الحمدُ لله، والصلاةُ والسلامُ على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومَن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.. أما بعد:
فإلى كل مسلمٍ غيور حاكم أو محكوم
وإلى كل محبٍّ لخيرِ العالم وسيادة بني الإنسان
أوجه هذه الكلمات أداءً للأمانة وقيامًا بحقٍّ الدعوة.
إنَّ الناظرَ إلى الواقع المحيط بنا والمتأمل فيما يقع على الساحة العالمية، يستطيع أن يرى أن التوجه العام العالمي يعمد إلى أن يعم الاستبداد ديار المسلمين، وأن يملأ الطغيان والفساد كل البلاد، وأن يصطلي بناره كل العباد، ولعل هذا جزءٌ من مخططٍ عالمي كبير لإقصاء الإسلام من أن يحكم، حتى ولو جاء بطريق الديمقراطية، وأيضًا لإبعاد المسلمين من أن يكون لهم دور في سياسة بلادهم، أو عمل لإعزاز أوطانهم.. واسترداد حرياتهم.
عولمة الاستبداد:
لقد انحدر التفكير بين زعماء العالم في هذه الأيام؛ حيث اختفت المثل العليا، وغابت عن الأنظار والقلوب تلك الأهداف الجميلة التي تنادي بها هؤلاء الناس، وجندوا باسمها قوى الأمم ضد الظلم والطغيان.. تحت مسمى الأمم المتحدة فالحريات والعدالة وحقوق الإنسان والديمقراطية، وكل ما جاء في ميثاق الأمم.. أصبحت في خبر كان، وأضحت فلسفة الطغاة المستبدين عولمة الاستبداد، ونشر الفساد، حتى يتمكنوا من الوصول إلى مصالحهم المادية، ومطامعهم الاستعمارية ومناطق النفوذ والاستيلاء على المواد الخام!.
وكل ذلك على صورةٍ من الجشع والنهم لم تر الدنيا لها مثيلاً، وأصبحت هذه المعاني هي محور التنافس بين الدول القوية، وإن حاولت كل منها أن تستر جشعها ومناورتها بستارٍ من دعوى المبادئ الاجتماعية الصالحة والنظم الإنسانية الفاضلة كنشر الديمقراطية، وتعميم الحرية، والمحافظة على حقوق الإنسان.
يتملكون القوة لتركيع الضعفاء:
إن الإنسانيةَ وإن كانت قد تقدمت وملكت زمام الطاقة الذرية، فإنها إنما تسعى من وراء ذلك إلى التسلط والقهر والجبروت، وحبذا لو كانت القوة تستعمل في كف الظالم عن ظلمه، ومنع العدوان، وحماية الحق وصاحبه من الضيم والخذلان، ولكنها إنما تُتَّخذ لإذلال المستضعفين، والسيطرة على الشعوب المتخلفة واستغلال ثرواتها الطبيعية، وإنسانها الفقير، للزيادة في غنى الدول القوية وترفهها، وتمكنها من بسط نفوذها على العالم، والتحكم في إرادة الأفراد والجماعات.
إن هذه السياسة هي ميزة الدول الكبرى المتحكمة في مصير العالم، والتي جعلت منظمة الأمم المتحدة تحت وصايتها، وخولت لنفسها حق الاعتراض على كل قرارٍ لا يوافق أهواءها المختلفة، وبذلك غرست العداوة والكراهية بين الأقوياء والضعفاء، وعطلت سير البشرية نحو التفاهم والتآخي والحب، مما يسمونه بالتعايش السلمي، الذي هو أساس التقدم والازدهار.
هيئة الأمم المتحدة تشرع للاستبداد:
العالم الآن يشهد أحداثًا تجعل الحليم أمامها حيران، وتؤذن بخطر عظيم على المسلمين والإنسانية جمعاء من هذه الأحداث:
1- تكتل عالمي للعدوان على البلاد الإسلامية باسم محاربة الإرهاب والتصدي للتطرف بضربات استباقية.. أفغانستان والعراق، والصومال، والسودان كل ذلك بعد أحداث جسام وقعت على أرض البوسنة والهرسك وكوسوفو، والشيشان، وكشمير.
