الحمدُ لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد.
فقد انتهى شباب المدارس والجامعات في العالم العربي والإسلامي، أو كاد، من أعباء العام الدراسي، ويستعدون لقضاء إجازةٍ يستروحون فيها من عناء عام من الجهد والعرق والسهر والأرق، وينتظرون هم وأسرهم وأمتهم نهايةً سعيدةً لهذا الجهد بالنجاح والتفوق، ليتأهلون لمرحلةٍ جديدةٍ من مراحل الكفاح والجهاد والصبر والتفوق العلمي يُقدِّمون فيها لدينهم وأوطانهم وأمتهم ما هم أهل له إن شاء الله.
وبين يدي هذه المناسبة أود أن أوجه هذه الرسالة إلى الشباب عمومًا، وإلى شباب الجامعات في الوطن العربي والإسلامي على وجه الخصوص، وأُلخصها في أربع نقاط:
أولاً: عليكم باستكمال عدة الإيمان وقوة العقيدة، من خلال التفاعل مع القرآن الكريم والتأمل في معانيه وقصصه، والتخلق بأخلاقه وآدابه، وفي القرآن الكريم.. ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ (الكهف: من الآية 13)، وكما وصفت أم المؤمنين عائشة- رضي الله عنها- رسولَ الله- صلى الله عليه وسلم- فقالت: "كان خلقه القرآن"، فالمسلم الحق هو مَن اجتهد أن يكون من أهل القرآن الكريم قراءةً وحفظًا، ومدارسةً وتأملاً، وخُلقًا وسلوكًا، وعليكم كذلك بدراسة السنة النبوية الشريفة وحفظ ما استطعتم من أحاديث رسول الله- صلى الله عليه وسلم-، ومراجعة مراحل ودروس السيرة العطرة ودراسة الفقه الإسلامي، الذي لا تصح العبادات والمعاملات إلا به، وعليكم أيضًا أن تتأملوا في أحداث التاريخ الماضي وظهور واندثار الحضارات السابقة؛ لتدركوا أين تقف أمة الإسلام اليوم، وما هو دوركم لاستعادةِ مجدها وعزها من جديد، فانتهزوا فرصة الإجازة الصيفية ونظموا أوقاتكم، واستفيدوا منها أفضل استفادة.
فالإيمان أيها الأحباب هو عُدتنا لتحقيق النصر والريادة، وهو قائدنا لتحرير الأوطان وخدمة الأمة، وهو رائدنا في الدفاع عن حريتنا وإرادتنا، وبالإيمان يتربى المسلم سليم العقيدة صحيح العبادة متين الخلق، وهو ما نحتاجه اليوم أكثر من أي وقتٍ مضى.
ثانيًا: عليكم باستكمال عدة العلم والتعلم، وبذل الجهد الدائم والطاقة المتواصلة لتحصيله والنبوغ فيه، وأن يكون الطموح رائدكم للبحث والدرس، والتحدي شعاركم لمواجهة الظروف والمعوقات، والصبر سلاحكم لتحقيق المعالي والوصول إلى القمة، فالإسلام يستنهض همم أبناء الأمة من أجل تحصيل العلم النافع المفيد من علوم الدين والدنيا، ليس فقط من أجل أمة الإسلام، ولكن أيضًا من أجل سعادة ورفاهية البشرية جمعاء.
يا شباب: أنتم تقرءون في أول آياتٍ نزلت من القرآن الكريم في سورة العلق ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5)﴾، فهل بعد هذا من دليلٍ على عظم الأمانة التي ألقاها الله سبحانه وتعالى على كواهلكم، والتي أدركها السابقون من أجدادنا، فكان فيهم العلماء والفقهاء والخبراء، ومنهم الفارابي والبيروني والحسن بن الهيثم وابن رشد وابن سينا والمقريزي والبخاري ومسلم والترمذي وابن كثير وابن تيمية والعز بن عبد السلام والخوارزمي وابن ماجد والمسعودي وجابر بن حيان وابن خلدون، وغيرهم الكثير والكثير.
