قد تبدو هذه حكاية.. تبدو كذلك بل هي كذلك.. إنها حكاية شعب ورواية وطن، مصر التي وصفها الكندي في كتابه الرائع الذي لا بد لكل مصري أن يقرأه، إنه كتاب "فضائل مصر المحروسة" الذي سطَّر فيه كل أو جل فضائل هذا الوطن العامر والمحروس بإذن الله، وكذلك حكاها الجبرتي- يا سادة يا كرام- عندما وصف مصر في فترةٍ ظلماء من تاريخها فكان وصفه تأريخًا.
وتمضي الأيامُ وتكر الأعوام ومصر المحروسة التي بها من اللئام ما لا يصفه إلا الشاعر الهمام.
إنها أزهى عصور الديمقراطية، التي يُحاكَم فيها المدنيون أمام المحاكم العسكرية، وطوابير الخبز والبطاقة الذكية، وغلاء ووباء وبلاء من إنجازات الحكومة الإلكترونية, التي تحتفظ ببراءة اختراع الحيل الذكية في تزوير العملية الانتخابية.
وإذا بالفلاحين الطيبين يطالبون شاعرهم أمين الديب, ويا سلام على قول الشيخ أمين، وحكايات الفلاحين، في بر مصر الأمين.. يأتي عم الشيخ أمين ليصف حال المحروسة وصفًا يُسطِّر تاريخ مرحلة قالوا إنها أزهى عصور الديمقراطية ونعدها أظلم من آخر الشهور العربية، وقول يا عم أمين عن عسكر المحكمة، قصدي خارج المحكمة وداخل المحكمة مهزلة.. والشاطر.. الشاطر مَن يعرف تليفون الأحكام والمحكمة.. أوامر تليفونية.. بأحكام انتقامية.
"احكي" يا عمِّ الشيخ أمين ودون تأريخهم.. الله يرفع عنهم (يعني النفس) وربنا يعينهم (يعني يشيلهم ويريحنا منهم)، وفي انتظار قولك يا عم أمين.
وكأنَّ بر مصر ذات الحضارة، والذي يمتلأ بالنساء ذات الجسارة (مثل الزهراء بنت الشاطر والشجاعة سارة)، يأبى إلا أن يكون لبنات المحروسة حظ وافر، وصوت حر زاهر.
فتأتي الشاعرة إيمان بكري لتصف حال البلد وبنات البلد وأولاد البلد، من الإسكندرية لأسوان، ومن الحمار للدستور، وأشتاتًا أشتوت، وفي انتظار وصف الشاعرة إيمان لما عانته نساء الحرية أمام المحاكم العسكرية.
أيها الأدباء والشعراء والفنانون والكتاب.. إننا بحاجةٍ لتدوين تاريخ هذه الحقبة المظلمة من تاريخنا بالأدب الراقي والفن الهادف والشعر الرقيق والمقال الجريء.
إن تجربةَ الشاعر أمين الديب والشاعرة إيمان بكري وغيرهما من المخلصين لدليلٌ على أن تاريخ هذه المرحلة يُمكِّن أن يُدوَّن بدقة, كما أنه دليلٌ على أن أرض مصر لم تعد بوارًا، كما أرادوها ولا خرابًا ينعق فيه زمَّار السلطان والدقاقون والمبخرون من الكتاب والفنانين.
إن المحروسة لا زالت ولاَّدة وما زالت الخصوبة عالية، رغم حملات تنظيم النسل، ودعوتهم لكل الشعب أن ينظر حوله خوفًا ورعبًا.
ورغم ذلك فإن هناك مَن يسير بخطى ثابتة لتدوين تأريخ هذه الفترة السوداء وهؤلاء الطغمة، بل تاريخ العسكر والمحتكرون والحرامية.
فَتَحيَّةً لكل صاحب قلم يصف ما تعانيه مصر من ألم.