ابن فضلان وابن بطوطة، وغيرهما من رحالة المسلمين سافروا إلى بقاع بعيدة عن أوطانهم، وعايشوا أقوامًا متبايني الطباع والأديان والأخلاق، وبناءً على ما شاهدوه جاءت وصفياتهم، فما دونوا إلا بعدما رأوا، وتكررت المشاهد، حتى استقروا وِفقها أحكامهم على شعوب المناطق التي ذهبوا إليها.

 

أهمية التحليل النفسي للغرب من الداخل ترجع للأسباب التالية:

1- إن طبائع الشعوب لا تتبدل سريعًا، وإن الأحداث تبرهن على أن سيكولوجية الأداء الأمريكي إزاء المسلمين لم تتغير بل تطورت إلى الأسوأ، وأن احتلال أفغانستان والعراق، وموقف أمريكا تُجاه فلسطين، وانحيازها الكامل الأعمى للكيان اليهودي، كل هذا وغيره من مواقف العداء الصليبي الأمريكي للعالم الإسلامي ليزيد تأكيدًا على واقعية رؤية "سيد قطب" وشفافية فراسته التحليلية وغورها.

 

2- علو صوت فريق المخدوعين بزيف المدنية الأمريكية، وطنطنتهم بالترويج لكل ما هو أمريكي، والتهويل من قوتها، والعمل على تثبيط الأمة، والتمادي في بث روح الانهزامية بين أفرادها.

 

3- سيادة العولمة إعلاميًّا، مما يعني الذوبان وضياع الهُوِيَّة، وذلك يتجلى في كل الميادين،
ولا سِيّما الثقافية بما فيها اللغة، والفكر، والفنون، مما يعني أن ثوابت الأمة عُرضة للنيل منها، ولقد تجاوز عملاء أمريكا كل الخطوط المحظورة، بينما أممت الحكومات كل منابر الرأي والفكر، ولم يعد في الساحة إلا أبواقهم التي لا تنعق إلا بما لا يسمعه غيرهم.

 

4- الوقوف على حقائق هذه القارة ذات الموارد الاقتصادية وأهلها الفارغين من الأصول الأخلاقية والقيم الحضارية، ولا يعنيهم إلا ذاتهم، ولتذهب البشرية إلى الجحيم.

 

فهي "أمة من غنم" كما سمَّاها أحد كتابهم. وهي وإن كانت في زمن علوها، غيرَ أنه مؤقت لأن أسباب إيجاده واهية عارضة وليست أصيلةً، فما لها من جذور لأنها شجرة خبيثة ستجتث، ولن يكون لها قرار، (ولتراجع سورة القصص).

 

هذا بلاغ ليحذر به النشء وصاعد الأجيال مما يروج له من أفكار، ويسوِّق له زيفًا عن قدرة أمريكا والغرب مقارنةً بما عليه الأمة من تخلف ووهن، ولا يطرح الخريطة كاملةً أبعادُها.

 

فما تسبب في تخلُّف الأمة إلا تآمر الغرب الصليبي عليها، فما برح مستعمرًا هذه الأمة، ولكن عن بُعد يدبر شئونها، وما زالت خيراتها تذهب إليهم في عقر دارهم بأبخس ثمن، وكل هذا عبر من نصّبهم يقودون أمورها.

 

فأمريكا من داخلها عندما نكشف حقائقها عند المفتونين بقوتها وتقدمها، نقرّ بدايةً بأنها أقوى دولة وأنها فريدة في تقدمها التكنولوجي والمادي والعلمي، فنعتبرها (ورشة العالم) ففيها قوة صناعية ضخمة هي الأكبر في العالم، وبها موارد وخامات تقيم إمبراطورية، وبها أراضٍ بكر لم تستثمر مواردها حتى الآن، لكنها مع كل ذلك لم تقدم أي رصيدٍ أخلاقي للإنسانية.

 

وكان صاحب الظلال، يرى رأي العين مصداقية قوله تعالى ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (الأنعام: من الآية 44)، ويعرض رؤية رجل ذهب إلى أمريكا، وعايش أهلها، وسَبَرَ أغوارهم اجتماعيًّا، واقتصاديًّا، وسياسيًّا، وانغلَّ في أعماقهم فأدرك ذوقهم في طعامهم ولباسهم، حتى تذوقهم الفني لما يعرض من لوحاتٍ فنية، وأعمال سينمائية، وغير ذلك، حين رصد طباع القوم، وتمعن في خصائص شخصياتهم فأدرك كُنْهَ هذه الذات بتتبعٍ عميقِ النظرة، لا ينخدع بظاهر الأمور، فكان بحق ذا نظرة عالم الاجتماع الذي يرصد الظواهر، ويسبر أغوارها، ويتتبع أصولها، ويستقصي الظاهرة من كلِّ جوانبها فلا يكتفي بخبر ما يُلقى إليه، أو رأى مناوئ له غرض غير محايد، فجاءت أحكامه مبنيةً وِفق ما عاين وعايش.

