شاهدتُ على إحدى القنوات الفضائية حوارًا بين كلٍّ من الصحفي اللامع "سيد علي" والدكتور "رفعت السعيد" رئيس حزب التجمع اليساري المصري، وقد تناول الدكتور رفعت السعيد تفصيلاً برنامج حزب التجمع، وقال إنه يسعى إلى توفير لقمة العيش والمسكن الملائم والعمل لكل عاطل، وغير ذلك من الشعارات والآمال التي يربت بها كل أهل اليسار على عواطف الطبقات الفقيرة والمهمَّشة؛ وذلك جريًا على أفكار ومبادئ الثورة البلشفية الماركسية (مِن كلٍّ بقدر جهده.. لكلٍّ بقدر حاجته)؛ فدغدغة عواطف الفقراء وتحريك آمال المحتاجين بلا شكٍ وسيلة من وسائل الاستحواذ على تأييد هذه الجماهير وجريها وراء هذه المبادئ، ثم سرعان ما يتبين أن ذلك كله سراب و"ضحك على الدقون"، كما يقولون.

 

ودليلنا على ذلك:

1- ما حدث من انهيار رهيب للمشروع الشيوعي في عام 1992م بعد "بروستريكا" جوربتشوف، وأدى إلى تحلل الكيان الدولي الكبير للاتحاد السوفيتي وتمزق دوله وولاياته، وسقوط دعوى أهل اليسار إلى الأبد بقيادة الشيوعية العالمية واندحار الرأسمالية أو ما يُسمَّى بالمعسكر الغربي (أمريكا وأوربا).

2- انهيار التجربة الاشتراكية في مصر التي بدأت بالتحول الاشتراكي عام 1961م في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، وتزعَّم هذه التجربةَ أهلُ اليسار والشيوعية المصرية عقب خروج الكثير منهم من السجون والمعتقلات، بل إنهم ازدادوا تطرفًا في الأفكار والتطبيق حتى أسموا اشتراكيتهم بالاشتراكية "العلمية"، في الوقت الذي كان الإسلام محاصرًا ورجال الحركة الإسلامية من الإخوان المسلمين في السجون والمعتقلات، وكان الإقصاء والإبعاد لكل صوتٍ يُنادي للإسلام أو يعمل له.

 

ومع هذا التمكين للفكر الاشتراكي والحركة الشيوعية والسيطرة على المؤسسات الرسمية للدولة، وما كان لهم من يدٍ طولى على كل مظاهر الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والقافية.. ومع ذلك فقد سقط المشروع الاشتراكي أو الشيوعي سقوطًا مدويًا، وترتب عليه أن كفرت الجماهير بالاشتراكية والاشتراكيين؛ لأنهم سمعوا كلامًا ورأوا شعارات خالية من المضمون.

 

ويحضرني هنا ما ذكره أحد أعضاء مجلس الشعب في عهد الرئيس السادات، وهو الشيخ "عاشور" من الإسكندرية عندما كان يعيب على قادة التوجيه الفكري والمعنوي إلى الاشتراكية: "إنهم كانوا يحضرون إلى معسكرات التوجيه على شاطئ الإسكندرية يركبون السيارات الفارهة (8 أمتار) وتزين أصابعهم خواتم الذهب الضخمة.. فأين هي الاشتراكية؟! وأين القدوة؟!".

 

ولعلنا نذكر أن الرئيس "بريجنيف" رئيس الاتحاد السوفيتي الذي تولى الحكم بعد "خورتشوف" كان يهوى اقتناء السيارات الفاخرة من كل الماركات العالمية، وحاز أكثر من (17) سبع عشرة سيارة.

 

إذن.. الواقع العملي هو الذي يترجم مدى صدق أو كذب ادعاءات مَن يحملون هذه الأفكار الشيوعية أو الاشتراكية.

 

وهذه القضية لها حل واضح بيَّن في تراثنا الإسلامي؛ فالقول لا بد أن يصدقه عمل (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ (3)) (الصف)، (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (44)) (البقرة).

 

ومن هنا كان الصدق هو مفتاح دخول قلوب الناس؛ فالداعية يعيش مع الناس بحاله وواقعه وتعامله اليومي الصادق، وما يقوله يجب أن يكون صدى لتطبيقه وتنفيذه، وهذا يُعبِّر عن خلود وبقاء دعوة الإسلام إلى أن يرث الله الأرض ومَن عليها، ويُعبِّر من بابٍ آخر عن أن الدعوات الأرضية إلى زوال واندحار؛ لأن ما كان لله دام واتصل، وما كان لغير الله انقطع وانفصل، وهذا بالتالي ما جعل هذه المبادئ الشيوعية في خبر كان.

 

وما يهمني من حديث الدكتور رفعت في القناة الفضائية أنه تطرق إلى الحديث عن الإخوان وأخذ يردد الأسطوانة المشروخة دائمًا وأبدًا، أنهم "متأسلمون"، ويدافع عن مصطلحه هذا، وأنهم- كما يدعي- يحتكرون الحقيقة، وهم لا يُعبِّرون عن صحيح الإسلام.

 

ولما سأله المحاور عن الديمقراطية، وهل يظن أن تتم بعيدًا أو بغير الإخوان المسلمين حار جوابًا وأخذ يلف ويدور حول معنى معين، وهو أن الإخوان المسلمين جماعة محظورة؛ يمنعها القانون والدستور، وأن الخلط بين الدين والسياسة لا تقره الأوضاع الجديدة التي كرَّستها التعديلات الدستورية الأخيرة.

