د. حامد أنور

 

لم يكن المسلمون يشكلون خطرًا على الإمبراطورية الأمريكية بعد عام 1989م حين سقط الاتحاد السوفيتي، فلم تكن الدول العربية والإسلامية تشكل تكتلاً سياسيًّا أو اقتصاديًّا يهدد مصالح الغرب بل كانوا يتامى على موائد اللئام منهم من يدور في فلك الاتحاد السوفيتي قبل أن ينهار والبعض الآخر يزور البيت الأبيض طلبًا للرضا.

 

وكان النفط يتدفق بكل سهولة بشكل أكثر أمنًا ويسرًا وبسعر أقل من المرحلة الحالية أي أن الادعاء بكون النفط هو السبب، ادعاء كاذب وتدليس متعمد، وكانت الأمور نوعًا ما مستقرة أو بالمعنى الدارج "ماشية" فلماذا اختار الغرب الإسلام عدوًّا له وخرجت التهديدات في الساحة الثقافية الغربية تترا تحذر من العدو الأخضر قد يفسر البعض ذلك بأن الإمبراطورية الأمريكية كانت تبحث عن خطر وعدو حتى تبقى على أهبة الاستعداد حتى لا يتسرب التراخي إلى الإمبراطورية، وتدخل في طور الأفول فيجب البحث دومًا عن عدو تلتف حوله إرادة الأمة ويفجر فيها الطاقات، فانهيار الأمم يحدث عندما تصيبها تخمة القوة، ويظن أهلها أنهم قادرون عليها حينئذ تعمل السنة الكونية الإلهية عملها ﴿أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ﴾ (يونس: من الآية 24).

 

فلو كان هذا التفسير صحيحًا لكان من الأفضل اختيار الصين كعدو مباشر وخطر محدق خاصةً أن كل المؤشرات وقتها كانت تدل على تصاعدها الاقتصادي أنه التنين القادم فما الذي أدى إلى انحراف البوصلة، وجعلها تتجه نحو العالم الإسلامي الرابض في سبات طويل وعميق إلا من بعض المحاولات المضيئة هنا وهناك والذي دفعه هذا التصرف الأمريكي الأهوج إلى الاستيقاظ والعودة إلى الساحة العالمية من جديد، وإذا كان كما يقال إن السادات أخرج المارد من القمقم ولم يستطع إدخاله فإن الإمبراطورية الأمريكية فعلت الأمر نفسه إن لم يكن بصورة أشد ولم تتحول المغامرة الأمريكية إلى فرصة سانحة كما صورها نيكسون بل أصبحت خطر النهاية.

 

إن السبب الرئيسي لهذا الأمر هو التصور العقدي لنهاية العالم فأنصار المسيحية الصهيونية المسيطرة على صناعة القرار الأمريكي ترى نهاية العالم بمعركة كبرى تحدث في الأرض الوسطى مع "جوج وماجوج"-هكذا يكتبونها وينطقونها- أولها رونالد ريجان بالاتحاد السوفيتي، ويتم تأويلها حاليًا بالمسلمين يليها نزول المسيح بن مريم ليحكم العالم ألف سنة، مستدلين في ذلك بنص في رؤيا يوحنا (فعاشوا وملكوا مع المسيح ألف سنة) "رؤيا يوحنا 20-5"، ألم يقل بوش وبلير أن عقيدتهما الدينية كانت وراء الكثير من قراراتهم السياسية، أما العقيدة النصرانية فترى عودة المسيح للعالم مرةً أخرى ليقيم ملكوت السموات والتي تعني مملكة السماء تحكم بشريعة السماء، مستدلين على ذلك بما جاء في إنجيل متى حيث سأله أحد الحواريين (قل لنا متى يكون هذا وما هي علامة مجيئك وانقضاء الدهر) "متى 24-4".

 

فأخبرهم بأنه (تقوم أمة على أمة ومملكة على مملكة ومجاعات وأوبئة وزلازل) "متى 24-8"، وقوله في إنجيل يوحنا (بعد قليل لا تبصرونني ثم بعد قليل أيضًا ترونني) "يوحنا 16-15" كما سيسبق الأمر اضطهاد لأتباعه ومحاكمتهم واعتقالهم، ورغم أن هذا لم يحدث للنصارى في مصر وحدث لأناس آخرين إلا أن مزاعم الاضطهاد تلك يتم ترويجها وتسويقها وهذا سبب القلاقل حاليًا في مصر، وعودة المسيح تلك سيطرت على هذا العقل منذ الأزل فيقول "ول ديورانت": بعد أن مات نيرون وخرب تيطس الملك الروماني هيكل اليهود عدوها النصارى بشائر عودة المسيح ولما هددت الفوضى الإمبراطورية الرومانية في أواخر القرن الثاني ظنوها كذلك بل إن أحد الأساقفة السوريين سار إلى الصحراء لملاقاة المسيح في منتصف الطريق، ولما لم يصدق كل ذلك قاموا بتفسير موعد عودته تفسيرًا جديدًا فقيل في رسالة معزوةٍ إلى برنابا أنه سيعود في ألف عام، وقال بعضهم بعد هلاك اليهود عن آخرهم، وقال آخرون حين لا يبقى من غير اليهود من لم يصل الإنجيل إليه ثم نقل البعض الملكوت من الأرض إلى السماء بعد أن تملك منهم اليأس.

 

كما أن سفر الرؤيا وعودة المسيح- كما يقول ول ديورانت- كانت سلوى النصارى ودعامتها القوية في عصور الاضطهاد والتي خففت من خلالها أحزان أتباعها- "ول ديورانت، قصة الحضارة، المجلد الحادي عشر، قيصر والمسيح".

