الشيخ أكرم كساب

بين الفينة والأخرى أتابع كما يتابع غيري من المقيمين في الخارج بعض البرامج المصرية التي تربطنا بالوطن المصري الذي نحِنُّ إليه شوقًا، ومن هذه البرامج (العاشرة مساءً)، (90 دقيقة)، (الطبعة الأولى)، (الحقيقة)، وغيرها من البرامج.
وفي يوم الأربعاء الماضي (4/6/2008م) فاجأنا مقدم برنامج (90 دقيقة) الإعلامي المعروف (معتز الدمرداش) باستضافته للمفكر(!!) الأستاذ جمال البنا، وللأسف الشديد لم يكن في كلام المفكر (...) جمال البنا شيءٌ جديدٌ، سوى كلام مكرر ومعاد، كتبه وألقاه مرارًا وتكرارًا.
والحق أنني لم أطِق أن أتابع بقية الحوار، خاصةً بعد أن صال وجال بطرح أفكاره الخاطئة، ثم نسب إلى الإمام محمد عبده أنه ظل يغسل دماغه من أوساخ الأزهر عشر سنين، وأضاف إلى ذلك استعاذة معبّرة حين سأله مقدم البرنامج: هل أنت شيخ؟ فقال: أعوذ بالله..!!.
وفوجئت في يوم السبت (7/6/2008) باستضافة الأستاذ معتز للدكتورة (الداعية الإسلامية!!) مَلَكة زرار، ولم أتمالك نفسي أن قلت: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ (البقرة: من الآية 156)، ولم تنتهِ الحلقة حتى وجدتُّني غير نادم على الاسترجاع الذي قلته.
جمال البنا وفكره الشاذ
أما الأستاذ المفكر(!!) جمال البنا فالرجل مع كبر سنه لا يزال يقرأ، وهو قارئ جيّد، لكن ليس كل من قرأ عَلِم، ولا كل قارئ عالم، وكون الأستاذ جمال البنا أخًا للإمام الشهيد حسن البنا، وولدًا للشيخ المحدث أحمد عبد الرحمن البنا (صاحب التصنيفات الحديثية الكثيرة مثل: بدائع المنن في جمع وترتيب مسند الشافعي والسنن، والفتح الرباني في ترتيب مسند الإمام أحمد الشيباني، وبلوغ الأماني من أسرار الفتح الرباني).. كونه كذلك لا يعطيه الصلاحية لأن يقول في الشرع ما شاء.
ولأن الأستاذ المفكر(!!) جمال البنا يكتفي دائمًا بقراءة الكتب فله ولأمثاله قال علماؤنا: لا تأخذ العلم من صحفي، ولا القرآن من مصحفي، ولأنه جعل شيخه الكتاب فقد قيل له ولأمثاله: من كان شيخه كتاب فقد ضلَّ.
وأحسب أن الأستاذ المفكر(!!) جمال البنا لا يبحث إلا عن الشاذِّ من الأقوال، والمرجوح من الآراء، والبعيد من التفسيرات.
وباختصار شديد: فقوله بجواز شرب الدخان (السجائر) في رمضان قول لا يصح، ولا يقول به عالم، ولا طالب علم، وليس كون السجائر لم تكن على عصر النبوة أنه يجوز تناولها في رمضان، والدليل على حرمتها قوله تعالى في الحديث القدسي "كل حسنة يعملها بن آدم تضاعف عشرًا إلى سبعمائة ضعف إلا الصيام فهو لي، وأنا أجزي به، يدع شهوته من أجلي، ويدع طعامه من أجلي" رواه أحمد في المسند، وفي رواية عن ابن خزيمة وابن حبان "ويدع لذته من أجلي" وأحسب أن الدخان لا يخرج عن كونه لذةً أو شهوةً.
وأما نسبة الرجل إلى أمه فمردودٌ بقوله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ (الأحزاب: من الآية 5).
وأما موضوع الرِّدَّة فالنصوص فيها صريحة صحيحة، ولكن حكم الردة يحتاج كغيره من الحدود إلى شروط وضوابط إن توفرت في المرتد أقيم عليه الحد وإلا فلا، وليس هذا مجال الرد.
مَلَكة زرار وردودها العجيبة
وأما الضيفة التي جاءت في يوم السبت (الأستاذة الدكتورة الداعية الإسلامية!!!) ملكة زرار، فأنا أعجب وأتساءل: لماذا (ملكة زرار) يا أستاذ معتز؟ لماذا لم تستضِف شيخًا أزهريًّا أو أستاذةً أزهريةً متخصصةً متمكنةً لتردَّ على الأقل إساءة الأستاذ المفكر(!!) جمال البنا؟!
وأيًّا ما كان الأمر فالدكتورة الفاضلة ملكة زرار لا تصلح للرد لأمور أذكرها:
أولاً: الدكتورة لا تُجيد الاستشهاد بآيات القرآن، ولو كتبت أدلتها لكان أفضل لها، وأكثر احترامًا للقرآن، والذي يتابع الحلقة يرى أنها: استشهدت بخمس آيات أخطأت في أربع منها:
1- ﴿ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ﴾ ونطقت صحيحة لأنها لم تذكر سوى هاتين الكلمتين فقط من الآية، وأحسبها لو أكملت الآية لأخطأت.
2- ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9)﴾ (الحجر) قالت: (.... نزلنا القرآن) فأبدلت لفظ (الذكر) بـ(القرآن).
3- ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلاَّنَا مِنْ الْجِنِّ وَالإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنْ الأَسْفَلِينَ (29)﴾ (فصلت) قالت: (الذين أضلونا) بالجمع لا بالتثنية.
4- ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ (النور: من الآية 31) قالت: (فليضربن بخمرهن)، فأبدلت الواو فاءً.
5- ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنْ الْغَاوِينَ (175) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصْ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (176)﴾ (الأعراف)، فأدخلت الآيتين معًا.
ثانيًا: وفضلاً عن آيات القرآن فالضيفة الفاضلة نادت الأستاذ (جمال البنا) باسم أمه (جمال أم السعد)؛ لأنه يريد ذلك، وهل كونه أجاز ذلك، وهو مخطئٌ لا محالة، يُجيز للدكتورة الفاضلة أن تقرَّه على خطئه؟!
ثالثًا: الدكتورة الفاضلة كانت صورة (..) للداعية؛ مما جعل المقدم الأستاذ معتز الدمرداش يتندَّر تارةً باللفظ، وأخرى بالحركات.
رابعًا: فالدكتورة الفاضلة حين سألها الإعلامي المحترم عن أئمة المساجد، وهل هم من ذوي الاختصاص، أو بمعنى آخر: هل يمكن الرجوع إليهم في المسائل الشرعية؟ وهنا صمتت الدكتورة، وبعد الصمت تبسَّمت، وبعد التبسُّم قالت: هذا موضوع يحتاج إلى حلقة، فلا أدري هل أئمة المساجد لا يصلحون للإفتاء؟ وإن كان هذا في بعضهم لضعفه العلمي؛ فهل الضعف العلمي ملازم للجميع؟ وهنا أيضًا أقول: أين وزارة الأوقاف؟! وأين ردّها؟!
معتز الدمرداش والرسالة الإعلامية
والذي يُثير الدهشة أيضًا هو دور الإعلامي المعروف معتز الدمرداش، والذي يناقض نفسه مرارًا وتكرارًا في حلقاته؛ بل في الحلقة الواحدة.. إن برنامج (90) دقيقة في حدِّ ذاته برنامج جماهيري معروف، ويعرض لكثير من مشاكل الناس، ويطرح أحيانًا حلولاً لها من خلال الضيوف، وعادةً ما يستجيب الجمهور ويتفاعل مع البرنامج، وخصوصًا في الحالات الإنسانية، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه على (المحور) كقناة و(90 دقيقة) كبرنامج ومعتز كمقدم: ما الفائدة التي تعود على جمهور الناس من خلال طرح هذه الآراء الشاذَّة، خصوصًا أنها من غير المختصين؟!
ألا يرى مقدم البرنامج الأستاذ معتز الدمرداش أنه ربما يشارك الأستاذ المفكر (!!) في آرائه، وأنه يُعينه على ترويج أفكاره، والحق سبحانه يقول: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (المائدة: من الآية 2).. أليست هذه الاستضافات تتعارض مع ما تطرحه فقرة (الطريق الصح) مع الداعية الشاب (معتز مسعود)، والذي يتمنَّى الأستاذ معتز الدمرداش أن يسير فيه؟! أم أن الأمر أصبح مجرد (فرقعة) إعلامية، و(ضجَّة) تلفزيونية تشغل أفكار الناس وعقولهم، كما شغلت من قبل برغيف الخبز، وقارورة الدواء، وكسوة البدن، فيزدادوا همًّا إلى همٍّ، وغمًّا إلى غمٍّ.
ألا فليتق الله معدو البرنامج ومقدموه؛ فالله حسيبهم، والناس ناقدة لهم، والزمان شاهد عليهم.
وأخيرًا.. الأزهر
أما الأزهر.. هذه المؤسسة العريقة والجامعة العظيمة، فلا أملك إلا قول: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ (البقرة: من الآية 156)، أين شيخ الأزهر؟ وأين علماء الأزهر؟ وأين سادتنا العلماء والدعاة؟
ألم يقل شوقي:
قم في فم الدنيا وحيِّ الأزهرا وانثر على سمع الزمان الجوهرا
واخشع مليًّا واقض حق أئمة طلعوا به زهرًا وماجوا أبحرا
كانوا أجلّ من الملوك جلالةً وأعزَّ سلطانًا وأفخم مظهرا
هل ذهبت هذه المكانة؟! وإذا لم تكن ذهبت فلماذا السكوت على هذه الخرافات والخزعبلات؟! لماذا سكت الأزهر حتى جيء بالأستاذة الفاضلة لتردَّ على (شطحات) جمال البنا؟!
لماذا لا يكون للأزهر جهاز رصد إعلامي؛ يتابع مثل هذه البرامج ويقوم بالرد عليها، لا أقول كتابةً، بل صوتًا، برنامجًا ببرنامج، ولقاءً بلقاءٍ، حتى لا تتكرر هذه المأساة؟!
أسأل الله أن يُحيي الأزهر من موات، وأن يوقظه من سبات.. اللهم آمين.
--------------
* عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.