﴿أَلَمْ تَرَى كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (6) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ (8) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِي (9) وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ (10) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ (11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (12) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (13) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (14)﴾ (الفجر).
إذا كانت قريش طغى كبراؤها فتجبَّروا ولم يذعنوا خاضعين لآيات الله، فأعرضوا وعتَوا عن ذكر ربهم؛ استكبروا أن يتساوَوا بفئام الناس "وعامِّهم"، وخشَوا أن تضيع امتيازات حصَّلوها عبر السنين منحتهم سيادةً حصَّلوا بها ثروات استجلبوها من مناحٍ شتى، منها البغاء ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ (النور: من الآية 33).
ناصبت قريش الدعوة الإسلامية العداء، وقلَّبت لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- ظهر المجن، "أظهرت عداوتها".
وهذه السورة مكية، على رأي الجمهور، نزلت في مراحل الدعوة الأولى، وكما قال علماء الأصول: "العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب".
وسورة الفجر- كما القرآن الكريم كله- لا تقف مدلولاتها عند سبب النزول فتظل أسيرةَ دائرة ضيقة؛ يمحوها تطوُّر الأحداث وتغير الأزمان، بل إن العبرةَ تمتد وتتواصل طالما تكرَّرت من الأحداث مثيلاتها، فتثبت العبرة بقوة عندما يتماثل حديثها مع قديمها.
الحديث وإن كان موجَّهًا إلى كفار قريش الطغاة العتاة، فإنهم في التاريخ حلقة في سلسلة متباعدة الأزمان والأماكن، غير أنها متشابهة الانطلاق والطرح والمآل.
قريش صورة متجدِّدة في كفرها من عاد وثمود وفرعون، وإن كانت أضعفَ قوةً وأقلَّ جندًا، وعندما تزداد أمم الطغيان عتوًّا، وتعجز قوى البشر عن نزالها، فتظن أنها باستعلائها هيمنت، ثم تتمادى فتتألَّه من دون الله، حينئذٍ ينزل الله بأسه ويصبُّ عليهم العذاب حتى يزيل قوى الكفر، ويمحو بطش الجبارين في الأرض.
فالتقدُّم المعماري والزخرف الحضاري في ظلال الاستبداد والقهر لا قيمةَ له؛ حيث آدمية الإنسان مغيَّبة؛ فالبناء المشيد والصرح الممرَّد يحويان حطامَ آدميٍ، فلا قيمة لأرض استخلف فيها الإنسان معمِّرًا عابدًا فإذا به يعمِّر عابدًا نفسه وقدراتها، أو في صورة بدائية أُولى يعبد الأصنام.
والفلسفة الغربية المعاصرة أعلت من قدر الإنسان؛ "فإرم ذات العماد" وصفها ربنا تعالى بأنها ﴿لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ﴾، ولتذهب النفس غائصة وراء دلالات هذه الوصفية ولن تستطيع استقصاء ما كان عليه هؤلاء القوم من قوة وفن عمارة بلغ أَوْجَه، ويبقى للوصف امتداده، وعلى الرغم مما كانوا عليه فالاستفهام التقريري﴿أَلَمْ تَرَى كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ﴾ يوحي بعِظَم الانتقام وبما يوحي بمدى الهلاك الذي لحق بهم، والاستفهام يوحي بسوء مآلهم، والرؤية توحي بعظم المشاهد وفداحة الهلاك.
وإسناد الربوبية لفعل الانتقام ﴿فَعَلَ رَبُّكَ﴾ يوحي بأن البطش والنكال بهؤلاء المستكبرين لازم كفرهم وحاصل تجبرهم؛ فالربوبية إيجاد وإنعام ورحمة، يلائمها في السياق ﴿يُخْلَقْ﴾، ﴿رَبُّكَ﴾ دلالة على أن أفعال هؤلاء المستبدين هي التي جلبت لهم الدمار.
وثمود وعاد عرب بائدة؛ قومان عُرِفا بهذه التسمية، أما فرعون فذُكر وحده، وجاءت الصفة للمفرد ﴿ذِي الأَوْتَادِ﴾ صفة هيئة تحدِّد القوة التي ركن إليها، ثم جاءت بقية الصفات جمعًا: ﴿الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ (11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (12)﴾ خرجت الدلالة من حيز الخاص إلى العام، علائق وتسمية وامتدادات متصلة بين الطغيان والفساد؛ فالطغيان يؤدي إلى كلِّ مفسدة؛ "فالسلطة المطلقة مفسدة مطلقة".
فالطاغية يستخف بقومه؛ فلا يراهم إلا عبيدًا أرقَّاء، وهم يكظمون أحقادهم ويشعرون بالدونية، ويفقدون ثقتهم بأنفسهم، فضلاً عن ثقتهم بالسلطة والوطن فينمحي من صدورهم الانتماء فتفشو الخيانات، ويشعرون بالحرمان في الوقت الذي يرون فيه الكبراء والمستفيدين يستحوذون على كل شيء.
