جابر محمد البشبيشي

إنها بحق بشائر نصر.. ما وجدناه من تعاطف شعبنا ورغبته في الإصلاح، ولكن يحتاج منا هذا المجتمع تعهُّده ومعايشته والوجود معه وجودًا يُقرِّبه من الله ومن معرفة الشريعة وفهم الإسلام والعمل به؛ لقول النبي- صلى الله عليه وسلم-:"المسلم الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خيرٌ من المسلم الذي لا يُخالط الناس ولا يصبر على أذاهم".
ونصر آخر.. هو تضحيات شرفاء الأمة أمام مصادرة أموالهم ومحاكمتهم محاكماتٍ ظالمة واتهامهم اتهاماتٍ مُلفَّقةً وباطلةً غير عابئين بهذه العقبات، ملتفين حول قيادتهم واثقين في الله وفي دعوتهم.
وقد سبق ذلك نصر قدَّمه الإخوان جميعًا بمشاركتهم في انتخابات المحليات بما لقوه من ابتلاءات ومواجهات ومعوقات واعتقالات مع ضعف قوتنا وقلة حيلتنا نفس ما حدث في بداية الدعوة كما تكرر في الماضي يتكرر في الحاضر: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمْ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (26)﴾ (الأنفال)، لكن معنا قوة الإيمان ونصر الله سبحانه وتعالى وتأييده وقولنا: ﴿وَمَا لَنَا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُتَوَكِّلُونَ (12)﴾ (إبراهيم).
فإن النصرَ يتحقق وسيكتمل كمًّا وعدنا ربنا في كتابه سبحانه وتعالى، ووضَّحه نبينا في سنته- صلى الله عليه وسلم- مهما بدا الظلم ظلمات ومهما بذل من تضحياتٍ، ولكن شاءت إرادة الله سبحانه وتعالى وحكمته أن يكون تحقيق هذا النصر وفق سنن وقوانين وأسباب لا ينبغي للمسلمين أن يغفلوا عنها أو يقصروا فيها ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ (محمد: من الآية 4).
فالعُدة الحقيقية للنصر
الثقة في نصر الله وتأييده والإيمان به: وفي ذلك يتحدث الإمام البنا- رحمه الله- في معرض حديثه عن عُدة النصر المطلوبة للدعوة والجهاد؛ حيث قال: عُدتنا هي عُدة سلفنا من قبل والسلاح الذى غزا به زعيمنا وقدوتنا محمد- صلى الله عليه وسلم- وصحابته معه العالم مع قلة العَدد وقلة الموارد وعظيم الجهاد، هو السلاح الذي سنتقدم به للعالم إن شاء الله من جديد، لقد آمنوا أعمق الإيمان وأقواه وأقدسه وأخلده بالله ونصره وتأييده ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمْ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ﴾ (آل عمران: من الآية 160).
الثقة بالقائد وصدقه ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (21)﴾ (الأحزاب)، والثقة بالمنهاج وصلاحه ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنْ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (15) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنْ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ﴾ (المائدة)، والثقة بالإخوة وحقوقها ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (10)﴾ (الحجرات).
الثقة بالجزاء وعظمته ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (التوبة: من الآية 120).
الثقة بالنفس، فنحن أمة وقع عليها اختيار الله سبحانه وتعالى لإنقاذ البشرية وكُتِبَ لهم الفضل بذلك ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (آل عمران: من الآية 110).
فالثقة زاد وحصن أمين للأمة أمام ما يحدث من تخطيطٍ واضطهاد ومواجهات واعتقال للمصلحين الذين يقومون بدعوة المجتمع للإصلاح باستخدام القوة الأمنية للدولة بإعداد كثيفة وتسخير إمكانيات البلاد المالية والمؤسسية لذلك.
نَعم، الثقة زادٌ أمام ضعف العزائم والإصابة باليأس، ومَن لا يرى إلا المقدمات التي لا نهايةَ لها إلا الهزيمة، لكننا مطمئنون بما وعدنا الله إذ يقول: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (من الآية 30)، وقوله: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (36)﴾ (الأنفال)، وقوله: ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ (الفتح: من الآية 4)، وقد نوَّه الإمام الطبراني أنه لو سلَّط الله أضعف خلقه لكان جندًا، إنها الثقة التي حدَّث بها سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أبا بكر الصديق حينما كان في الغار وهو الفارُّ من قومه، عندما قال له أبو بكر: "لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا"، فقال له رسولنا- صلى الله عليه وسلم-: "ما ظنك يا أبي بكر باثنين الله ثالثهما"، وإنها الثقة التي قالها موسى مع قومه ومن خلفه فرعون وجنوده حينما فتح عليهم البحر ﴿كَلاَّ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ (الشعراء: من الآية 62).
بهذه الثقة في نصر الله وتأييده انطلق رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وأصحابه والتابعون لهم بإحسانٍ وبدعوتهم، وكانت البشارات النبوية التي قالها رسولنا صلى الله عليه وسلم- فُتحت الروم وبلاد فارس وغيرها- تأتي في أشد أوقات المحن عندما اعترضت صخرة أثناء حفر الخندق وقام الرسول صلى الله عليه وسلم بكسرها.
أثناء التوجه لفتح الصين توغَّل قتيبة بن مسلم في أماكن مجهولة بجرأةٍ عجيبةٍ، فقالوا له كيف يتوغل في هذه الأماكن؟ فقال: بثقتي في الله، فقالوا له: أما تخشى الموت؟، فقال إذا انتهت المدة لم تنفع العُدة، فقالوا له: "هذا عزم لا يفله إلا الموت".
وهذا ابن تيمية- رحمه الله- وأثناء خروجه في الجيش الإسلامي مجاهدًا مذكرًا بالله، فقال: أقسم بالله أنتم المنصورون، فقالوا: قل إن شاء الله. فقال: إن شاء الله تحقيقًا لا تعليقًا.
وكما ذكر الإمام البنا فإن من الثقة: الثقة في القيادة وإخلاصها وكفاءتها والانسجام مع قراراتها إقدامًا وإحجامًا، وإن كان هذا لا يمنع من إبداء الرأي والنصح والسؤال عمَّا خفى.
والثقة في دعوتنا فهي دعوة الإسلام في شموله وصفاته، والثقة بأنفسكم فأنتم ولا فخر حملة راية رسول الله- صلى الله عليه وسلم- من بعده ورافعو لوائه وحافظو قرآنه، والمبشرون بدعوته، والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل.
--------------