 

أما في الإسلام فعقيدة نهاية العالم مرتبطة بعلامات الساعة الكبرى والتي سيكون نزول المسيح عيسى بن مريم واحدًا منها حيث سينزل بعد أن يفتح المسلمون القسطنطينية على يد فرسان الجهاد بالتسبيح والتهليل ويعسكرون في دمشق لقتال الدجال فينزل بن مريم في صلاة الفجر، ويقتل المسيح الدجال الذي يتبعه بنو إسرائيل والذي سيسبق ظهوره سنوات ثلاث عجاف تحدث فيها مجاعات في العالم ثم تحدث الحرب الكبرى حيث ينطق الحجر والشجر يا مسلم يا عبد الله ورائي يهودي تعالى فاقتله، ثم على خلاف العقيدة المسيحية الصهيونية يظهر يأجوج ومأجوج بعد ذلك ويستجير المسيح عليه السلام والمسلمون بجبل الطور فيرسل الله عليهم النغف ويعقب ذلك حكم المسيح سبع سنين فقط ينتشر فيها الخير والعدل، إذن هذه هي عقيدة نهاية العالم والتي هو محور الأحداث الموجودة حاليًا في المنطقة والتي شاء البعض أم أبى ستحدد مصير المنطقة؛ ولكن العجيب في الأمر أن الرؤية الإسلامية لنهاية العالم تتفق مع المصادر التوراتية وأن ما يفعله حاخامات الغرب وقساوسته هو نوع من تضليل الأتباع ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ (78)﴾ (البقرة)، فلقد جاء في سفر حزقيال موضحًا ذلك المخلص الدجال الذي تتطلع إليه أعناق بني إسرائيل بأنه سيكون رئيس الكيان الغاصب الذي سيظهر عند نهاية العالم، وعندما يتصاعد فساد بني إسرائيل ثم يخاطبه الرب إنك لست المسيح الحقيقي فاخلع التاج الذي تلبسه "وأنت أيها النجس الشرير رئيس إسرائيل الذي جاء يومه في زمان إثم النهاية انزع العمامة ارفع التاج.. حتى يأتي الذي له الحكم فأعطيه إياه" "حزقيال 21-25"، لاحظ قوله إثم النهاية ولاحظ رئيس إسرائيل، ولم يقل ملك.

 

بل إن رؤيا يوحنا يشير إلى المعركة الكبرى ونتيجتها حيث ستجتمع جيوش الروم وملوكهم مع هذا الدجال الذي صنع المعجزات التي أضل بها أتباع الزيغ والضلال، وكلمة الوحش في النص تشير إلى الإمبراطورية الأمريكية، وكنا قد أوضحنا هذا تفصيلاً في مقال الفاتيكان والتنين فيقول (ورأيت الوحش وملوك الأرض وأجنادهم مجتمعين ليصنعوا حربًا مع الجالس على الفرس وجنده فقبض على الوحش والنبي الكذاب معه الصانع قدامه الآيات التي بها أضل الذين قبلوا سمت الوحش والذين سجدوا لصورته وطرح الاثنان حيين إلى بحيرة النار المتقدة بالكبريت والباقون قتلوا بالسيف الجالس على الفرس الخارج من فمه وجميع الطيور شبعت من لحومهم) "رؤيا يوحنا 19-19".

 

ثم بعد ذلك كما يقول يوحنا تخرج جوج وماجوج كما في المصادر الإسلامية فتنزل نار من السماء من عند الله فتقتلهم وإن كانت الأحاديث قد أشارت إلى هلاكهم بالنغف (ثم متى تمت الألف سنة يحل الشيطان من سجنه... جوج وماجوج ليجمعهم للحرب الذين عددهم مثل رمل البحر فصعدوا على الأرض وأحاطوا بمعسكر القديسين وبالمدينة المحبوبة فنزلت نار من عند الله من السماء وأكلتهم) "رؤيا 20-7"، ثم تقوم بعد ذلك القيامة حيث يقول (ورأيت الأموات كبارًا وصغارًا واقفين أمام الله.. وسلم البحر الأموات الذين فيه وسلم الموت والهاوية الأموات الذين فيهما ودينوا كل بحسب أعماله) "رؤيا 20-12"، والمتابع للسينما الأمريكية يجد أنها قدمت الرؤيا تلك من وجهة نظرها الخاصة في فيلم "ملك الخواتم" بأجزائه الثلاثة.

 

هذه هي قصة نهاية العالم وانتهاء الحياة على الأرض يقول ول ديورانت: إن العالم إذا لم يكن له سبب أو مصير يعرف حقًّا أشبه بسجن العقول، فنحن نتوق إلى الاعتقاد بأن للمسرحية الكبرى منشأً وغاية عادلة يصعب علينا أن نعتقد أن الطبيعة قد كدت وأجهدت نفسها حتى أوجدت الإنسان والعقل والحب والإخلاص لا لشيء إلا لتلقي بها ظهريًّا متى نضجت وكمل نماؤها، العلم يهب الإنسان كل يوم مزيدًا من القدرة، ولكنه ينقص من شأنه على مر الأيام فهو يرقى بآلاته وأدواته ولكن لا يعنى بأهدافه وأغراضه لا يكشف له عن الأصول والقيم والأهداف النهائية ولا يضفي على الحياة والتاريخ معنى أو قيمة. "ول ديورانت، المجلد الحادي عشر". ولكنها ليست مسرحية إنه لم يكن أبدًا عبث يا ديورانت ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ (115) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (116)﴾ (المؤمنون).

 

فنهاية التاريخ يا فوكوياما ليست تعميم النموذج الأمريكي للعالم والسيطرة على شئونه تحت ستار العولمة، والرسالة الكونية أن نهاية التاريخ يا فوكوياما هي انتصار الإسلام.

----------

d.hamedanwar@yahoo.com