بينما كان المسلمون يتخبَّطون في الجهل والظلام، حينما انزوى مفهوم الإسلام الشامل وانحصر مكانه الفعلي ليصبح في المسجد فقط، ولم يعُد له مكانٌ في توجيه الحياة، وبينما كان المسلمون يترنَّحون من جرَّاء السقوط المدوي للخلافة الإسلامية، والذي أدى إلى ضياعِ هوية الأمة، وفقدانِها مصدرَ عزتها.. ووسط هذا الظلام الدامس، فإذا بنورٍ يشعُّ في الأفق يُوحي بإعادةِ الحياةِ لهذه الدعوة العظيمة، على يد رجلٍ هيَّأته العناية الإلهية لحمل عبء هذه الدعوة وإعادة إشراقها من جديد، ليعمَّ نورُها العالمَ ثانيةً.
ذلكم هو إمامنا الشهيد حسن البنا؛ يطلع على الدنيا بهذه الدعوة الخالدة التي جاءت في أوانها ومكانها، ليبنيَ من جديدٍ جماعةً مؤمنةً تقوم على حمل هذه الدعوةِ التي جعلها الله أمانةً في أعناقِ مَن ينتسبون إليها، فكان صريحًا حينما خاطب الإخوان محدِّدًا لهم الغاية: "هكذا أراد الله أن نرث هذه التركة المثقلة بالتبعات، وأن يشرق نور دعوتكم في ثنايا هذه الظلام، وأن يهيِّئكم الله لإعلاء كلمته وإظهار شريعته".
فأسس دعوة الإخوان على ركائزَ ثلاثٍ من (الفهم العميق، والتكوين الدقيق، والعمل المتواصل)، فتأتي هذه السلسلة لنتناول فيها بشيءٍ من الإيجاز غير المخل هذه الركائز الثلاث، وقد تناولنا في حلقةٍ سابقةٍ الفهمَ العميق، ونقف الآن مع التكوين الدقيق.
نهج الحبيب
حينما بعث الله نبيَّه أكَّد رسالته بقوله ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ (الجمعة: من الآية 2)، فبيَّن أن التربية والتزكية مقدَّمة على التعليم والتثقيف، ومن هنا فإن منهج الإخوان في التربية اتباعٌ لمنهج الحبيب، وليس ابتداعًا؛ فالتربية الإخوانية تنبع من كتاب الله وسنة رسوله.
وقد اختار الإمام البنا أن يسير على خطى الحبيب صلى الله عليه وسلم، باستخلاص العناصر الصالحة لحمل أعباء الدعوة والجهاد، وضم بعضها إلى بعض، كما حدث في دار الأرقم، فاهتم الإمام البنا بالتربية اهتمامًا عظيمًا، فوضع لها من الوسائل والأساليب ما يؤدي إلى إعداد الفرد المسلم ليكون على الطريق الصحيح، فأحيا دار الأرقم وما كان فيها من إعدادٍ وتهذيبٍ، وتخرَّج فيها أصحاب اليقين الثابت، وحمل إخوانه على أسلوبٍ في التربية متطابق مع منهج الإسلام، وأولَى الإنسان عنايته الكبرى، ورباه مراعيًا عناصره (روحًا وعقلاً وجسدًا)؛ موازنًا بين هذه العناصر.
وانطلق مع بدايات الدعوة بتأسيس معهد حراء الإسلامي ودار أمهات المؤمنين؛ لتخريج الأجيال المؤمنة التي تتربَّى على الإسلام ومبادئه، ثم تطوَّر العمل التربوي في شكل نظام الجوَّالة والكشافة، ثم نظام الكتائب، حتى استقرَّ في نهاية المطاف على نظام الأسر التعاونية.
