تُثار الآن مناقشات مستفيضة حول تعديل قانون الطفل الصادر عام 1969م ومدى موافقة هذه التعديلات لما هو مستقر وثابت في أعراف الأمة وأصولها وثوابتها، وهل هذه التعديلات جاءت استجابةً لتوصيات المؤتمرات الدولية الخاصة بالطفل والتي تتبنَّاها هيئة الأمم المتحدة.

 

وقد عُرِضَت هذه التعديلات على مجلس الشورى المصري على مدى جلستين متتاليتين في هذا الشهر، وكان أهم الموضوعات التي دار عليها نقاش الأعضاء:

1- حق الطفل في الحماية من الاتجار به ومن التحرُّش أو الاستغلال الجنسي أو التجاري أو الاقتصادي؛ وذلك بتوعية الطفل وتمكينه من مجابهة هذه المخاطر، وهذا جيد ومطلوب.

 

2- عدم جواز توثيق عقد الزواج لمَن لم يبلغ من الجنسين ثماني عشرة سنة ميلادية كاملة.

 

3- عدم الحكم بالإعدام أو السجن المشدَّد على أي متهمٍ لم تتجاوز سنه الثامنة عشرة.

 

4- وقد اعترض بعض النواب على تحديد سنِّ الزواج بثماني عشرة سنة، وأن ذلك قد يؤدي إلى مخاطر وإلى الوقوع في المحظور بما لا يتماشى مع قيم ومبادئ الأمة، ويفضي إلى جريمة الزنا عند البعض؛ الأمر الذي كان يلزم المشرِّع التحفُّظ عليه بغير انسياقٍ إلى توصياتٍ من جهات أخرى، وخاصةً المؤتمرات الدولية التي ترعاها وتلزم بها هيئة الأمم المتحدة، ويضاف إلى بشاعة هذا التحديد (سن 18 سنة)، يضاف إلى ذلك ما يتجه إليه مشروع التعديلات المطروح من إلغاء الختان وتجريم فعله وفاعله بعقوباتٍ تصل إلى الحبس والغرامة الكبيرة.

 

وتناولت التعديلات المطروحة معاقبة ولي الأمر الذي يؤذي طفله أذًى بدنيًّا أو يوجه أي نوع من الإهانة، وإعطاء الطفل الحق في إبلاغ السلطات المختصة عن تجاوز الأب الحقَّ في التأديب، وأنه سينفتح الخط الساخن (رقم الهاتف) لاتصال الطفل المُعرَّض لذلك بالجهة الرسمية (وهي المجلس القومي لرعاية الطفولة) الذي يتولَّى التدخلَ بناءً على الشكوى في الوقت المناسب.

 

الأصول العامة لهذه التعديلات وغيرها

1- لا جدالَ في أن كثيرًا من التعديلات التي يتم إدخالها على قانون الطفل في أغلب البلاد العربية والإسلامية هي صادرة من هيئة الأمم المتحدة، وأن توصياتها ملزمة لهذه البلاد من حيث المبدأ، أما آلية التنفيذ فإنها تعتمد على ما تصدِّره الدول من تشريعاتٍ تخلق حقوقًا للأشخاص المخاطبين بأحكام قانونها الوطني.

 

2- ومن المعلوم أن هذه الهيئة الدولية قد صادرت أداة طبيعية في يد البعض من مبشِّري النظام العالمي الجديد الذي يركِّز على قيم الغرب وأفكاره ومناهجه، وأصبحت- في زعمهم- الحلقة الأخيرة من حلقات التاريخ البشري، وأن الأنظمة السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية غير الغربية ما عليها إلا الامتثال لهذه المناهج الغربية، وفي ضوء هذا تولَّد (صراع الحضارات) أي صراع الغرب الديمقراطي ضد الإسلام الذي يُمثِّل الخطر الأساسي على النظام العالمي؛ وذلك وَفْق ما يتضح من كتابات (فرانسيس فوكاياما) في (نهاية التاريخ البشري) و(صموئيل هينتجتون) في كتابه (صراع الحضارات).

