ذلك يجر إلى الخصومة والبغضاء، كما عَلَّمت أبناءها أن الخلاف في الرأي لا يفسد للود قضية، وأنهم يعملون في جماعتهم وهناك كثيرون ليسوا أعضاء في الجماعة لكنهم جزء من فكرها وامتداد لها، وهذا ما وضحه الإمام البنا بقوله: "كم منا وليس فينا".

 

لذلك من لا يفهم ذلك عن الإخوان عندما يقرأ أو يسمع رأيين مختلفين لاثنين من مفكري الجماعة وعلمائها يملئون الدنيا ضجيجًا عن انشقاقات في الجماعة واختلافات، وتقرأ وتسمع عن مفتي الجماعة المتشدد وفقيه الجماعة الميسر، أو الحديث عن اختلاف الرؤى حول قضية معينة مثل ولاية غير المسلم أو ولاية المرأة، وهذه القضايا اختلف فيها الفقهاء قديمًا، والتراث الإسلامي مليء بالآراء المختلفة، ولأن الجماعة ليست شخصًا واحدًا، وليس لها مُفْتٍ، وليست بحاجة إلى مُفْتٍ؛ لأنها لا تلتزم رأيًّا فقهيًّا محددًا، فكان لا بد من أن تكون هناك آراء مختلفة في القضية الواحدة، ولكن كيف يتخذ القرار وكيف يستقر الرأي على رأي معين؛ فهذا هو ما يفخر به الإخوان؛ لأن هذا الخلاف لا يكون إلا في القضايا التي تتطلب رأيًّا للجماعة فيه، ثم إن هذا الخلاف لا يكون إلا في الاجتماعات الرسمية للإخوان من أجل اتخاذ القرار، وعند تعدد الآراء يلجأ الإخوان إلى الشورى لحسم الاختلاف في الرؤى، وبعد اتخاذ القرار يتبنَّى الجميع هذا القرار بإيمان تام بأنه: "لا تجتمع أمتي على ضلالة" وسعادة ورضا بالامتثال إلى قوله تعالى ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ (الشورى: من الآية 38).

 

ثالثًا: السرية والتنظيم

لا يكاد يمر أسبوع إلا وتطالعك إحدى الصحف بخبر أو تحليل عن الجماعة المحظورة والتنظيم السري أو القبض على مجموعة من الإخوان والعثور على أوراق تنظيمية تحوي مخططات سرية، ثم تعقد الندوات والبرامج التلفزيونية تتحدث عن ميليشيا الإخوان في جامعة الأزهر تارةً وتارةً أخرى عن التنظيم العالمي، ويسبق كل ذلك كلمة "الكشف عن.." لتوحي للمشاهد والمتابع والقارئ أن هذه الجماعة سرية وتعمل في أنفاق تحت الأرض، والخطر كل الخطر من فجأة ظهورها ولا أحد يعلم متى ولا كيف تظهر ولا الخطر المتوقع، ويوهمون الناس بذلك.

 

وللإمعان في تنفيذ ما يريدون يقوم جهاز أمن الدولة بالمهمة الخطيرة واللعبة القذرة بالضغط والتخويف والاعتقال المستمر، مجموعة تخرج لتدخل أخرى، ونفس التهم ونفس الديباجة؛ يعتقل الفرد بها ثم يخلى سبيله بدون سبب ويعاد اعتقاله إذا كان الأمر يتطلب ذلك وبنفس التهم، وحين ترى الاستنفار على وجوه الجند وساعات التحقيق، وعدد الأوراق وكم الأسئلة تظن أن الأمر جد (70 جلسة تحقيقات في المحكمة العسكرية بدون أركان لقضية تصلح أن توضع أمام قاضٍ)، كل هذه الأجواء لإيصال رسالة إلى الجمهور أن هذا تنظيم سري خطر على المجتمع، ورسالة إلى من يفكرون في الانضمام للجماعة: احذروا فيما تقدمون عليه، ورسالة إلى الإخوان: لن نترككم تتصلوا بالجمهور، ومن يفعل ذلك منكم فالاعتقال في انتظاره.