2- تحزب دولي للنيل من قيم الإسلام ومبادئه ورسوله- صلى الله عليه وسلم- ورموز العمل الإسلامي الذين يحملون همَّه، ويعملون لعودته إلى واقع الحياة حتى ترجع للإنسان قيمته وحريته وكرامته، وحتى يأمن الناس في أوطانهم وديارهم وأموالهم.
3- شن الحرب على كل مَن يقف في وجه المشروع الأمريكي الصهيوني، أو يقاوم المعتدي المحتل الغاصب، أو يجاهد في سبيل استرداد وطنه المسلوب وطرد اللصوص الناهبين لخيراته، المستعبدين المذلين لأبنائه، المنتهكين لأعراضه وحرماته، المدمرين للأخضر واليابس على أرضه. وما فلسطين ولبنان والعراق عنا ببعيد.
4- تمادى المستبد الغاصب في الطغيان، ولم يعد يفرق بين المقاومة السلمية أو المسلحة، وأضحى الكل في نظره إرهابًا: تركيا، إندونيسيا، مصر.
5- دعم المؤسسات الأمريكية للكيان الصهيوني دون تحفظ، وهو ما برز في تصريحات أوباما المرشح الديمقراطي للرئاسة الأمريكية، فضلاً عن زيادة مخصصات الدعم لوزارة الحرب الصهيونية.
هذا الدعم المادي والمعنوي للصهيونية دفعهم للاستمرار في بناء الجدار وإقامة المستعمرات، والزيادة في عمل الحفريات تحت وحول المسجد الأقصى؛ مما نجم عنه تصدعات وتشققات، وليعلم الصهاينة أنهم بذلك يسعون إلى حتفهم، ويحفرون قبورهم بأيديهم.
6- غابت الدعوة إلى الديمقراطية حين جاءت بغير ما يشتهون، ولم يتورعوا أن يصموا الشعب بأنه مُغَرر به من قِبل الإسلاميين ومن ثمَّ عملوا على سن القوانين، وتزوير الانتخابات وإرهاب الشعب حتى تبقي على المفسدين، وتحول بين المصلحين من أن يشاركوا في إدارة وسياسة أوطانهم.
مظاهر الاستبداد في الدول الإسلامية:
وإذا كان هذا جانب من الاستبداد العالمي فإنه يقابل باستبدادٍ أنكى وأشد من كثير من الحكومات الإسلامية والعربية، والذي تتجلى مظاهره في:
1- القضاء على البارزين من الرجال، وأصحاب العقول الناضجة، واستئصال كل من تفوق أو حاول أن يرفع رأسه.
2- منع النقابات والمؤسسات الأهلية من القيام بدورها بل وإغلاقها، منذ عشرات السنين، وحجب كل ما يعمل على تنوير النفوس أو كل ما يبث الشجاعة والثقة بالنفس.
3- العمل الدءوب على تدمير روح المواطنين، وتعويد الناس الخسة والضعة، والعيش بلا كرامة.
4- وجود الشرطة السرية والجواسيس وبث العيون في أرجاء البلاد، وإقصاء كل شريف نبيل عن الوظائف الحكومية باسم تقارير أمن الدولة.
5- إفقار عامة الشعب حتى ينشغلوا بالبحث عن قوت يومهم، فلا يجدون من الوقت ما يتمكنون فيه من العمل للتغيير والإصلاح.
ولكل هذه الأسباب نجد الحاكم المستبد يحب المفسدين، ويختارهم بطانةً له، فهم عبيد النفاق والتملق، وهذا يسره وينتشي منه، وفي المقابل فإنه لا يحب رجلاً ذا كرامة، أو رجلاً شريفًا، ذا روحٍ عالية، أو صاحب شخصية مستقلة، بل إنه يكره جميع الأخلاق الشريفة؛ لأنها تهدد سلطانه وتهز أركانه.
سبيل النجاة:
هذا تدبيرهم ومكرهم ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ﴾ (فاطر: من الآية 43)، وهذه المليارات ينفقونها ليصرفوا الناس عن الإسلام وقد وعد الله بإحباط عملهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (36)﴾ (الأنفال).