إنَّ الأمةَ الإسلامية في حاجة ماسة للخروج من هذا الواقع الأليم، وهذه الظروف القاسية التي تحيط بها، سياسيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا وحضاريًّا، ولا مخرجَ لها إلا بالشباب الناهض الواعي الذي يرفع شأنها، بالإيمان والعلم والعمل والمثابرة والتفاني والإخلاص.
ثالثًا: عليكم بإحياءِ الأمل في نفوسكم، وإزكاء روح التفاؤل في قلوبكم، كي تكون نظرتكم إلى المستقبل أكثر إشراقًا، وثقتكم في الله هي دافعكم إلى الرقي والمعالي، فالمسلم الحق لا ييأس أبدًا، والله عزَّ وجل يقول: ﴿إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الكَافِرُونَ﴾ (يوسف: من الآية 87).
واعلموا- يا شباب- أن هذه الأوضاع الصعبة التي تمرُّ بها الأمة الإسلامية، ليست قدرًا محتومًا لا يمكن الفكاك منه، وليست حقائق راسخة لا تقبل التغيير، بل هي صورة شاذة لا بد من مواجهتها واقتلاعها من جذورها، وواقع غريب لا يجوز الرضا به والاسترخاء في ظله، وهذا هو دوركم يا شباب، وهذه هي مهمتكم الكبرى والأمانة الملقاة على عاتقكم، فكونوا أهلاً لها، واعملوا من أجل نصرةِ دينكم ورفعة أوطانكم وأمتكم.
رابعًا: عليكم بالطموح المتوازن، وارتقاء المعالي وبلوغ الأهداف العليا، وبذل الجهد الخلاق لتحقيق الآمال، والصبر على التحديات والعراقيل، وعدم الرضا بالدنايا والصغائر، ورفض الخنوع واليأس، والمسلم الحق يسعى دائمًا للتميز والنجاح، ويبذل من نفسه وجهده وماله، لخدمةِ دينه وأمته ومجتمعه، ومن الأقوال المأثورة عن شيخ الإسلام ابن تيمية قوله: "لا ينبغي للمسلم أن يبزه غيره في تخصصه"؛ أي لا ينبغي أن يتفوق غيره عليه في مهنته، وكما يقول إمامنا الشهيد حسن البنا- رحمه الله-: "إذا وُجِدَ المسلمُ الصحيحُ وُجِدت معه أسبابُ النجاح جميعًا".
يا شباب: عليكم بالتمسك بالحقوق، والدفاع عن الثوابت، ومواجهة الأباطيل، والصبر على البلاء، والتسلح بالخلق الحسن، والتحلي بالصبر الجميل، والمجاهدة والدأب حتى تتحقق الآمال والأماني والأهداف، وكونوا من دعاةِ الرفق واللين، وانتهجوا الوسطية في حياتكم واختياراتكم ومواقفكم، وعظموا الأخوة في الله، وعيشوا في رياض الحب في الله الذي يجمعنا، وسددوا وقاربوا واجتهدوا قدر استطاعتكم، ولا تختلفوا ما استطعتم فتختلف قلوبكم، ولا تتفرقوا وكونوا عباد الله إخوانًا.
واقرءوا معي قول الإمام البنا: "أيها الشباب: إن الله قد أعزَّكم بالنسبة إليه، والإيمان به، والتنشئة على دينه، وكتب لكم بذلك مرتبة الصدارة من الدنيا ومنزلة الزعامة من العالمين، فآمنوا بأنفسكم وجددوا إيمانكم، وحددوا غاياتكم وأهدافكم، وأول القوة الإيمان، ونتيجة هذا الإيمان الوحدة، وعاقبة الوحدة النصر المؤزر المبين، فآمنوا وتآخوا واعملوا، وترقبوا بعد ذلك النصر".
يا شباب: إنَّ الإخوانَ المسلمين يرقبون الفجر الجديد، الذي يصنعه شباب الأمة المؤمن، وينتظرون النهضة التي هم لها عاملون, والتي تحقق الآمال والطموحات والريادة لهذه الأمة العظيمة، أمة الإسلام، فكونوا عند حسن ظن أمتكم، وكونوا الفجر الذي ينشقُّ عن الليل بعد طول انتظار، ﴿وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾ (محمد: من الآية 35).