 

وأقول للجميع ولأبناء دعوة الإخوان خاصةً: يجب أن تعلموا يقينًا أن جماعة الإخوان ليست تنظيمًا سريًّا، ولا تعمل في أنفاق، ولا تعمل تحت الأرض ولا في الظلام.

 

إن جماعة تعمل على مستوى العالم في أكثر من ثلاثين دولة بتنظيم قوي، وتشارك في تشكيل الحكومات في بعض الدول بعددٍ من الوزارات، ليست تنظيمًا سريًّا.

 

وجماعة تضم أكبر فقهاء العالم الإسلامي على الإطلاق، ويشار إليهم بالبنان، ما فتئوا يعلنون انتماءهم لجماعة الإخوان، ليست بتنظيم سري، وجماعةٌ تدخل الانتخابات ولها أعضاء في البرلمان لهم مقر معلن وموقع معلن باسم الإخوان ليست تنظيمًا سريًّا، وجماعةٌ تدخل الانتخابات تقدم أسماء أبنائها على أوراق رسمية ما بين مرشحين ومندوبين ووكلاء والباقي يسيرون في الشوارع والميادين يهتفون باسم الإخوان ليست تنظيمًا سريًّا.

 

وعلى كل فرد في الجماعة أن يدرك ذلك جيدًا ويعلنه ويفخر به؛ لأنه يعمل في أشرف مهمة، وهي مهمة الأنبياء والمرسلين "الدعوة إلى الله"، وأنهم أصحاب حق لا يخجلون منه؛ لأنهم لا يسرقون ولا يدعون إلى فساد ولا ينهبون المال العام ولا يستغلون مناصبهم ولا يعملون ضد مصلحة الوطن، بل هم وطنيون حتى النخاع؛ يتحملون الأذى من أجل الوطن والمواطن، فكونوا فخورين بانتمائكم وبجماعتكم.

 

وأقول للذين يروِّجون ذلك ويريدون أن يدخل الإخوان إلى الكهوف: إن عقارب الساعة لن تعود إلى الوراء، وإن الإخوان حين نشروا وسائلهم التربوية في الكتب وطرحوها في الأسواق إنما كانت رسالةً لمن يعي أنهم يعملون في وضح النهار، وحين وضعوا اللائحة التنظيمية الداخلية ونشروها على موقعهم ليقرأها القريب والبعيد والخصوم والأتباع ما فعلوا ذلك إلا لأنهم ليسوا بتنظيم سري ولا يعملون في الخفاء، ولا يفعلون ما يخجلون منه، بل إن كل أعمالهم شرف يتقربون بها من الله.

 

رابعًا: التبعية والاستقلال

يظن كثير من الناس أن الإخوان يربون أبناءهم على السمع والطاعة فقط؛ يتحركون بـ"الريموت كنترول" قوالب جامدة، وأنهم لا يرحِّبون بصاحب الفكر أو المبدع أو المنظِّر، وأنهم لا يقبلون النقد، وأن هذا التنظيم أشبه بالنظام العسكري "الميري": أوامر وتعليمات تنفذ دون نقاش و.. و.. و.. ولهؤلاء جميعًا أقول: مهلاً أيها السادة، إن كنتم لا تعرفون الإخوان فهلم إليّ:

 

إن جماعة الإخوان تربي أبناءها على ثلاث مراحل:

المرحلة الأولى هي مرحلة الاعتماد:

