الصورة غير متاحة

د. حامد أنور

 

في عام 1795م ثار الفلاحون في إحدى قرى بلبيس على ظلم المماليك وفرض الضرائب الظالمة عليهم وزيادة الأعباء المعيشية التي أثقلت كاهلهم فلم يجدوا ملجأً بعد الله إلا علماء الأزهر الأجلاء فلجأوا إليهم، لم يقل لهم أولئك العلماء الأفاضل إن المماليك يحكمون بالحق الإلهي فعليكم بالسمع والطاعة المطلقة لسببٍ بسيطٍ أن هذا ليس من الإسلام في شيء، ولم يفعلوا كما كان يفعل باباوات الكنيسة الكاثوليكية في أوروبا ويقومون بتهدئة الجماهير والسيطرة عليهم، بل انتفضوا لغضبهم وتبنوا حقوقهم فثار الشيخ الشرقاوي، وانضم له شيوخ الأزهر ووجهوا إنذارًا للمماليك ودعوا الناس إلى ما يشبه الإضراب حاليًا فأغلقوا الجامع الأزهر والمتاجر، ولما لم يحصلوا على جوابٍ شافٍ من أيوب بك مندوب مراد بك هددوا بالخروج في مظاهراتٍ إلى الساحات والميادين، ويعلنون خلع الطاعة والاستجابة إلى أحكام الشريعة.

 

هنالك رضخ الآخرون وتقابل الوالي العثماني في مصر بعد فشل المماليك مع الشيوخ الذين كتب التاريخ أسماءهم بحروف من نور.. الشيخ عمر مكرم، والشيخ الشرقاوي، والشيخ الأمير، وكتبت حجة 1795م والتي قضت بأن يدين الأمراء بأحكام المحاكم في قضايا الحقوق، وألا تفرض ضرائب على الرعية إلا حسب الأحكام الشرعية.

 

فلا بد أن يكون القضاء مستقلاً، ويجب على الحكومة أن تكون هي المثل للمواطن في احترام أحكام القضاء كنتُ أسألُ نفسي يومًا عن سرِّ السعادة وحالة الانتعاش التي يشعر بها المواطن حين يكسر إشارة المرور، وكنت أفكر لماذا نظر بعض أفراد الشعب إلى عزت حنفي المتهم في أحداث النخيلة على أنه بطل شعبي؟!

 

السبب أن الحكومةَ لم تعطِ القضاء استقلاليته، ولم تحترم أحكامه، فشعر المواطن أن هذا القانون إنما يهدف إلى تكبيله وظلمه، وأنه لا يُطبَّق إلا عليه، إن المواطن الأوروبي يرى أن القانون يجلب له حقه؛ فلو أن سيدة "تكعبلت" في بلاطة رصيف تحصل على تعويض؛ لذلك احترم قانونه الوضعي،  وجد أن القانون يُطبَّق على الجميع حتى على كبار المسئولين في الدولة، فقبل أن يخضع له.

 

ولكن نبي الإسلام كان أسبق منهم حين قال: "والله لو أن فاطمةَ بنت محمد سرقت لقطعت يدها".

 

نعود إلى تلك الوثيقة الإصلاحية التي خرج بها علماء الأزهر الأجلاء.. يُعلِّق عليها الكاتب الكبير الراحل عباس محمود العقاد قائلاً: لو أنها كُتبت في أي دولةٍ من الدول الأوروبية لخرج علينا كُتَّاب السياسة الحديثة بكلماتٍ من نوعية حقوق الشعب أو الدستور الأكبر أو "الماجنا كارتا" وما إلى ذلك من مصطلحاتهم التاريخية، ولكن أولئك العلماء لم يأتوا بعهدٍ جديد إلا بتذكير أولئك الأمراء بعهد الله وهدى رسوله الذي نسوه، والله لقد أصاب العقاد كبد الحقيقة.

