لنقف قليلاً عند ذلك العنوان الذي قد يبدو مغلقًا، ولنترك كرم جبر؛ فهو إنسان واضح مفتوح.. ونقف أمام لقبٍ جديدٍ نرى أنه يناسبه في وضعه الحالي وهو "الألفي"، وكان لقبًا لأحد زعماء المماليك واسمه "محمد بك"، ويقال: إنه لُقِّب "بالألفي" لأنه كان على رأس ألف مملوكٍ من أشجع المماليك.
ونحن هنا نصف كرم جبر "بالألفي"؛ لأنه رئيس مجلس إدارة مجلة اسمها "روزاليوسف" لا توزع في الأسبوع أكثر من ألف نسخة، ومن ثَمَّ تُكلِّف الدولة آلاف الجنيهات كل يوم.. لماذا؟ عِلْم ذلك عند الله، ثم الدولة، ثم كرم بك الألفي.
***
وكرم مغرم بإطلاق كلمة "المحظورة" على جماعة الإخوان، فكان يقول "الجماعة المحظورة"، ثم أصبح يستخدم "المحظورة" فقط، أي بلا "جماعة"؛ أي أنه يتعامل مع الصفةِ بلا موصوف، أو كما يقول اللغويون أقام الصفة مقام الموصوف؛ كأن أقول: وكان رأس النفاق يغدر بالمسلمين، ولا أذكر قبلها "عبد الله بن أبي بن سلول".
فكثيرًا ما تقرأ لكرم: علينا أن نتصدى للمحظورة.. خطر المحظورة... المحظورة رائدة الإرهاب.. إلخ.
فالرجل يجد متعةً كبيرةً في تكرار هذه الكلمة التي يكتبها في مجلته الألفية أو يذكرها ويصر عليها في برامج التلفاز، فكأنها أصبحت عضوًا من أعضائه أو جزءًا من جهازه العصبي، ولو استطاع لخَاطَبَ كل واحدٍ من الإخوان بقوله: (الذي تخيلته أنا شعرًا)
فاحترم- يا أيها الرجعيُّ- حظركْ
لا تقل لي:
"إنما الإسلام حلٌ"
إننا نرفض حلَّك
وتذكر: أنت عضو
في كيان وصْفُه "المحظورُ"
و"المنحلُّ"
فالقانونُ قد أوجب حلكْ
هل من المعقولِِِ
أن يَطرحَ محلولٌ
لهذا الشعب حلاًّ؟!
فتعقَّـلْ
لا تُجاوز بالهُراء المرِّ حدًَّكْ
إننا الدولةُ، والجولةُ،
والصولة، والدستورُ،
والقانون، والسلطان، والجاهُ
فراجع في ضلالاتِك عقلكْ
(لنا مصرٌ ومَن أمسى عليها ونبطش حين نبطش قادرينا)
فاحترم- يا أيها الرجعي- حظركْ
ليس ينجيكَ، ولا يحميكَ
أن تتلُو- مع الأسحارِ- وِرْدَكْ
أو تبللَ- من دموع الخوفِ
في المحرابِ- وجهَكْ
وتُصلي وتزكي
وتعيشَ العشقَ في تقواكَ
كي ترفعَ وِزْرَكَ
بعد ما أنْـقَََض- في زعمك- ظهرَكْ
(ولن تنجُو إذا لم تتخذْنَا مثالاً هاديًا تقوى ودينا)
***
ولكني لم أجد في كرم الألفي- هو ورجله الثاني عبد الله كمال- إلا "رجلاً أبيض" عاجزًا عن الإبانة والتعبير عن رؤيته؛ فهو بلا أرضية أو خلفية ثقافية أو سياسية، وقلمه كلسانه فيما يكتب بصحيفته، أو ينطق تلفازيًّا محكوم بالعجز، مع أنه يقرأ في برامج التلفاز من ورقٍ مكتوب.
***
وإذا سألت كرم الألفي هذا عن مصدر الحكم على جماعة الإخوان بالحظر جاءك جوابه "هي محظورة بحكم القانون؛ أي محظورة قانونًا"، ونسأله: أي قانون يا ألفي؟! فيكون الجواب "قانون الدولة"، فنسأله ما قانون الدولة.. يا كرم جبر يا ألفي؟.
... أي... إي...
وأقول يا ألفي: إننا نعيش في دولةٍ بلا قانون؛ فالحاكم هو القانون وهو الدستور، وهو النظام وهو الحزب، وهو الدولة، وأعتقد أنك بحاجةٍ أن تعرف المفهوم الصحيح الواقعي "للحظر".