وهي المرحلة التي يعتمد فيها الفرد على الجماعة في كل شيء، وتعتبر الجماعة للفرد مصدر الثقافة والمعرفة ليتعرف الفرد على منهج الجماعة وفكرها جيدًا ووسطيتها وأبجدياتها، وهذا أمر بديهي، وهكذا كان النبي- صلى الله عليه وسلم- يربِّي أصحابه في بداية الدعوة على وحدة مصدر التلقي، وكان يغضب إذا رأى ورقةً أو صحيفةً في يد أحد أصحابه، وينهاهم عن كتابة الحديث قبل القرآن؛ حتى تتأصَّل الفكرة نقيةً أولاً في نفوس الأتباع، وهذه المرحلة تعتبر من أهم المراحل وأدقها، وتحتاج إلى جهد كبير، ووجود الأفراد في هذه المرحلة يمثِّل عبئًا على الجماعة؛ لأن هؤلاء الأفراد غير منتجين للجماعة، ولو كانت الجماعة تريد قوالب صامتة لا تتكلم لأبقتهم في هذه المرحلة، لكنها تريد أن تستفيد بهم وتدفعهم إلى العمل والعطاء لدعوة الإسلام.

 

هذه المرحلة تنتهي بتقييم الجماعة لا بنظر الأفراد؛ ولذلك بعض الأفراد يتعايش مع الإخوان في هذه المرحلة ثم يبتعد لسبب أو لآخر وُيستغل ليتحدث عن الجماعة وأنه كان أحد أفرادها، وفي الحقيقة هو لا يعرف عن حقيقة الإخوان ولا فكرتهم ولا منهجهم شيئًا.

 

المرحلة الثانية هي مرحلة المشاركة:

وهي المرحلة التي يصل فيها الفرد إلى مرحلة النضج الفكري، والفهم الصحيح للإسلام، ويكون قد استوعب أبجديات الدعوة ومنهجها، فيبدأ الفرد مرحلة العطاء لدعوته ولدينه ومشاركة جماعته في البذل "كما يأخذ يعطي".

 

وتربِّي الجماعة أبناءها على أنهم لا يعملون للإخوان ولا من أجل الإخوان، ولكن يعملون مع الإخوان من أجل الإسلام؛ فالجماعة عندهم وسيلةٌ وليست غايةً، والجميع يعلم أن الغاية هي رضا الله تبارك وتعالى، وهذا معنى شعار "الله غايتنا"، ويشارك كلٌّ على حسب طاقته واستطاعته، وهذه المرحلة يوجد فيها السواد الأعظم لأفراد الجماعة.

 

المرحلة الثالثة هي مرحلة الاستقلال:

في مرحلة المشاركة تظهر القدرات والإمكانيات الخاصة لبعض الأفراد يتميزون عن غيرهم نضجًا وحركةً وقدرةً على التعبير عن الفكرة، هؤلاء سخروا ملكاتهم وقدراتهم لفكرتهم حتى صارت الفكرة هم وصاروا هم الفكرة، هؤلاء هم مفكرو الجماعة ومنظِّروها؛ كلٌّ يعبِّر عن الفكرة بأسلوبه الخاص، قد يختلفون في تعبيراتهم وتحليلاتهم، لكنهم جميعًا يلتزمون بثوابت الجماعة لا يخرجون عنها؛ منهم من يعمل بداخلها أو بأحد أقسامها ومنهم من لا ينتظم في نظامها الداخلي، وكلٌّ في فلك الجماعة يسبحون، وبثوابتها ملتزمون، وهذا من عظمة هذه الجماعة وسعة أفقها وعمق فكرتها.

 

أردت بهذه الإطلالة السريعة أن أضع هذه الحقائق أمام القارئ الكريم إحقاقًا للحق ومعذرةً إلى الله وإنصافًا ووفاءً لهذه الجماعة المباركة وتسجيلاً للتاريخ؛ لأن الحقائق التي ذكرتها هي من أبجديات الجماعة المتعارف عليها عند مفكِّري الجماعة وغير المدوَّنة في الكتب؛ ولذلك أردت تسجيلها حفاظًا عليها من الضياع ونفعًا ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ (الفرقان: من الآية 62).

--------
*
s_sasy66@yahoo.com