لا شك أن حركة الإخوان المسلمين هي محط أنظار الباحثين والدارسين والدعاة والعاملين للإسلام ليس فقط على المستوى الدعوي وما يُمثله من فهمٍ وإدراكٍ لفقه الواقع كونها كبرى الحركات الإسلامية في العصر الحديث، ولكن على المستوى السياسي والاجتماعي وما يُمثله ذلك من تأصيل جماعة الإخوان المسلمين للتحرك السياسي المنضبط بالقواعد الكلية المحققة لمصلحة المجتمع المسلم تأصيلاً شرعيًّا بغير تفريطٍ ولا غلو ولا تطرف.

 

من أجل هذا وجب علينا أن نُوضِّح ونُبيِّن رؤية جماعة الإخوان المسلمين من الحِراكِ السياسي القائم، وهل المواقف السياسية للحركة يُقيدها ويعيق حركتها الالتزام الدعوي كما يدَّعيه البعض أم أن الحركةَ تنطلق من شمولية الإسلام ومن ثَمَّ لا يوجد فرق بين الدعوي والسياسي؟.

 

الحديث يأخذنا إلى تناول القضية الأساسية التي يجب أن تشغل بال المسلمين كل المسلمين ألا وهي قضية تطبيق الشريعة الإسلامية وكيف تنظر إليها جماعة الإخوان المسلمين كقضيةٍ محوريةٍ للأمة المسلمة، من أجلها دخل الإخوان السجون وعُلقوا على أعواد المشانق وقدَّموا من التضحياتِ ويقدمون كل يوم إلى أن يقضي الله أمرًا كان مفعولاً.

 

أقول إن وضوح الرؤية في هذه القضية اليوم هو مطلب أساسي لمَن يعمل للإسلام من خلال جماعة الإخوان المسلمين حتى تخلص النوايا وتتوحد الأهداف ويتلاحم الدعوي والسياسي تلاحمًا يُزيل الباطل، وهنالك يفرح المؤمنون بنصر الله.

 

رؤية الإخوان المسلمين في قضية تطبيق الشريعة (وضوح الرؤية)

إحدى الدعائم الأساسية التي يجب أن تُصطحب كمدخلٍ من مداخل الفهم لهذا الموضوع، إن هناك من الأهداف ما هو هدف إستراتيجي وما هو هدف مرحلي، وإن هذه الأهداف يجمعها ويربطها أنها تحقق مفهوم العبودية لله سبحانه وتعالى واستخلاف الإنسان في هذه الأرض؛ امتثالاً لقول الله عزَّ وجل: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ (56)﴾ (الذاريات).

 

وكما وضَّح الإمام الغزالي أن (مقصود الشرع من الخلق خمسة، وهو أن يحفظ عليهم دينهم ونفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم، فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول فهو مصلحة، وكل ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدة ودفعه مصلحة).

 

وكما تقدَّم يتضح أن حفظَ الدين تقدَّم على حفظ النفس، ومن هنا شُرِعَ الجهادُ للدفاع عن دين الله وبذل النفس والمال في سبيل ذلك، وأن حفظَ النفس مقدمٌ على حفظ العقل، فمن اضطر لشرب الخمر مخافةَ الهلاك لعدم وجود ماءٍ جاز بالقدر الذي يُبقيه على الحياة، وهكذا في ترتيب هذه المقاصد من تحقيق المصلحة ودفع المفسدة.

 

ومن الناحية الشرعية فإنَّ هذا الموضوعَ مرتبطٌ ومتكاملٌ بعدة عناصر وضَّحها الإخوان في أكثر من مناسبة، وسُردت في أدبياتهم المقروءة والمرئية والمسموعة، ولكن حسبي أن أُصوِّب المصباح إلى مواضع ومكامن قد تكون تلخيصًا للمقصود وتوضيحًا له.

 

العنصر الأول: واجبات الحاكم المسلم في رؤية جماعة الإخوان:

يعتقد الإخوان أن واجبات الحاكم المسلم على كثرتها تنحصر في واجبين اثنين:

 

1- إقامة الشريعة الإسلامية (والمقصود بها حراسة الدين).

2- إدارة شئون الدولة في حدودِ أحكام الشريعة، وفي جوٍّ من الشورى الملزمة (سياسة الدنيا بالدين).

