هو القيام بواجب الدعوة إلى الله بين الناس بكافة فئاتهم وطوائفهم وأعمارهم؛ وذلك بأشكال عملية مختلفة ومبتكَرة تساير حياة الناس وتناسبها، وتخرج عن دائرة المساجد والمحاضرات والدروس إلى الجانب العملي اليومي في حياة الناس.

 

وليس هذا غريبًا ولا جديدًا على الدعوة إلى الله؛ فقد أسَّس رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم خلفاؤه من بعده أركانَ دولة الإسلام، وساسوا حياة الناس على اسم الله ومنهجه ابتداءً، ولله غايةً وانتهاءً؛ حتى تعلَّم الناس الإسلام سلوكًا وعملاً وحياةً قبل أن يحفظوه نصوصًا وفكرًا؛ لذا عاش المسلمون بالإسلام وللإسلام حركةً وجهدًا وجهادًا حتى سادوا الدنيا.

 

وحديثًا كان للحركة الإسلامية جهودها في تقديم الجانب العملي للإسلام وإخراج صورته من الدائرة النمطية القديمة إلى رحابٍ أوسع شملت الحياة عامة، فكان لها مصانع وشركات تقدِّم للناس سلعًا وخدماتٍ، وهذا في حد ذاته خدمةٌ للمجتمع، إلى جانب ما يصاحب ذلك مما يراه ويلمسه الناس من صدق القول، وأمانة العمل، وحسن الأداء، والذي مردُّه دائمًا هَدْي الإسلام الذي شمل منهجُه حياةَ الناس جميعًا.

 

من فضائل وفوائد العمل مع المجتمع:

1- القيام بواجب تبليغ دعوة الله ورسالته.

2- خلافة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التبليغ "بلغوا عني ولو آية".

3- السعي إلى تحقيق المرتبة الأولى من مراتب العمل، ألا وهي "الفرد المسلم"؛ وذلك ليحقِّق الفرد مواصفات الفرد المسلم؛ حيث إن العمل مع المجتمع بسعته وتنوعه وكثرته يوفِّر للأفراد الفرص والمحكَّات الكثيرة، والتي تُيسِّر التدريب على المهام المختلفة، والتي تكسب الأفراد صفاتٍ لازمةً للفرد المسلم الداعية "نافعًا لغيره، منظَّمًا في شئونه، حريصًا على وقته، مجاهدًا لنفسه...".

 

4- المساعدة في تحقيق البيت المسلم: فليس البيت المسلم القدوة هو البيت الذي يصلي أهلُه ويصومون ويؤدون الفرائض فقط، ولكن هو البيت الذي يشارك أفرادُه جميعًا في الدعوة إلى الله؛ كلٌّ حسب عمره، ونوعه، وقدراته، وقد يؤدي بعض الأطفال دَورًا دعويًّا غايةً في التأثير بمجرَّد سلوكيات بسيطة بفَهْم بسيط يكسوه الصدق؛ لأنه يحمل بركةَ توفيقَ الله لجهد الوالدين في التربية والحركة، أما الزوجات والبنات فلهن في العمل مع المجتمع نصيبٌ وافرٌ يجب ألا يغفلن عنه أو يُمنَعن منه.

 

5- تحقيق المرتبة الثالثة من مراتب العمل، ألا وهي "إرشاد المجتمع بنشر دعوة الخير فيه"، وهذه المرتبة هي الهدف الأساس للعمل مع المجتمع؛ فلا يمكن أن تصل الأمة إلى أستاذية العالم وقيادة البشرية ومجتمعاتُنا ما زالت تحتاج إلى جهود جهيدة كي تصوغ حياتها بهَدْي الإسلام ونور القرآن.

 

6- الثواب العظيم المترتِّب على هذا العمل؛ حيث إن هدفه عموم أفراد المجتمع؛ فثمرته خير وفير من أعمال كل أفراد المجتمع الذين تأثَّروا بجهودنا أو تأسَّوا بسلوكنا أو انتفعوا بأعمالنا، وهو ثوابٌ عظيمٌ قد يمتد بكرم الله إلى يوم القيامة.. نأخذ ثوابهم ولا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا.

 

7- القيام بدورٍ إيجابي لإصلاح أحوال الناس؛ وذلك بتقديم خدمات يحتاجون إليها تُعينهم على تحمُّل أعباء الحياة، وأخرى تفتح أمامهم فرصًا للعمل، أو الارتقاء بمعارفهم وقدراتهم الذاتية.

 

كيفية القيام بالعمل مع المجتمع:

بقدر اتساع المجتمع، وتنوع فئاته واحتياجاته، واختلاف أفكاره واتجاهاته، وتباين المستويات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية بين الريف والحضر ومجتمعات الساحل والمجتمعات القبلية.. بقدر ذلك كله تعدَّدت كيفيات العمل مع المجتمع؛ فلكل مكانٍ ولكل فئةٍ ولكل بيئةٍ ما يناسب من وسائل ومشروعات، ودائمًا يتحقَّق المثل العربي القائل "أهل مكة أدرى بشعابها"؛ فعلى أهل كل مكان أن يجتهدوا في إيجاد الوسائل المناسبة التي تحقِّق أهداف العمل بما يناسب أفراد المجتمع.