 

وسُئل كذلك: ماذا لو حدث في انتخابات نزيهة وشفافة وجاءت بالإخوان المسلمين كأغلبية تشكل الحكومة؟ فكان جوابه أن الإخوان إذا وصلوا للحكم وتولوا الوزارة فلن يستطيع أحد أن يزحزحهم.

 

نقول: هل لكلامه هذا واقع أو تجربة أو مصداقية؟

إذن.. لا شك أنه كلام نظري وهو يسير ضمن "زفة" تستهدف النيل من الإسلام وقطع الطريق على الدعاة إليه، وتحريض الحكومات على الإخوان واستعداء كل القوى المعادية للمشروع الإسلامي، سواء المحلية أو الدولية لوضع الفكرة الإسلامية وتطبيقاتها في دائرة الاتهام والإقصاء؛ ليخلوَ لدعاة اليسار ومتطرفي العلمانية الجو، ويجلبوا لبلادنا أمراضَ ووباء الحضارة الغربية التي عافانا الله منها ومن ويلاتها.

 

وحتى نضع النقاط فوق الحروف فيما أُثير من قضايا في هذا الحوار نشير إلى الآتي:

1- الإسلام لا يعرف ذلك الفصل التعسفي بين الدين والسياسة، والأستاذ البنا رحمه الله يقول: "فحدثوني بربكم أيها الإخوان: إذا كان الإسلام شيئًا غير السياسة وغير الاجتماع وغير الاقتصاد وغير الثقافة.. فما هو إذن؟! أهو هذه الركعات الخالية من القلب الحاضر؟! أم هذه الألفاظ التي هي- كما تقول رابعة العدوية- استغفار يحتاج إلى استغفار؟! ألهذا أيها الإخوان نزل القرآن نظامًا كاملاً محكمًا مفصلاً (تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى) (النحل: من الآية 89).

2- وماذا عسى الإخوان أن يفعلوا وقد حال الدستور والقانون بينهم وبين ممارستهم السياسية على الوجه الذي يؤمنون به؟!

 

نقول: إن هذا من الابتلاء الذي أُمرنا أن نصبر عليه وأن نكافحه بكل الوسائل السلمية المتاحة.. في البرلمان، ومع الرأي العام، وفي الندوات والمؤتمرات، ومع المجتمع المدني وفي قاعات المحاكم؛ حتى نصل- بإذن الله- إلى الإدارية العليا والدستورية استنادًا إلى مصادمة هذا الفصل التعسفي لدستور الأمة الذي يجعل الإسلام هو الدين الرسمي والشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع، ولن يصح إلا الصحيح بإذن الله.

 

3- أما ما يدَّعيه الدكتور رفعت أن الإخوان إذا وصلوا إلى الحكم فلن يتركوه ولن يزحزحهم أحد فهذا كلام غير علمي وغير سليم؛ فهو من ناحية خبط عشواء، والواقع لا يؤيده، وهم ما زال الحصار مضروبًا عليهم، وممنوعون من الحركة بحرية وسلاسة، إذن.. هو كلام خيالي ولا يخضع للواقع ولا التجربة.. هذا من ناحية.

 

ومن ناحية أخرى فإن واقع الإخوان في النقابات المهنية- وقد تولوا أعلى المناصب فيها- أنهم ينزلون على رأي جمهور الناخبين وصناديق الانتخابات الشفافة التي ارتضاها الجميع وسيلةً لاختيار الأصلح.

 

ولكن ما بال الدكتور رفعت وقد تفرَّغ للهجوم على الإخوان، بل والإسلام، وكأن ذلك رسالته أو هدفه في الحياة؟! ما باله يكرر نفسه دائمًا ويعيد ويزيد في قضايا بنفس الكلمات ونفس المصطلحات، وكأنه من كثرة ترديدها قد لفظها الناس وسئموا من تكرارها وأصابهم منها الملل؟!

 

يقول د. محمد عمارة في تقديمه لكتاب "مركسة الإسلام" أو "مركسة التاريخ النبوي" لمؤلفه الأستاذ منصور أبو شافعي: "إن المؤلف قد ضبط الدكتور رفعت متلبسًا بعدم المصداقية العلمية، ومرتكبًا الحرام العلمي في كتابه عن الإمام حسن البنا" ونسوق مثلاً واحدًا من جملة أمثلةٍ ساقها محمد سعيد العشماوي عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أنه كان يحكم الناس بوثيقة شبه جاهلية!، وأنه كان يفرض الإتاوات والرشاوى التي يتململ منها الناس ويسوءهم أداؤها ويذلهم دفعها، وأن حكومته كانت حكومة احتكام شأن حكومات الجاهلية.

 

- ويقول عن صحابة رسول الله الذين أقاموا الدين وأسسوا الدولة: "إنهم قد ارتدُّوا إلى عناصر الشخصية الجاهلية: السلب والصعلكة، والجمود والتقليد، واستبدال السلطة والغرض، والورث والصدقة بالعقيدة والشريعة".

 

- عندما يصدر هذا العشماوي هذه الأحكام على الإسلام ورسوله وصحابته يقول د. رفعت عن هذا الرجل- ويا لعجب ما يقول-: "إنه يواصل كتاباته الشجاعة والعلمية في آنٍ واحد"، ويحييه قائلاً: "تقبل تحيتي على موقف شجاع يليق بك كباحثٍ وعالمٍ وقاضٍ"!!

 

ثم يقول إنه هو الذي يمتلك "صحيح الإسلام"، وإن حسن البنا كان "متأسلمًا"؛ أي مدعيًا الإسلام.

 

- إن الهوى يعمى ويضل، وآن لمتطرفي العلمانية واليسار أن يكفوا عن هذه اللعبة الخطرة.