 

ولمَن أراد الاستزادة فشروح المجلدات تمتلئ بالأدلة الشرعية الموضحة لذلك، وهذا هو رأي الإخوان على الإجمال في مسئوليات الحاكم.

 

﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعْ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (26)﴾ (ص: من الآية 26).

 

لذلك فالإخوان يعتقدون بأن صلاحيةَ الحكام محددة بالحدود التي شرعها الله لأن الله سبحانه وتعالى لم يُفوِّض إلى أحدٍ من عباده لا إلى رسول ولا نبي ولا إمام ولا ولي ولا إلى غيرهم أن يُشرِّع للناس من الأحكام ما يريد، وأن يحكم بما يراه هو من نفسه.

 

العنصر الثاني: الحكم أمانة ثقيلة:

يعتقد الإخوان أن الحكم أمانة ثقيلة ومسئولية فادحة أمام الله عزَّ وجل، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (27)﴾ (الأنفال)،وفي صحيح مسلم: "ما من عبدٍ يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرَّم الله عليه الجنة".
نعم إنَّ الحكم في الإسلام ليس وجاهةً ولا رفاهة ولا جنونَ عظمة عند محبي السلطة، إنما هو حملٌ باهظٌ وهَمٌّ بشئون الأمة ثقيل وعقدٌ يتم بين الحاكم والمحكومين على أن تكون طاعة المحكومين له مشروطة بطاعته هو لله ورسوله.

 

العنصر الثالث: التصرف على الرعية منوط:

هذه القاعدة الفقهية العظيمة ذات شأن وأهمية قصوى في الفقه الإسلامي ولو تفحصنا كل مواقف الإخوان المسلمين لوجدنا أن هذه القاعدةَ الحكيمةَ تحكمها؛ حيث إنها تحدد معالم السلوك للحكام والأئمة والولاة، ومَن يتصدر الناس للإصلاح  وإذا كان حديث: "كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته... الحديث"، تكلَّم عن المسئولية فهذه المسئولية تقتضي أداء الواجب مع النظر في المصلحة مع الأخذ في الاعتبار أولويات مقاصد الشرع في حفظ الدين والنفس والعقل والعرض والمال.

 

العنصر الرابع: وجوب إزالة التناقض بين ادعاء الإسلام وتعطيل شرائعه:

يعتقد الإخوان أنَّ من أوجب واجبات الحكام الشرعية في الوقت الحالي أن يزيلوا هذا التناقض الصارخ بين ما يدَّعونه من إيمانٍ بالإسلام عقيدةً وشريعةً من عند الله وبين تجميدهم لأحكامه وتعطيلهم لحدوده وإغفالهم لتوجيهاته وآدابه واستيرادهم لمذاهب وأنظمة وقوانين من هنا وهناك بديلاً عنه.

 

إن الإسلامَ يفرض على الحاكم المسلم أن يكون مسلمًا في نفسه عقيدةً وعبادةً وأخلاقًا، كما يفرض عليه في نفس الوقت أن يجتهد ليكون المجتمع المسلم الذي يحكمه يتمثل الإسلام عقيدةً وأخلاقًا وفكرًا وسلوكًا وشرعةً ومنهاجًا.

 

وحتى يكون تطبيق الشريعة جادًا وليس شعارًا يرفع لا بد من اتخاذ عدة خطوات متأنيةً ومدروسةً حتى تتحقق في النهاية الغاية المنشودة؛ الأمر الذي يتعين أن يكون تطبيق هذا الأمر بالتدريج، وعلى مراحل حتى لا تتكرر تجربة السودان في هذا المجال فتطبيق الشريعة يستلزم تحديد أمور ثلاثة:

 

أولاً: ما المقصود بتطبيق الشريعة:

إن كلمة الشريعة عبارة متسعة يعتقد الإخوان أنه حتى تنتقل من مجال النظرية إلى مجال التطبيق يجب تحديد مقصودها ومضمونها، خاصةً أن هناك اختلافاتٍ في أمور فرعية أصبحت محل جدالٍ عنيفٍ وآراء متعددة مثل مسألة النقاب والموسيقى والأغاني وغيرها، وينادي الإخوان بأن الشريعةَ كمنهجٍ يجب أن تتناول تصور نظام الحكم الذي يرضاه الإسلام وأجهزة الحكم ونظام الشورى والنظم المالية والاقتصادية والاجتماعية في المجتمع؛ وذلك حتى يتحقق للتطبيق المنشود الشمول والتوافق ونكون بصدد الإيمان بالكتاب كله لا ببعضه.