دعوة باقية
لقد سبقت دعوة الإخوان المسلمين الكثير من الدعوات الإصلاحية؛ فعبر مسيرة التاريخ ظهرت دعوات إصلاحية كثيرة، توهَّجت فترةً وكانت ملء السمع والبصر، ثم ما لبثت أن انطفأت أو انحرفت عن مَنشَئِها ومَبدَئِها بعد فترة، أو تحوَّل تيارها واستوعبتها الأحداث والتطورات، بعد جيل أو اثنين لهذه الدعوات أو بعد أحداث شديدة ألمَّت بها، وأصبحت في ذاكرة التاريخ.
أما دعوة الإخوان فقد قدَّمها المؤسس رحمه الله "في هذه الصخب الداوي من صدى الحوادث الكثيرة المريرة، التي تلدها الليالي الحبالى في هذا الزمان، وفي هذا التيار المتدفِّق الفيَّاض من الدعوات التي تهتف بها أرجاء الكون، وتسري بها أمواج الأثير في أنحاء المعمورة، مجهَّزةً بكل ما يغري ويخدع من الآمال والوعود والمظاهر.. نتقدَّم بدعوتنا، نحن الإخوان المسلمين، هادئةً ولكنها أقوى من الزوابع العاصفة، متواضعةً ولكنها أعزُّ من الشم الرواسي، محدودةً ولكنها أوسعُ من حدود هذه الأقطار جميعًا، خاليةً من المظاهر الزائفة والبهرج الكاذب، ولكنها محفوظةٌ بجلال الحق وروعة الوحي ورعاية الله، مجرَّدةً من المطامع والأهواء والغايات الشخصية والمنافع الفردية، ولكنها تورث المؤمنين بها والصادقين في العمل لها السيادةَ في الدنيا والجنة في الآخرة".
وبقيت دعوة الإخوان المسلمين رغم رحيل مؤسسها قويةً شامخةً عبر ثمانين عامًا وهي ماضية في طريقها على نفس المبادئ؛ لم تنحرف أو تتبدل أو تنطفئ شعلتها أو تُنَكَّس رايتها، واستعصت على التصفية والإبادة أو الاحتواء والاستيعاب، برغم كل المحن والمؤامرات، وكل المعوقات والتضييق والإيذاء، وتتوالى الأجيال وتتلاحم في هذه الدعوة، وهي على نفس الدرب والمبادئ والأهداف التي تجاهد من أجلها, حتى انتشرت في أكثر من 90 دولةً بالعالم؛ وذلك بفضل الله وبركته ورعايته لهذه الدعوة، ثم بمدى قوة التأسيس والتوريث والتربية وإعداد الرجال في هذه الجماعة.
التربية أساس التكوين
لفت الإمام البنا أنظارنا إلى التربية، وأكَّد على ضرورة تعهُّد الأفراد بالتربية والمجاهدة حتى يشتدَّ العود ويكمل الاستعداد، فيقول: "إن معركتنا معركةٌ تربوية" ليغرس فينا أن أية دعوة لا تقوم على عمل تربوي إنما هي سراب خادع، وأدرك الإمام البنا أن بناء الرجال هو أهم ما ينبغي أن يُعنَى به المصلحون، ولعل من أهم المميزات التي تميِّز دعوة الإخوان عن غيرها أنها انتهجت النهج التربوي الذي يحقِّق التفاعل والتوريث الدعوي، وكان من أروع ما وُصفت به الجماعة كما قال أستاذنا العدوي رحمه الله أنها "جماعة تربوية".
