د. حامد أنور

 

بعيدًا عن هلاوس جريدة "الأهرام" ورأيها ورؤيتها المشوشة، وبعيدًا عن حالة الهذيان التي أصابت رؤساء تحرير الصحف القومية وحالة التنافس المَرَضِي- من المرض- على تقديم قرابين الولاء والطاعة، بعيدًا عن هذا كله فإنني بالفعل قد أُصبت بحالةٍ من الحزن والأسى مما كتبه "جون دفتريوس" على موقع الـ"سي إن إن" يوم 2/5/2008م.

 

وهو لمَن لا يعرف معد ومقدم برنامج "أسواق الشرق الأوسط" ويُقدِّم انطباعاته ورؤيته للاقتصاد في الشرق الأوسط بلغةٍ مبسطةٍ، فلقد كتب الرجل عن مشكلةِ التضخم الاقتصادي في المنطقة وزيادة نسبته، وعلَّق ساخرًا على هذا الأمر فقال: لكن القادةَ على غرارِ رئيس مصر يعرفون كيف يتعاملون مع هذا الأمر فقد ضاعف زيادة المرتبات من 15% لتصبح 30%، ومع اقتراب التضخم في مصر من تجاوز مستوى عشرة بالمائة فإن هذا الأمر لن يعجب وزير الاستثمار والمستثمرين الأجانب ثم يُوضِّح خطورة هذا الأمر بأنَّ اندفاع التضخم إلى أعلى يجعل مهمة خفضه بعد ذلك في غاية الصعوبة، ويشبه الأمر بسفينة تيتانيك تندفع بسرعةٍ خارقةٍ مع أن مصيرها سيكون الغرق، ويبين أيضًا أن ارتفاع الأسعار سيقضي على معدلات النمو الاقتصادي ويجعلها تتآكل.

 

فبعيدًا عن محاولات التجميل للواقع القبيح الذي قامت بها الصحف القومية نجد أن السفينةَ تتجه نحو الغرق بعيدًا عن التشدق بالحكمة وادعاء المعرفة، إن الأوضاع في مصر في طريقها إلى الانهيار ولا بد من التعامل مع الأمر بموضوعيةٍ شديدةٍ وليس على طريقة الضلالات المسيطرة على عقول وجهاء الصحف القومية والتي تجعلهم- كما يقول علم النفس- يرون أشياء غير موجودة على أرض الواقع وينسبون إنجازات إلى غير أصحابها يتحدث أحدهم عن تطور خدمة الهاتف بعد تليفون العمدة أصبحنا متحيرين بين 010 أو 012، وحمدت الله أنه لم ينسب إنجازات شركة نوكيا إلى الحزب الوطني.

 

ألا يعلم هذا الممسوس أن حافظة الأوراق البلاستيك وفانوس رمضان يتم استيرادها من الصين؟! ألا يعلم أنه بعد ربع قرن من العطاء بلغ سعر كيلو العدس عشرة جنيهات مصرية ونعم العطاء.

 

إن معالجة قيادات الحزب الوطني للأزمة الاقتصادية التي تعصف بمصر يدل على قصور في الرؤية وعدم الدراية بالواقع المحلي أو العالمي، فلقد استسهل الحزب الوطني الأمر وأعلن أنها أزمة عالمية، وكأنه يخلي مسئوليته عنها، وهذا تنصل من السياسات الفاشلة التي انتهجها هذا الحزب، فبدايةً هو ارتضى بسياسة الاقتصاد الحر والاندماج في الاقتصاد العالمي بشكل كامل رغم صيحات التحذير التي أطلقت والنصائح التي وجهت، ولكن لأن الحزب الوطني ارتضى بالهيمنة الأمريكية والتحالف معها، كما أعلن السيد أحمد نظيف فإن كل أزمة بسيطة في الاقتصاد العالمي ستؤثر سلبًا علينا.

 

كما أن الحزب الوطني لم يتوسع في السياسات الزراعية، ولم يقم بتطوير الصناعات بدلاً من تصدير المواد الخام فتعود إلينا مصنعةً مما يزيد من عمق الأزمة، ولكن كيف سيقوم بتطوير الصناعة، وقد قام ببيع المصانع أصلاً فضلاً عن أن هناك توجهًا دوليًّا إلى خفض الاعتماد على المواد الخام وإعادة استخدامها أكثر من مرة واستخدام بدائل لها، وعلى ذلك فالدول التي تعتمد على تصدير سلعة واحدة فإن اقتصادها عرضة لتذبذبات طاحنة، وليس من المعقول أن نتخلى عن مصانعنا ثم نُقبِّل أقدام الآخرين من أجل أن يأتوا إلينا ويستثمروا بدلاً منا، أنا لا أدري لماذا الإصرار على نظام الاقتصاد الحر رغم مؤشرات فشله الواضحة؟.

 

إننا نفرط في سيادتنا وكرامتنا بمحض إرادتنا ونعم الحكمة يا قيادات الوطني.
ولذلك فإنني أدعو أصحاب الرؤية الإصلاحية إلى ألا يسمحوا لليأس أن يتطرق إليهم خاصةً بعدما أشيع عن فشل إضراب 4 مايو فإن هذا ما يريده الآخرون فإن فشل محاولة هو أمر هين تليه محاولات أخرى وأخرى، أما تمكن اليأس من النفوس فإنه أشد خطرًا، ولنا في يعقوب عليه السلام أسوة حسنة، فبعد سنين من تغيب يوسف عليه السلام ومرور وقت طويل نما فيه وكبر ودخل السجن وخرج منه ما إن توجه بنوه إلى أرض مصر سألهم أن يتحسسوا من يوسف، إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون.

 

"ويكفي أن تعرف أن بولس الذي يتعبد نصارى العالم بأقواله عندما مات لم يشعر به أحد بل ظل مائة عام أقواله في طي النسيان لطغيان أقوال الحواريين عليها" (ول ديورانت- قصة الحضارة، قيصر والمسيح المجلد السادس).

 

إن محاولات التغيير متراكمة وكما يقول هاشم الرفاعي، إن تتابع القطرات ينزل بعده سيل ثم بعد ذلك يليه الطوفان، طوفان الإصلاح.

 

ويجب علينا أن نوضح للشعب جدوى الأعمال وإن بدت صغيرة في أعينهم فلا تحقرن من المعروف شيئًا، خاصةً أن الحزب الوطني قام بدس عناصر له وسط وسائل المواصلات والمقاهي وأماكن التجمعات وإدارة حوارات مفبركة لإجهاض إضراب 4 مايو، وكنت أنا شاهد عيان على إحداها.

 

وفضلاً عن ذلك كله فأنا أرى أن إضراب 4 مايو كان ناجحًا بكل المقاييس فلو لم يكن لهذا الإضراب من نتيجة سوى أنه قام بتعرية بعض من يتمسحون في الدين لكفانا، ولو لم يكن لهذا الإضراب من نتيجة سوى الرضوخ لطلب العمال بزيادة المرتبات، وإن التهمت بعد ذلك لكفانا؛ لأن القرارات الأخيرة سوف تكشف زيف الحكومة وخداعها، فإذا ما تمت الدعوة إلى إضراب جديد فسيكون قويًّا مزلزلاً إن قيادات الحزب الوطني سوف تأخذ وقتًا حتى تدرك خطورة ما اتخذته من قراراتٍ قبل إضراب 4 مايو، ولكن سيكون بعد فوات الأوان.

----------------------

d.hamedanwar@yahoo.com