 

إن الحضارة ليست قيمتها بما تُقدمه من آلات، ولا فيما سخَّرته من قوى، ولا ما أنتجته الأيدي ولا ما شيَّدته من مبانٍ وطرق وملاهٍ، بل قيمتها فيما اهتدى إليه الإنسان من حقائق عن الكون، ومن صورٍ وقيم للحياة، وما هذَّب في ضمير الإنسانية، وعمل على رقي شعورها، وما نشر من عدل ومساواة، وليس مما يتخم به نفسه حتى يُلقي في البحر من منتج المحاصيل؛ ما يجعله يحافظ على الأسعار التي يستفيد منها هو فقط.

 

فالمجاعات التي تحدث ليست وليدة نقصٍ في الأغذية، بل هي نقص في العدل والمساواة التي يتشدقون بها، فالحرمان ناتج ظلم في توزيع الثروات.

 

(وإنه يبدو أن العبقرية الأمريكية كلها، قد تجمعت وتبلورت في حقل العمل والإنتاج، بحيث لم تبقَ فيها بقيةٌ تنتج شيئًا في حقل القيم الإنسانية الأخرى)، ونقر لها بالتفرد في هذا المجال (ولقد بلغت في ذلك الحقل ما لم تبلغه أمة.. ولكن الإنسان لم يحفظ توازنه أمام الآلة حتى ليكاد هو ذاته يستحيل آلة).

 

نفسية الأمريكي

أما نفسيات الأمريكيين الأوائل، وهم يغادرون أوروبا إلى أمريكا، (فهي مزيج من السخط على الحياة في العالم القديم، والرغبة في التحرر من قيوده وتقاليده).

 

ويرجع تكوين- أمريكا- إلى صنفين الأول: فريق المجرمين واللصوص والقتلة!

والثاني: فريق المغامرين، طلاب الثراء والمتعة، وما أمريكيو اليوم إلا امتداد لهؤلاء.

(والأمريكي بفطرته محارب محب للصراع، وفكرة الحرب والصراع قوية في دمه، بارزة في سلوكه، وهذا هو الذي يتفق مع تاريخه كذلك، فلقد خرجت الأفواج الأولى من أوطانها قاصدةً إلى أمريكا بفكرة الاستعمار والمنافسة والصراع...).

 

وهناك قاتل بعضهم بعضًا، وهم جماعات وأفواج ثم قاتلوا جميعًا سكان البلاد الأصلية (الهنود الحمر) ثم قاتلوا العنصر الأنجلوسكسوني العنصر اللاتيني هناك، وطرده إلى الجنوب من أمريكا الوسطى والجنوبية، ثم حارب المتأمركون أمهم الأولى إنجلترا في حرب التحرير بقيادة (جورج واشنطن) حتى استقلوا عن التاج البريطاني ثم حارب الشمال الجنوب بقيادة (إبراهام لنكولن)، فيما سُمِيّ (تحرير العبيد) ودافعها الحقيقي هو المنافسة الاقتصادية؛ لأن العبيد المجلوبين من أفريقيا لم يتحملوا برد الشمال فهجروه إلى الجنوب مما أخلى الشمال من الأيدي الأفريقية العاملة، واستئثار الجنوب بها فقامت الحرب.

 

النظرة البدائية للأمريكي للأشياء

1- الدين:

إذا كانت الكنيسة مكانًا للعبادة في العالم المسيحي كله فإنها في أمريكا مكان لكل شيء إلا العبادة، ففيها البرامج الفاسدة؛ حيث استخدام أجمل الفتيات لاصطياد الشباب إلى الكنيسة، وحفلات الرقص والغناء بين الجنسين وتهيئة الأجواء للعهر والفجور بين تشجيع وحثٍّ رجال الكهنوت، فمجرد الذهاب إلى الكنيسة هو الهدف.

 

2- البدائية في الجنس:

لا تختلف حياته الجنسية عن حياة القوم البدائيين في مجاهل الغابات، بل لا تختلف في إباحيتها وعهرها وعربدتها عن حياة الحيوانات.

 

يقول سيد قطب: (نعم شاهدت في البلاد التي ليس فيها قيد واحد على الكشف الجسدي والاختلاط الجنسي بكل صوره وأشكاله.. إنما ينتهي إلى سعار مجنون لا يرتوي ولا يهدأ، إلا ريثما يعود إلى الظمأ والاندفاع!).

 

3- البدائية في النظرة إلى الفن:

 الموسيقى المختارة عند الأمريكيين عمومًا هي موسيقى (الجاز) وهي الموسيقى التي ابتدعها الزنوج لإرضاء ميولهم البدائية ورغبتهم في الضجيج من ناحية، ولاستشارة النوازع الحيوانية من ناحيةٍ أخرى.

 

ولا تتم نشوة الأمريكي تمامًا بموسيقى (الجاز) حتى يصاحبها غناء مثلها صارخ غليظ، وكلما علا ضجيج الآلات والأصوات، وطن في الآذان إلى درجةٍ لا تطاق زاد هياج الجمهور، وعلت أصوات الاستحسان وارتفعت الأكف بالتصفيق الحاد المتواصل الذي يكاد يصم الآذان).