فالتربية عند الإخوان هي الطريق الوحيد لبناء الرجال الأوفياء الأتقياء، وهي الطريق الوحيد لإيجاد الفرد المسلم الصادق المجاهد، والإخوان يعلمون أن التربية طريقٌ طويلٌ شاقٌّ كثير العقبات، ولا يصبر على تكاليفه إلا القليل من الرجال، لكنه الوحيد الموصل للهدف ولا بديل عنه، فاختارت جماعة الإخوان أن تكون "مدرسة التربية والتكوين على منهج الإسلام الشامل العظيم".. مدرسةً أخذت هذا الدين كمنهج حياة، فهي مدرسة تربِّي الفرد وتتعهَّده وتكوِّن لديه صفات المسلم الصحيح الكامل فهمًا وعقيدةً، خلقًا وسلوكًا، فقدَّمت نماذجَ عظيمةً على مرِّ تاريخها ومراحلها، فكانت نِِِعم َالمدرسة، ولولا هذه التربية لما استطاع الإخوان أن يواجهوا الصهاينة في فلسطين، والإنجليز في القناة، وأن يواجهوا المحن والسجون والتعذيب والكروب التي مرَّت بهم.
لقد كان الإمام مُلهَمًا حين حوَّل جوانب الإسلام العظيم من نظرياتٍ في الكتب إلى واقع محسوس وملموس بالتربية والتكوين، وينبِّه إلى أهمية مراقبة الصف وتنقيته من الضعاف فيقول "وإن كان فيكم مريضُ القلب معلولُ الغاية مستورُ المطامع مجروحُ الماضي، فأخرجوه من بينكم؛ فإنه حاجزٌ للرحمة، حائلٌ دون التوفيق".
ماهية التربية
لقد حدَّد الإخوان مفهوم التربية والتكوين بأنه:
* الأسلوب الأمثل في التعامل مع الفطرة البشرية توجيهًا مباشرًا بالكلمة وغير مباشر بالقدوة، وفق منهج خاص ووسائل خاصة لإحداث تغيير في الإنسان نحو الأحسن.
* منظومة الخبرات التربوية التي تُهيِّئها الجماعة للأفراد بقصد مساعدتهم على النمو الشامل المتكامل المتوازن في جميع الجوانب (الإيمانية والأخلاقية، والاجتماعية والسياسية، والعقلية والنفسية، والثقافية والفنية، والجسمية والمهنية)؛ نموًّا يؤدي إلى تعديل سلوكهم، ويعمل على تحقيق الأهداف التربوية المنشودة.
* تغيير الإنسان من حالٍ إلى حالٍ في (وجهته وأفكاره، ومشاعره وأحاسيسه، وأهدافه وطرائقه)، تكوينًا ينفذ إلى الروح والجوهر والمضمون، لا الشكل الظاهري فقط، وهو بذل جهد مزدوج من الفرد المرادِ تربيتُه ومن القائم بالتربية، عبر عملية طويلة ممتدة يُصاغ خلالها الفرد والأسرة والمجتمع وِفْق منظومةٍ إسلاميةٍ متكاملةِ البناء؛ تراعي مثلث التغيير المنشود في النفس البشرية (المعرفة والوجدان والسلوك) أو (النفس والقلب والجوارح)، فهو منهجٌ للتكوين يبدأ من الفرد.
خصائص التربية
قالها الإمام "تميَّزت دعوة الإخوان بخصائصَ خالفَت فيها كثيرًا من الدعوات التي عاصرتها، ومن هذه الخصائص: العناية بالتكوين، والتدرج في الخطوات"، وقد تميَّز التكوين الدقيق والتربية عند الإخوان بخصائصَ لا يحيد عنها المربُّون، ومن ذلك أنها:
1- تربية ربانية: فإننا تحكمنا ربانية الدعوة التي ننتمي إليها، ومن ميزة الربانية التي تتسم بها دعوتنا أنها ربانية المصدر، بمعنى أنها تتلقَّى أوامرها من الله، وتسير وفْق مراد الله، وما أوجبه الله علينا، وربانية الوجهة، ومعناها أننا نبتغي بكل عمل نقوم به وجه الله وابتغاء مرضاته، ومن هنا فإننا برآء من مقولة (الغاية تبرِّر الوسيلة)؛ لأننا محكومون بأن نجعل الوسيلة ربانيةً أيضًا؛ فلا ننهج في التغيير أية وسيلة مرفوضة شرعًا، ولو كانت مؤديةً إلى تحقيق الغاية الربانية.