 

كما أن هناك أعداء الإنجاب والسكان وأنصار الأنثويات قد اتفقت مصالحهم جميعًا فركبوا الجواد الرابح، وهو استثمار قضايا المرأة، فأصدروا دينًا جديدًا ليكون مرجعيةً كونيةً قانونيةً مع الادعاء بأن هذه المرجعية القانونية تمثِّل مشتركًا إنسانيًّا، بينما هو في حقيقة الأمر لا يعكس إلا تصورات ثقافية واحدة، وهي الثقافة الغربية والتي فتحت الباب- بما فيها من صراعية وفردية ونفعية وعبثية وحرية.. إلخ- على مصراعيه للإباحة الجنسية الهائلة، والتي قطع فيها الغرب شوطاً طويلاً، ويعاني الآن من تداعياتها.

 

والذي نشهده الآن- وللأسف- هي محاولاتٌ لعولمة هذه الإباحية وتقنينها؛ وذلك عبر مؤتمرات دولية بات الهدف منها واضحًا؛ هو نسج شبكة من القوانين الملزمة دوليًّا لعولمة وتقنين القيم والسلوكيات الغربية، وخاصةً فيما يتعلَّق بالأسرة في صور اتفاقيات دولية.

 

وإذا كانت المرأة هي السهم الذي يُصوَّب لاختراق المجتمعات، فإن الطفل هو رأس هذا السهم، مع ملاحظة أن نفس الأجندة النسوية المطروحة في اتفاقيات المرأة هي ذاتها في اتفاقيات الطفل؛ وذلك لتغلغل الأنثويات في كافة الأجهزة والوكالات الدولية التابعة للأمم المتحدة لمراقبة الدول في تطبيق هذه الاتفاقيات.

 

المبادئ العامة الحاكمة بهذه الاتفاقيات

1- سريان أحكام الاتفاقية على كل إنسان لم يبلغ (18) سنة، أي أنها اعتبرت أن سن الطفولة يمتد حتى يصل إلى الثامنة عشرة.

 

ويلاحظ أنه حدَّد سن الطفولة عن طريق السن، ولم يلتفت إلى أية علامة من علامات البلوغ الأخرى، ومعلوم أن منظمة (اليونيسيف) والمنظمات الدولية الرئيسية الأخرى العاملة في مجال الطفولة تستخدم سن (18) سنة باعتباره العمر الذي ينتهي عملها عنده.

 

أما عندنا في الإسلام فإن الطفل هو ذلك الكائن الذي ينتج من عملية الإخصاب، وتمتد حياته إلى البلوغ المعتاد بالعلامات الطبيعية المعروفة أو استكمال خمس عشرة سنة عند عدم وجود هذه العلامات وَفْقًا للرأي الراجح.

 

وعلى ذلك فإن الطفل قبل ذلك غير مطالب بالأحكام طلبًا جازمًا، أو معاقبته العقوبة الكاملة على أفعاله وتصرفاته، فإذا مرَّت هذه المرحلة أو الفترة صار الإنسان مُكلَّفًا؛ حيث لم يعد طفلاً، أي مطالبته بكل الشعائر والأوامر والنواهي، ومُعرَّضًا لكل عقوبة تترتب على خطئه وعمده.

 

2- والمبدأ الثاني هو التساوي التام بين الذكر والأنثى:

وعدم التمييز هنا يعني أي نوع من المعاملة المميزة أو التفضيلية أو التقييد أو الإقصاء تحت أي مسمى من المسميات؛ في مادة 2 من اتفاقية الطفل، في حين أن ديباجة الاتفاقية تسمح بتمييز بعض الفئات كتقديم المزيد من الدعم للبنات والفتيات عند وجود فجوة بين الأولاد والبنات.

