حتى يحلِّق سرب الطيور عاليًا ويطير بعيدًا قاطعًا المسافات، يحتاج كل طائرٍ في هذا السرب أن يضرب الهواء بكلتا جناحيه، أما إذا استخدم الطائر جناحًا واحدًا من جناحيه واعتمد عليه فسيسقط ولن يكمل الطيران والتحليق.

 

وبرغم أن النظرة الأولى توحي أن كل جناح من جناحَي الطائر في اتجاهٍ مختلف، إلا أنهما في الحقيقة متكاملان ومتشابكان، وليسا ضدين أو منفصلين.

 

وغير بعيد عن تلك الصورة سرب الحركة الإسلامية التي تحتاج لكي تحقِّق انتشارًا وعلوًّا وإنجازًا أن يضرب كل فرد من أفراد سربها بكلتا جناحَيه، وألا يعتمد الفرد على جناحٍ واحدٍ دون الآخر واضعًا ثقته فيه وجهده وراءه، غير عابئ أو مقلِّل من دَور الجناح الآخر وأهميته في حفظ التوازن ومساعدة الحركة والدفع للأمام.

 

كل طائرٍ في سرب الحركة الإسلامية لا بد أن يزاوج في الاستخدام بين جناح التجديد وجناح الأصالة؛ فيجب على طائر الحركة الإسلامية أن يرى في جناح الشباب وقوته وحماسته جناحًا يضرب جنبًا إلى جنب بجوار جناح السن والحكمة والخبرة، ويرى في جناح الاعتماد على وسائل العصر المتطورة والتكنولوجيا المتقدِّمة جناحًا يضرب جنبًا إلى جنب بجوار الوسائل التي قامت عليها الدعوة في بدايتها وحقَّقت استمراريتها وحفظت بقاءها، ويعتمد على جناح استخدام لسان المجتمع الحديث من مصطلحات سياسية ومفردات أيديولوجية وأفكار تنظيرية وعلوم تخصصية، كما يعتمد على لسان المحاضن التربوية والمفردات الدعوية والكلمات الإيمانية.

 

يعتمد على جناح الوسائل والأهداف والتخطيط وإجراء الحسابات ورسم الاحتمالات وتخيل السيناريوهات، كما يرفرف بجناح التوكل على الله وحسن الصلة به والاعتماد عليه والركون إليه.

 

جناح يتكلم فيه عن الندوات والأحزاب والمدونات والانتخابات والحريات والقوى الوطنية، وجناح آخر يحلِّق بكلمات قيام الليل والورد القرآني والذكر اليومي والدعاء والتقوى.

 

يعتمد على جناحٍ يشعر فيه بأن هذه الدعوة ملك له وهو ينتمي لها، ولكن على الجناح الآخر لا يفرض وصايةً عليها أو يشعر بأنه الحارس الأمين عليها حتى من بعض أفكار أبنائها.

 

يعتمد على جناح بذل كل الجهد لإقناع الآخرين من أبناء حركته الإسلامية بأفكاره وآرائه واقتراحاته التي يظن فيها النفع لهذه الحركة، ولكن على الجناح الآخر لا يفرض تلك الأفكار فرضًا ولا يسخط ولا يغضب إذا تم الاتفاق على آراء أخرى تخالف فكرته أو اقتراحه.

 

يقوم على جناحٍ ينفتح به على المجتمع ويتفاعل ويتشارك ويختلط معه ويمتزج مع أحلامه وآماله وآلامه، وعلى الجناح الآخر لا يضيع حدوده وضوابطه ولا يغيِّر أخلاقياته وآدابه، ولا يُميِّع خطابه ولا يُذيب فكرته ويحذر على نفسه من سلبيات المجتمع التي قد تصيبه إثر هذه المخالطة.

 

جناح يعتمد فيه على العمل العام بكل تفصيلاته الإعلامية والسياسية والحقوقية والمدنية لإرشاد المجتمع والنهوض به، وعلى الجناح الآخر يؤمن بدور وأثر التربية العميق والبعيد في النفوس فيحرص عليها لنفسه ومجتمعه.

 

جناح يُعلي فيه من مساحة العقل والتفكير والبحث، وجناح آخر يعيد لهذا العقل صوابه فلا يشط ولا يتجاوز ضوابط الشرع ولا يجتهد فيما ليس أهلاً للاجتهاد فيه.

 

جناح يستخدم فيه خطابًا مناسبًا لكل حادثٍ، ولغةً تناسب كل مقامٍ، ومفرداتٍ تتناغم مع المحفل الذي تطلق فيه، وعلى الجناح الآخر لا يكون ذا وجهين، ولا يبرِّر بالغاية الوسيلة، ولا يحقِّق المنفعة حتى لو انتفت الوسيلة مع قيم وضوابط مشروعه وفكرته.

 

على مثل هذا يحلق طائر الحركة الإسلامية الوسطية، ويعلو شأنه في جو الحب والأخوة التي قامت عليها دعوته واستمدت شذاها من روح الإسلام وقيمه.

 

وأخيرًا.. أوجه نداءً إلى جيل الشباب الذي أنتمي إليه، والذي يمثِّل جزءًا من حاضر الحركة الإسلامية، وعما قريب سيكون هو مستقبلها.. نقول لهم:

 

علينا أن نظل دومًا في مراجعةٍ على مسافات دورية حتى لا يضل السعي بعيدًا عن الأهداف أو تجرفنا الأحداث فنكسر المنطلقات.

 

ونداءً إلى شيوخ هذه الدعوة والذين أفنَوا أعمارهم في خدمتها ووقفوا في وجه عواصف المحن حتى تكمل مسيرتها وتنبت شجرتها.. نقول لهم:

 

الشباب هم عماد الحركة، وأمل التغيير والإصلاح، فتفهَّموا اختلاف جيلهم وفكرهم وثقافتهم، وفي حال ذهابهم بعيدًا بحماستهم قوِّموا جناح جموحهم بحكمة سنكم دون كسر أو خلع.

---------

* طبيب وأمين اتحاد الطلاب الحر الأسبق بجامعة القاهرة