ومع تصاعد الاستبداد تتزايد الأعباء على المستعبدين؛ لأن المستبد لا يقنع أبدًا بما يحوزه، فيتمادى شَرّها، ومع تصاعد جشعه تتزايد في صدور المستعبدين المهانة حتى تضيع لديهم مشاعر الآدمية، فترى شعوبًا شوهاء؛ مُسِخت معالم شخصيتها ثم فنيت وماتت روحها، وإن بقيت أجرامًا وكتلاً تسعى كي تحصل على لقمتها من بين أقدام السادة وأعوانهم.
هذا نال بني إسرائيل منه شيءٌ كثيرٌ إبَّان استعباد فرعون لهم؛ إذ هم في مصر؛ لذلك ذهبت كل محاولات موسى- عليه السلام- معهم هباءً؛ لبلادة طباعهم وغلظ قلوبهم، حاول الارتقاء بهم حتى يحملوا الرسالة، فقد كان شغلهم الشاغل تنويع أشكال الطعام ﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ﴾ (البقرة: من الآية 61).
فالاستبداد يعطِّل أحاسيس الكرامة ويئد ملكات الابتكار التي لا تنمو ولا تزدهر إلا في أجواء الحرية، وتختل الموازين والقيم والتصورات المستقيمة؛ لأن الطغاة يرونها خطرًا على بقائهم، فيعملون على تحريفها وطمس معالمها، ويعملون على إشاعة الانحرافات، ويبتكرون من وسائل الإلهاء ما لا يستطيعه الشيطان، ويجعلون الأولويات توافهَ، والتوافه تحلُّ محلَّ القضايا المصيرية، ويبتكرون كل ساعةٍ ما يشغل الناس ويعمل على أن يدوروا في فلكٍ لا يفيقون ولا يقفون فيه لحظة، فترهق قواهم بحثًا عن لقمة الخبز إن استطاعوا تحصيلها، ومن ثم يأمن المستبد انصراف أصحاب العقول عنه، وأما الفئام فهم وادٍ غير الوادي.
لكن نسي هؤلاء الطغاة أن للكون إلهًا لا تأخذه سنة ولا نوم، وأنه سبحانه وتعالى يغار على دينه، ويرأف بعباده ﴿َهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَهٌ﴾ (الزخرف: من الآية 84) وأنه وحده ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ (البروج: 16).
وفرعون في سرد القرآن كله يرسل الله له موسى رسولاً ثم يؤازره هارون، وبالتبعية إلى قومه الظالمين الفاسقين كما وصفتهم الآيات.
ففرعون لقب شخص، وليس اسم قوم أو قبيلة مثل عاد وثمود وأصحاب الرس، وأصحاب الأيكة وقوم نوح وإخوان لوط وقوم تبع.. فلماذا خُصَّ فرعون بتوجيه الرسل والرسالة إليه؟.
لأن فرعون هو الفرد الدولة؛ اختزلت الدولة في فرد؛ فهو الفرد المتألِّه ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ (غافر: من الآية 29).
فرد اختزلت الدولة في شخصه، فهو البدء والمنتهى، وإقصاء مَن عداه؛ فلا نظيرَ له ولا مثيل.. وهل التأله غير ذلك؟!
هو الدولة الفرد.. استحواذ على كل مقدِّرات الدولة ومؤسساتها، تسخير كل الموارد له وحاشيته، والقوانين هو مصدرها، ومُشَرِّعُها ومُغَيِّرُها وَفْقَ أهوائه ورغباته وحاشيته ومنتفعيه؛ يتجاوز الفرعون القانون وقتما شاء ووَفقما شاء، والكل وقت التغيير يؤيدون ﴿وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾.
ولكن مَنْ فرعون؟! وأين إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد؟! وأين ثمود الذين جابوا الصخر بالواد؟! وأين قوم فرعون ذي الأوتاد؟! وأين دولة الرومان؟! وأين فارس؟! وأين اليونان القديمة؟! أين فرنسا التي سادت البلاد دهرًا؟! وأين بريطانيا العظمى؟! أين نابليون؟! أين هتلر؟! مَنْ أمريكا؟! أمة من اللقطاء جاءوا من سجون أوروبا، يُقِيْمُها أعوانها من ذيول ٍٍتتكلم بلساننا وتتسمَّى بأسمائنا.
إنها الحرب الصليبية على الإسلام، ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (15) وَأَكِيدُ كَيْدًا (16) فَمَهِّلْ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا (17)﴾ (الطارق).
لذلك ﴿وَالْفَجْرِ﴾: بزوغ تباشير الصباح بعد حلكة ليل جاثم، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾: حتمًا يزول الليل؛ فها هو في الأفق يلوح أمل المجاهدين الصابرين، فلا نجاة للظالمين من عقاب الله ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (13) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (14)﴾ (الفجر).
---------
* دكتوراه في تعليم اللغة العربية لغير العرب