 

أما السينما- وهي الفن الوحيد الذي يتقنه الأمريكان، ففي غالبيتها تتجلى بدائية الموضوع، وبدائية الانفعالات، وهي في الغالب أفلام الجريمة البوليسية، وأفلام رعاة البقر).

 

وفي المتاحف- بدائية ظاهرة حيث لا يقف أحد أمام اللوحات المعروضة إلا نادرًا.

وكانت هناك لوحة (ثعلب في بيت الدجاج) وهي رائعة حيث هجم الثعلب على الدجاج فأمسك بدجاجة، والدجاج فزع لا يدري أين المفر، والديك واقف مذهول ينظر إلى الدجاجة بأسى، ولكنه لا حيلةَ له.

 

لوحة رائعة، ولا يلتفت إليها أحد إلا شاب وقف دقيقة أمامها ثم ما لبث أن طار؛ حيث إنهم غالبًا ما يأتون المتحف لملاقاةِ العشيقة لا لزيارة المتحف؛ قصدًا لتسجيل هذه الزيارات في مدونة الثرثرة الاجتماعية وقت المباهاة أمام الأصدقاء.

 

وأيضًا تذوقهم لجمال الطبيعة واستمتاعهم به فهم لا يذهبون إلى الأماكن الرائعة الجمال الطبيعي إلا نادرًا، فغالبًا ما يذهبون إلى الملاهي والمراقص؛ حيث الصخب والصراخ وحُمّي الغريزة.

 

كذلك انبهارهم بالرياضة الخشنة العنيفة- مثل المصارعة الحرة والملاكمة، فهم هواة الدم النازف.

 

4- البدائية في الأذواق والأطعمة:

إن بدائية الذوق لا تتجلى في شيء كما تتجلى في تلك الألوان الصارخة الزاهية، وفي تلك التقاسيم المبرقشة الكبيرة وبخاصة ملابس الرجال: ذلك السبع أو النمر الواثب المرسوم على الصدرية، وذلك الفيل أو الثور الوحشي الجاثم على ظهرها، وتلك الفتاة العارية الممدة على رباط العنق من أعلى إلى أسفل، أو النخلة الصاعدة فيها من أسفل إلى أعلى، والوشم الذي نُقِشَ على أذرع الشبان الأمريكيين وصدورهم وظهورهم موشَّحة بالوشم الأخضر: ثعابين وحيات وفتيات عاريات، وأشجار وغابات.

 

وطعامهم عجيب- فهم يندهشون حين تضع سكرًا في الشاي أو القهوة، فهم يجعلون السكر للمخلل والسلطة. والملح للتفاح والبطيخ.

 

وعلى مائدة الطعام توضع قطعة لحم مملحة إلى كمية ذرة مسلوقة، وكمية من البازلاء المسكرة، وبعض المربى الحلوة، وفوق ذلك كله كلمة (GRAFY) المؤلف أحيانًا من السمن والخل والدقيق ومرقة العجل والتفاح والملح والفلفل والسكر والماء.

 

أمريكا تقدم نفسها للعالم على أنها القمة والقدوة والنموذج والمثال لكل الفضائل والمزايا المادية والأخلاقية والإنسانية، وهي بهذا تخدعه وتخادعه، وتجند أمريكا لدعايتها وتزويرها جيشًا من العملاء في مختلف بلاد العالم وفي مختلف المواقع وبمختلف الإمكانات والتخصصات، وينشط هؤلاء في الدعاية ويخدعون السذج بزخارفهم وتظليلاتهم، إنهم لا يجدون لأنفسهم قيمة ذاتية، فيبالغون في تفخيم أوروبا، وتضخيم أمريكا علّهم يستمدون منها قيمة ذاتية).

 

ثم يقول: (إنني لا أكاد أتصور أن هناك إنسانًا له مشاعر الإنسان يرى الرجل الأبيض يدوس بأقدامه على أعناقنا في كل مكان ثم يجد نفسه قادرًا على تمجيد هذا الرجل أو حتى مصادقته، إنني أشك في آدمية هؤلاء الكتاب والوزراء والأساتذة.

 

إن المتتبع للأحداث العالمية ليرى البون شاسعًا بين ما تمليه الرؤية الإيمانية بأغواره الاستكشافية التي توقن بحتمية زوال دولة قامت على الكفر والبطش، وبين واقع أفرزته قرون من التآمر والخيانات، فأمريكا تعرت تمامًا مما كان يستر عوراتها؛ بعدما تخلت عما كان يميزها عن دول المشرق الجائر حكامها، فكان كثير من أبنائها يلجئون إلى تلك البلاد فرارًا من الظلم وابتغاء الحرية، أما الآن فقد أصبحت أمريكا تعادي أي شيء يمت بصلة للمسلمين، على حين مالت كفتها التي تربعت عليها دولة بني صهيون الغاصبة ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (1)﴾ (المطففين)، وهذا إيذان بقرب زوالها.

 

ولكن الله تعالى يخرج مَن يستخلفهم من بعد زوال هؤلاء المستكبرين ﴿قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنْ اهْتَدَى (135)﴾ (طه).

-----------------------

* دكتوراه في تعليم اللغة العربية لغير العرب