 

ملاحظات حول الوسيلة المناسبة للعمل:

1- من الأفضل أن يتم العمل من خلال مؤسسة مُشهَرة لها نشاط محدَّد ومعروف؛ لأن ذلك يعطي الناس الثقة في التعامل معها، وفي نفس الوقت يعطي النشاط أو الخدمة استقرارًا مطلوبًا لاستمرار العمل، وبالتالي فرصة لتنميته وتطويره وزيادة تأثيره في المجتمع.

 

2- من المطلوب أن نستهدف بالعمل كل فئات المجتمع، وكذلك مختلف الأعمار، مع تقدير أولويات الزمان والمكان اتساقًا مع الإمكانات المتاحة؛ فقد نرى في وقتٍ ما أن أولوياتنا يجب أن تتجه إلى فئة اجتماعية أو ثقافية أو عمرية معينة، فلا حرج في ذلك، على أن يكون واضحًا دائمًا أن هدفنا هو تبليغ دعوة الله إلى كل شرائح المجتمع، وعلى أن يكون هناك جدول زمني محدَّد ومَرِنٌ لمرحلة البداية وأهدافها، ثم للمراحل التي تليها ومواصفاتها.

 

3- من المهم والضروري أن نتذكَّر بعض الفئات التي ربما لم تَلْقَ اهتمامًا جيدًا في كثيرٍ من الأماكن، مثل: العمَّال، والمثقفين، والوجهاء.

 

4- يحصر بعضُنا العملَ مع المجتمع في مجال أعمال البِرّ، وليس هذا صحيحًا؛ فأعمال البِرّ جزءٌ من العمل وليست كل العمل مع المجتمع.

 

5- العمل المجتمعي فرصة كبيرة لاستيعاب أغلب أفرادنا، وهي فرصة لتنمية مهاراتهم وقدراتهم، ويمكن للكثير منا أن يساهم بقدر طاقته، أو بقدر المتاح من وقته وجهده، على أن تكون صدارة العمل لمن تتوفَّر فيه مواصفات القدوة، ويكون تنظيم العمل لمن له خبرة به ويحسن قيادته.

 

6- العمل المجتمعي مجال واسع لتوظيف طاقات وإمكانات أهل الخير، والذين ينشدون الإصلاح من أفراد المجتمع؛ فهم يبحثون دائمًا عن طريقٍ للعمل وعمن يأخذ بأيديهم إلى ذلك.

 

ولا بد أن نؤكد أن وجود هؤلاء في إطار نشاطنا هو نجاح كبير للعمل، بل هو من الأهداف الأساسية للعمل.

 

7- لا بد من مشاركة الأخوات في هذا العمل؛ فالمرأة أكثر تأثيرًا بما تملكه من سهولة الوصول إلى عددٍ أكبر من الأفراد، وأيضًا بيُسر التأثير فيهم، وفي ذلك نجاح لما ننشده من نشر دعوة الخير في المجتمع.

 

8- سهولة ويسر الاستفادة من المنشآت القائمة فعلاً لدينا في الاتصال بالمجتمع، مثل: عيادة طبيب، محل بقالة، ورشة، صيدلية، مكتبة... وغيرها، وكيفية الاستفادة من هذه المنشآت متروكٌ للقائمين عليها والمحيطين بهم، وليُعطِ كلٌّ منا دقائق معدودة يفرغها لله ويفكِّر في أفضل الوسائل وأيسر الكيفيات لأداء العمل وتحقيق الهدف.

 

9- من السمات المطلوبة للعمل: دوامُ الابتكار والتجديد؛ فهُما من أسباب تجديد الحيوية واجتذاب أناس آخرين للتعامل مع الأوضاع الجديدة أو الوسائل الجديدة.

 

قيمٌ مطلوبٌ غرسُها في أفراد المجتمع:

1- الإسلام دينٌ لعمارة الدنيا بشمول نواحيها وإصلاح الآخرة.

2- حب الوطن والانتماء إليه.

3- الإيجابية طريق الإصلاح.

4- إيجابية الفرد نواة الإصلاح "لا تحقرن من المعروف شيئًا".

5- الأخذ بالأسباب واجب.

6- العلم.

7- كلُّ عملٍ حلالٍ عبادةٌ.

8- ممتلكات ومكتسبات الوطن هي ممتلكات ومكتسبات كل أفراد الشعب؛ يجب الحفاظ عليها.

9- الوقت هو الحياة.

10- المرأة ذات دَور أساسي في الحياة العامة.

11- خير الناس أنفعهم للناس "لأن يمشي أحدكم مع أخيه في قضاء حاجته أفضل من أن يعتكف في مسجدي هذا شهرين".

12- الحوار البنَّاء وقبول الآخر، "نتعاون فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه".

إلى غير ذلك من قيمٍ يحتاج إليها المجتمع.