وإذا كان ذلك مكرهم فلله مكر وتدبير: ﴿مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (50) فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (51) فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (52)﴾ (النمل).
إن طريق النجاة للمسلمين مما يحاك لهم بليلٍ عالميًّا ومحليًّا هو الاتجاه نحو الدين عقيدةً وعملاً بكل ما نستطيع من حزم وسرعة، ونعلن في صراحة واضحة: أننا معشر أمم الإسلام بحمد الله مسلمون، لو فعلنا ذلك لارتسمت أمامنا توًّا طريق الهداية والنور، ولجمعتنا كلمة الإسلام، ووحَّدت بيننا وبين إخواننا جميعًا في أقطار الأرض، وفي ذلك وحده- ولا شيء غيره- القوة والمنقذ أمام هذا العدوان الغربي الاستعماري الجارف الذي يهددنا في كل مكان.
وكيف لا وعقيدة المسلم الراسخة في فؤاده، والممزوجة بلحمه ودمه، تصرخ في أعماقه: أنه عبد لله وحده، عليه يتوكل، وإليه يلجأ، ومنه يستمد العزة: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ (المنافقون: من الآية 8)، وهو في كل يومٍ يركع ويسجد لله في خمس صلوات ومن ثمَّ فلا يذل إلا له، ولا ينحني إلا أمامه يقينًا منه أن رزقه وموته وحياته لا يملكها سواه، ومن ثَمَّ ندعو كل مسلمٍ وكل الإخوان إلى تلبية نداء الصلاة، بالإسراع إلى المسجد والصلاة في جماعة، والإخلاص في الدعاء والاستعانة بالله، فمنه وحده نستمد القوة والعون والنصر على الأعداء: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمْ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ (160)﴾ (آل عمران).
المسلم باع نفسه وماله لله:
وكيف لا يكون عزنا في إسلامنا والمسلم قد باع نفسه وماله لله، وبالتالي فهو يجاهد بنفسه وماله لتكون كلمة الله هي العليا، وهو في جهاده لا ينظر إلى مغنمٍ أو جاهٍ، وإنما يبحث عن رضاه، وهو حينما يجاهد فإنما يجاهد لحماية الوطن، وصيانة الأعراض والحفاظ على الأموال.
وحين خرج المسلم فاتحًا أراد أن يخرج الناس من عبودية العباد إلى عبودية رب العباد، ولم يكره أحدًا على ترك عقيدته، ولم يجبر أحدًا على اعتناق الإسلام: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدْ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (256)﴾ (البقرة)، والجهاد فريضة ماضية إلى يوم القيامة، وهو الطريق الواضح لعزنا.
وكيف لا والإسلام الحنيف قد منحه الحرية بأفضل معانيها، ودعاه إلى الاعتزاز بها والمحافظة عليها، ويقول نبيه- صلى الله عليه وسلم-: "مَن أعطى الذلةَ من نفسه طائعًا غير مكرهٍ فليس مني"، ولا تزال كلمة عمر الفاروق- رضي الله عنه- ترن في الأذن حين قال لعامله عمرو بن العاص- رضي الله عنه-: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟!".
وكيف لا وهو يرسي دعائم العدل والمساواة والرحمة في أبهى صورها، وأكمل معانيها، عدل ومساواة ورحمة تعم الإنسانية دون تفرقةٍ بين عربي وأعجمي، أو أبيض وأسود، أو مسلم وغير مسلم، فالكل أمام رحمة الإسلام وعدله ومساواته سواء.
الإسلام قادم بعزِّ عزيزٍ أو بذل ذليل:
وقد وعد الله المجاهدين لنصرةِ الحق، المنافحين عن الإسلام أن يدافع عنهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنْ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (38)﴾ (الحج)، كما وعدهم بالنصر على أعدائهم مهما يكن عدوهم كامل الأهبة، عظيم العدد، مرموق العدة، وعليهم ألا يعبئوا بذلك، وأن يعتمدوا على الله وحده: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الروم: من الآية 47)، والإسلام الدين الحق سوف يظهره الله: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (33)﴾ (التوبة).
والله أكبر ولله الحمد.
-----------
* من علماء الأزهر الشريف