 

ثم بعد ذلك قام الأزهر بالعبء الأكبر في التصدي للغزوة الصليبية التي جاء بها المحتلون الفرنسيون إلينا، وأدرك نابليون أن الأزهر هو عقل مصر فقام بضرب هذا العقل، ولكنه فشل وتم إجبار فارس أوروبا بعد ذلك على مغادرة مصر في زي امرأة، ولكن علماء الأزهر بعدما رأوا من تقدم الفرنسيين التقني وصنيع علمائهم في العلوم الفيزيائية والكيميائية قرروا أن يستمروا في حركتهم الإصلاحية التي بدءوها واختاروا محمد علي واليًا على مصر، ووضعوا وثيقةً إصلاحيةً أخرى تحتوي على أسس تنصيب الحاكم وعزله، ألم يعزلوا خورشيد باشا، وأتوا بمحمد علي ولكنه بعد ذلك حرم المصريين من هذا الحق، وقضت بريطانيا أن يكون الحكم وراثيًّا في أسرة محمد علي.

 

"فقد غدر محمد علي بالأزهر الذي جاء به بل فعل به ما عجز عنه نابليون بونابرت، وزرع الفتنة بين علماء الأمة وقرَّب بعضهم، وأبعد الذين لا يرضى عنهم، وقام- كما يقول لوتسكي- بضم الأوقاف إليه وأخذت الدولة على عاتقها الإنفاق على علماء الدين والمساجد" (لوتسكي تاريخ الأقطار العربية صفحة 64).

 

ومن المعروف أن مَن يدفع يملك أن يختار اللحن، ويملك أن يختار الفتوى أيضًا، وأصبحت كل أراضي الدولة تحت قدمي محمد، وأصبحت مصر عزبة محمد علي وقضى على طبقة المماليك بالمجزرة الشهيرة ثم قام بتوزيع أراضي الدولة على عائلته وأصدقائه لينشئ طبقةً جديدةً تكون داعمةً لحكمه، وكانت سببًا رئيسًا في مجيء الاحتلال الإنجليزي إلى مصر، إنه الانقلاب الطبقي الذي ارتكبه هذا الحاكم المستبد.

 

إنَّ ما دفعني إلى الحديث عن الأزهر ما فعله أعضاء مجلس الشعب المصري حين وافقوا على أحكام الجباية الأخيرة، فمجلس الشعب الذي من المفروض أنه يُمثِّل الشعب، ويُدافع عن الشعب تخلَّى عنه من أجل مصالح فردية ورغبات شخصية من أجل وجبة كباب وكفتة وحمام؛ تنكروا لهذا الشعب من أجل مكافآت وزيادة في بدل حضور الجلسات ستصرف لهم أساسًا من جيوب الشعب، نسوا الشعب وأعضاء الحزب الوطني الذين أعلنوا في برنامجهم الانتخابي عام 2005م عن نيتهم في استصلاح مليون فدان المفروض تؤتي ثمارها في أزمة الغذاء والأسعار حاليًا، وبناء ألف مصنع وتخفيف الأعباء المعيشية على المواطنين نسوا ذلك كله في وجبة عشاء.

 

إن مجلس الشعب قد باع الشعب كيف نأمنه بعد ذلك على مناقشة قوانين مثل قانون الطفل أو قانون الإرهاب؟.

 

يا دعاة المؤسسات الدستورية: مؤسساتنا الدستورية طعنت الشعب في ظهره طعنةً غادرةً فمَن يحمي الآن الشعب ومَن يدافع عن المواطنين الذين أصبحوا يتامى في ظل حكومات الحزب الوطني؟.

 

فيا رجال الأزهر.. إن الواقع المصري الآن يموج بأحلام الإصلاح وآمال الجماهير نحو غدٍ جديدٍ، إن الجماهير تصرخ، وتئن من سياط الأسعار ومن انتهازية أعضاء الحزب الوطني ومن خيانة المؤسسات الدستورية.

 

أين أنتم يا رجال الأزهر؟ ألم يحن الوقت بعد لتعودوا إلى صفوف الجماهير؟

-----------

*d.hamedanwar@yahoo.com