تَمرُّ هذه الأيام ستةُ عقودٍ "ستون عامًا"، على كبرى النكبات في العالم العربي والإسلامي، وهي زرع الكيان الصهيوني غصبًا في أرض فلسطين الحبيبة، مرَّت هذه العقودُ على مرحلتين، في الثلاثة عقود الأولى (1948- 1978) عاشت الشعوب العربية، وسايرَها في ذلك قادتُها، عاشوا في رفضٍ كاملٍ لهذا الكيان المعتدي، وإصرارٍ على استرداد الحقوق، ونظرةٍ لليهود الصهاينة على أنهم العدوُّ الذي لا مُقامَ له بينهم مهما طال الوقت، وعبَّرت عن ذلك مشاعرهم وكتاباتهم وقصائدهم وأقاصيصهم وأهازيجهم وهتافاتهم ومؤتمراتهم، ومنها مؤتمر القمة العربية في الخرطوم، والذي تلخَّصت قراراتُه في اللاءات الثلاث الشهيرة، لا للاعتراف، لا للتفاوض، لا للصلح.
وفي المرحلة الثانية، وهي الثلاثة عقود الأخيرة، بدأ مسار الانكسار من قادة العرب نحو طريق المهادنة والصلح والاعتراف، يزيدون بذلك على "بلفور" الإنجليزي، الذي أعطى وعدَ من لا يملك لمن لا يستحق، فهؤلاء يتنازلون عن أرض من لا يملك لمن لا يستحق..!، وكلُّ هذا مغلفٌ بدعاوى التطبيع والسلام.
بدأ هذا المسار من دول قليلة على استحياء، بتمهيدٍ وتهيئةٍ وتبريرٍ، ثم اتسع هذا المسار، فشمل كلَّ الدول، دون حياءٍ أو استحياءٍ، ودون تبريرٍ أو تمهيدٍ، حتى إننا نجد الآن التهاني تصل لليهود على ذكرى إقامة هذا الكيان.
ولكنَّ الشعوبَ في هذه المرحلة الثانية لم تتبع القادة في هذا المسار، إلا قليلاً من البطانة السياسية والإعلامية، وأصحاب المصالح، ثم الجزء اليسير من المخدوعين بأن اليهود نسوا نقض العهود، ونسوا طبيعة الإفساد، وجاءوا للعيش في سلامٍ بيننا!!، وأنهم سيقنعون بما غصبوا دون استكمال ما يطمعون فيه من مقدرات الأمة كلها.
وركَّز اليهود طوال العقود الستة على أمرٍ أساسيٍّ بالنسبة لهم، وهو إبعاد الإسلام عن القضية، ولو على حساب إحياء روابطَ أخرى قومية واشتراكية وثورية وعلمانية وعولمية وشرق أوسطية وبحرمتوسطية وغيرها، والمقصود هنا إبعاد الإسلام الصحيح المعتدل، الذي يُذكِّر الناس بأن المسلم أخو المسلم، وأن من مات دون حقه فهو شهيد، وأن الأقصى من المقدسات، وأن دائرة واجب الدفاع عن حرمات المسلمين تلزم من وقع الاعتداء عليهم، ثم تتسع لتلزم من حولهم تدريجيًّا، حتى تُستردَّ الحقوق السليبة، وقد عبَّر عن ذلك أركان النظام الصهيوني منذ بداياته على لسان أول رئيس وزراء لهم "بن جوريون"، حيث قال: "نحن لا نخشى خطرًا في المنطقة سوى الإسلام"، وما قاله رئيس وزراء آخر لهم " شيمون بيريز": "إنه لا يمكن أن يتحقق السلام في المنطقة ما دام الإسلام شاهرًا سيفه، ولن نطمئِنَّ على مستقبلنا حتَّى يغمد الإسلام سيفه إلى الأبد"!.
كما ركَّز الصهاينة على أساليبهم الخمسة المعروفة في حربهم للإسلام مهما اختلفت الوسائل، وهذه الوسائل هي إضعاف الإيمان بالتشكيك والشبهات، وإفساد الأخلاق بالإثارة والشهوات، وإضعاف الصف بالوقيعة والخلافات، والتعاون مع المنافقين في الداخل، والتعاون مع المشركين في الخارج.
وأظن أن ذاكرةَ القارئ سوف تسعفه بما شاء من أمثلةٍ تطبيقيةٍ لهذه الوسائل على مرِّ التاريخ، منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وإلى الآن.
ولكن مع كل هذا، ومع كلِّ ما ارتكبوا من فظائع، وحققوا من مطامع، وصوبوا من مدافع، وزيفوا من مزاعم، مع كل هذا، ما زالوا غير مستقرين غير آمنين؛ لأن الشعوب مُصرَّةٌ على عدم الاعتراف بكيانهم الغاصب، فالحقوق لا تضيع بالتقادم، ولا بد أن يأتي يوم ينصر الله فيه أهل الحق، وكثيرون بفضل الله يقولون: حتى لو متنا قبل استرداد حقنا، نقابل ربَّنا ولم نفرط ولو بنياتنا في حقٍّ أصيلٍ من حقوق الأمة العربية والإسلامية، وإن غدًا لناظره قريب.