 

ثانيًا: مجتمع الشريعة الإسلامية:

من المُسلَّم به أن المجتمعات الإسلامية إن لم تكن كلها أو غالبيتها قد ابتعدت عن تطبيق الشريعة الإسلامية تطبيقًا كاملاً وصحيحًا فبعضها يأخذ منه ما يشاء ويدع الباقي أو يتهرَّب من تطبيقه، كما أن بعضَ المجتمعات ليست كلها مُسلَّمة ففيها جانب من غير المسلمين، فضلاً عن الأجانب وهؤلاء ينظرون إلى الشريعة نظرة مخيفة ويتصورن أنها ستأخذ برقابهم، وهذا ما يدفعهم لإثارة الدول الكبرى غير المسلمة واستعدائها على الدول الإسلامية والتي هي بلا شكٍ وبكل أسفٍ في حاجةٍ شديدةٍ إلى تلك الدول الكبرى سواء من ناحية السلاح أو من ناحية الغذاء والمساعدة، وهي أمور حساسة يجب أن تُوضع في الاعتبار؛ لذا يجب تهيئة تلك المجتمعات لتكون مستعدةً لتطبيق الشريعة على الأقل بدون مشاكل كبيرة؛ وذلك بدءً بتقوية هذه المجتمعات وتنمية قدراتها الاقتصادية حتى تكون قادرةً على الاعتماد على نفسها في الأمور الرئيسية في حياتها ولا تكون تابعةً وخاضعةً للدول التي تُطعمها وتكسوها مع تعميم وعي إعلامي كبير بمحاسن الإسلام ومزاياه، خاصةً بالنسبة لغير المسلمين.

 

هذا، فضلاً عن تأكيد معنى الحرية والعدل تأكيدًا فعليًّا لا قوليًّا وكفالة حقوق الإنسان وحرية الأديان؛ وذلك حتى يأمن الإنسان على نفسه وماله وعرضه بعيدًا عن إرهاب الدولة وإرهاب الأفراد.

 

ثالثًا: أجهزة تنفيذ أحكام الشريعة:

إذا ما توافرت عناصر تحديد الشريعة وتهيئة المجتمع وروعي في التعامل مع المجتمع تحقيق مقاصد الشرع، كما وضحتها سابقًا، واختيرت قيادات المجتمع السياسي والمدني بالشكل السابق من خلال العناصر الأربعة السابقة لم يبقَ بعد ذلك إلا الأجهزة التي ستتولى تطبيق الشريعة، وهذه يجب أن تكون في الأغلب الأعم مسلمة وصالحة؛ لأنه إذا كان في هذه الأجهزة عدم كفاءة أو انحراف فإنها ستُسيء إلى تطبيق الشريعة وليست تجربة السودان ببعيدة، فقد كانت المحاكم التي عهد إليها بتطبيق قوانين الشريعة ليست على المستوى المطلوب؛ مما أساء إلى الشريعة لذا فيلزم حسن اختيار هذه الأجهزة من العناصر الصالحة ولتكون بمثابة القدوة والشريعة المتحركة والنموذج الصالح الذي يكون حافزًا ودافعًا إلى التمسك بالشريعة واتباعها وللوصول إلى هذه الغاية يلزم تدريب تلك العناصر في جوٍّ إسلامي واختيار الصالح منها بدون مجاملةٍ أو هوى.

 

وإذا ما تحققت هذه العناصر نكون بإذن الله وصلنا إلى مرحلة تطبيق الشريعة فعلاً لا قولاً، وهذه المرحلة المبتغاة ليست سهلة وقريبة المنال؛ لذا فلا بد من السير فيها على مراحل أخذًا بسنة التشريع الإسلامي نفسه في معالجة مثل هذه الأمور وليس في أي محاولةٍ لهدم الإسلام، كما ظن عديمو الخبرة من الشباب الذين يظنون أن الأمر سينتهي بمجرد صدور قانونٍ بحلول الشريعة محل القوانين؛ بل إنَّ مثل هذا التسرع يقضي على آمال المسلمين بإعلان فشل التطبيق.