 

وتعقيبًا على هذا المبدأ فإنه ليست كل تفرقة ظلمًا، بل العدل كل العدل يكون في التفرقة بين المختلفين، كما أن الظلم كل الظلم في المساواة بين المختلفين والتفرقة بين المتماثلين، والمساواة ليست بعدلٍ إذا قضت بمساواة الناس في الحقوق على تفاوت واجباتهم وكفاياتهم وأعمالهم، وليس من العدل والإنصاف أو المصلحة أن يتساوى الرجال والنساء في جميع الاعتبارات مع التفاوت في الخصائص التي تناط بها الحقوق والواجبات.

 

ونسأل.. هل هذه المساواة المطلوبة في صالح الطفل؟!.. تشير كثير من الدراسات إلى أن هذه المساواة لا تتفق مع طبيعة الأنثى (امرأة وطفلة) وتكوينها.

 

3- المبدأ الثالث: (تبنِّي المدخل القانوني للاتفاقيات):

وقد تضمَّنت الاتفاقيات نصوصًا تحدِّد مضامين كل الحقوق والمعايير والاشتراطات التي تضمن كفالتها، سواءٌ من قِبل الوالدين أو من قِبل الدولة، أو بعبارة أخرى سواءٌ من المسئوليات أو الواجبات التي يتعيَّن على الطفل التعهد بها مقابل تمتعه بتلك الحقوق.

 

ونورد هنا بعض مخاطر هذا المدخل القانوني كما فنَّده الدارسون المتخصصون:

1- (حق الطفل في حرية الفكر والوجدان والدين): وهذا يتعارض مع شريعة الإسلام التي تحكم بإثبات دين الطفل تبعًا لدين أبويه، ومن هنا نقول: إن الحق هنا أريد به باطل، أي إن المدخل الحقوقي هذا سيكون خطيرَ الشأن في تهديد كثير من المجتمعات.

 

2- وحينما نعطي الفتاة حقَّها في جسدها كأحد حقوقها الإنجابية باعتبار أن جسدها ملك لها، وبالتالي حقها في منحه لمن تشاء، كذلك حقها في ثمرة هذه العلاقات؛ كأن تقرِّر استكمال الحمل أو إجهاضه في الحصول على موانع الحمل.

 

3- ومن الحقوق التي يعي الأطفال استحقاقهم لها ويطالبون بها طالما أنها ضمن اتفاقية حقوق الطفل.. أنه يصير لزامًا على الدولة أو المجتمع أن تشمل خدماتها الصحية على خدمات منع الحمل، أو ما تسمى تنظيم الأسرة ولا تقصرها على المتزوجات فقط، وإنما هي حق للأطفال حتى (18) سنة، بموجب الاتفاقية، وأيًّا كانت حالتهم الزوجية، بل على العكس يفترض ألا يكونوا متزوجين؛ لأن الزواج تحت هذه السن يُعدُّ زواجًا مبكّرًا تدعو الاتفاقية إلى تجريمه، كما في القانون الذي نحن بصدد مناقشته الذي فرغ منه مجلس الشورى تمهيدًا لعرضه على مجلس الشعب لإصداره في هيئة قانون ملزم يحدِّد سن الزواج بما لا يقل عن (18) سنة، وغير ذلك من المواد المرفوضة شرعيًّا.

 

فهل لنا أن نقول إنه حرام الزواج الشرعي تحت سن (18) سنة حلال في نفس الوقت إتاحة (الجنس الآمن) لها بتوفير موانع الحمل؟!!

 

كيف ذلك بالله عليكم؟! في منطق القانون الدولي للطفل والذي يلزمنا تطبيقه رضينا أم أبينا؟! ماذا يراد لنا وبنا؟! أليس ما يتم عالميًّا هو تصدير الانحرافات الخلقية ليكون الجميع "في الهوا سوا"؟!.. وعاشت الرذائل وعاشت العولمة!!

ولا حول ولا قوة إلا بالله