***
الحظر- لغةً- هو المنع والحَجْر، كما ذكرنا، ودون أن ننفصل عن هذا التعريف, وفي ضوئه أرى من الضروري- في هذا السياق- أن نُلقيَ نظرةً على واقعنا السياسي والحزبي في العهد المباركي:
1- فهناك أحزاب وُلدت "محظورةً بطبيعتها, وحظرها حظر ذاتي إرادي, فهي أحزاب "مُجمَّدة" أو مُعلَّبة؛ لأنها لا تملك من "القدرة" والقوة الشعبية ما يمكنها من التحرك والتأثير، والناس لا يعرفون إلا اسم رئيس الحزب, وأعضاء مجلس إدارته هم جمهوره وأنصاره, ولا يعرفهم الناس, ولا يعرفون عنهم شيئًا, وما سمحت الحكومة بقيام عددٍ من هذا "النوع" "الجامد أو المُجمَّد أو المُعلَّب" إلا ذرًّا للرماد في العيون, وهي تدَّعي بأننا "دولة ديمقراطية" بدليل وجود هذا العدد الكبير من الأحزاب عندنا.
2- وهناك أحزاب محظورة حظرًا جزئيًّا؛ فهي مشروعة ولكنها لا تملك من حرية الحركة إلا ما تسمح به الحكومة, وشبيه بذلك حالة حزب "العمل" الذي "جُمِّد" نشاطه مع أنه نشأ مشروعًا في الأصل.
***
والذين يحكمون بالحظر أو الإباحة في مجال الأحزاب يعتمدون على الظاهر المشهور من التحرك والنشاط والإجازة القانونية، ويغفلون أهم قواعد الثبات والبقاء والتفوق الحزبي، وأعني بها القاعدة النفسية, أي مكان أو مكانة هذا "التنظيم الحزبي" قادةً ومبادئ وخططًا في نفوس أعضائه بخاصة, ونفوس الشعب بعامة؛ لأن الحظر أو الإجازة لا يكونان بقرارٍ حكومي سلطوي, ولكن بقرارٍ شعبي عملي يصدر بلسان الحال لا لسان "المقال", ويتمثَّل في ثُلاثيةِ: الحب والاعتناق والالتفاف؛ أي حب الأعضاء للحزب، وإخلاص الود والوفاء له, واعتناق مبادئه والإيمان بها إيمانًا عميقًا, والالتفاف بمعنى حماية الحزب, والتضحية في سبيله بالنفس والولد والمال.
ولننظر إلى الحزب الوطني, وترجمته تتمثل مفرداتها فيما يأتي:
1- إمكانات ضخمة من المال والمباني والحراسات وأمن السلطة.
2- أغلبية مدَّعاة قالوا إنها لا تقل عن ثمانين في المائة, وأنها لن تقل عن ذلك في المستقبل, وكل مستقبل, بل ستزيد زيادات مطردة, بذلك صرَّح الشاذلي ذات يومٍ لصحفي بـ(العربي الناصري)، وأقول "قلبك أبيض يا شاذلي؛ فالغيب لا يعلمه إلا الله".
3- براعة فائقة في فنون تزوير الانتخابات والإرادات, والتأمين "الأمني" المكثف.
4- تقديم أهل الولاء الحزبي على أصحاب الخبرات والولاء الوطني, بصرف النظر عن مصلحة الشعب, وخصوصًا الطبقات الدنيا.
5- الوعود البرَّاقة التي لم يتحقَّق منها شيء, بل تحقَّق بها نقيض المنشود، مثل: الوعد، بل الوعود برفع المعاناة عن المواطنين, والقضاء على البطالة, والارتفاع بمستوى التعليم والثقافة... إلخ.
وبعد كل أولئك من حقي أن أقول: إن هذا الحزب الوطني هو "المحظور" الأول في كل الأحزاب؛ فهو "المكروه" الأول, وهو "المعزول" الأول؛ فليس له "قاعدة نفسية" في نفوس الشعب, بل بنى كبارُهم بينهم وبين قلوب شعبنا المطحون حائطًا خرسانيًّا سميكًا متينًا؛ فإذا سمع أحد المواطنين اسم "الحزب الوطني" قفزت إلى خاطره كلمات النفعية والادعاء والتزوير والبهرجة و"العض" على الكراسي بأسنان أقوى من حديد "أحمد عز"!.
***
ومن استقراء "إفرازات" كرم في صحيفته الساقطة الخاسرة ومن يسير على دربه من أعضاء "مدرسة المستنقع الصحفية".. هؤلاء الذيـن يصـرون على وصف الجـماعة بـ"المحظورة" يكونون مدفوعين بمشاعر متعددة؛ أهمها:
1- الحرص على إرضاء الأسياد من الحكام والقادة؛ وصولاً لأرقى المناصب، وأكثرها دَرًّا وكسوبًا ومغانم.
2- الشعور النرجسي الحاد، وتضخيم الذات على حساب الحق والقيم والحقيقة.
3- الاعتقاد الغالط بأن مثل هذه "الإفرازات" الخسيسة تشوِّه وجه الجماعة، وتقودها إلى الانهيار.
وشكرًا لك يا كرم.. يا رئيس مجلس إدارة صحيفة لا توزِّع أسبوعيًّا أكثر من ألف نسخة.. شكرًا لك، ولمَن يسير على دربك؛ فقد ذكرتموني- من حيث لا تقصدون- ببيتٍ من الشعر توافق مع حالتكم، ويتلبس بها, وهو قول الشاعر:
كناطح صخرةٍ يومًا ليوهنها فلم يضرها وأوهى قرنه الوَعِلُ
-----------