2- تربية شمولية: تتناول كل مكونات النفس البشرية (معرفةً ووجدانًا وسلوكًا)، فيعطي التكوين كل واحدة من هذه المكونات حقَّها في التغيير حتى تكتمل عملية التغيير التربوي، وإلا كان التغيير الذي نقوم به تغييرًا مشوَّهًا، ونتجت عنه شخصية مشوهة.
3- تربية وسطية: فلا إفراط ولا تفريط فيها، لا تميل إلى جانبٍ على حساب جانب، ولا تبالغ في أمرٍ دون أمر، تأخذ الأمور بوسطية واعتدال وتوازن.
4- تربية إنسانية: فهي تتعامل مع نفس بشرية لا مع جمادات؛ تأخذ في سيرها بالسنن الإلهية في التعامل مع النفس البشرية، وأن هذه النفس لها مقومات وخصائص ومشاعر وأحاسيس يجب أن تراعَى.
5- تربية متدرجة: تنتقل في خطواتها ومراحلها التكوينية وفق معايير متدرِّجة، ووفق خطوات مدروسة ومرسومة وواضحة المعالم، لا تتعجَّل النتائج، ولا تستبق الأحداث، ولا تتجاوز درجات السلَّم التربوي للتغيير المنشود، فمن استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه.
6- تربية مستمرة: فهي تبدأ من الميلاد الحقيقي للنفس البشرية؛ أي لحظة الالتزام الدعوي والتربوي، بل ربما تبدأ قبل ذلك في سن الطفولة، ثم تمتد بهذه النفس في مسيرة منتظمة مستمرة حتى الوفاة؛ فهي عملية تربوية لا تتوقف: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ (الحجر: 99)، ولا يدَّعي أحد فيها أنه فوق العملية التربوية مهما كانت منزلته.
7- تربية إيجابية: فهي دعوةٌ للأمل والفاعلية، ترتكز على البحث عن إيجابيات النفس والبدء بها والتركيز عليها ومحاولة تنميتها، وإضفاء روح الإيجابية البنَّاءة، والتفاعل المثمر، وبث روح الأمل في النفوس، والنظر إلى نصف الكوب الممتلئ بالماء لا الفارغ منه.
8- تربية واقعية: حيث تبدأ مع النفس من حيث هي، وتخاطبها وفق واقعها المحيط بها.
9- تربية مرنة: فهي تتلاءم مع ظروف العمل للدعوة وللأفراد وللمجتمع المحيط.
10- تربية حركية: فهي تقوم على التربية الميدانية التفاعلية، لا على التوجيه الفكري أو النظري.
11- تربية عميقة: فهي ليست أشكالاً سطحية للتربية الهشة، بل تغوص في أعماق النفس البشرية ومكنونات تلك النفس.
غاية التربية
لقد حدَّد الإمام البنا الغاية من التكوين الدقيق في الجماعة، وبيَّن أن للتربية والتكوين عند الإخوان غايتين:
1- غاية قريبة: تتمثَّل في التكليف الإلهي الفردي، نسعى إليها منذ اللحظة، ونسير في خطوط متوازية وليست متتالية لتحقيقها، وتتمثَّل في (إصلاح الفرد المسلم- بناء الأسرة المسلمة- إرشاد المجتمع) كلٌّ وفق شروط تكوينه وتربيته وتغييره، كما وضحها الإمام البنا بقوله: "فنحن نريد أول ما نريد يقظةَ الروح، وحياةَ القلوب، وصحوةً حقيقيةً في الوجدان والمشاعر، ونحن نريد نفوسًا حية قوية فتية".
2- غاية بعيدة: وتتمثَّل في التكليف الإلهي الجماعي، وقد تكون مرحلةً تاليةً، ولكنها لا تغيب، وتتمثَّل في (إيجاد الحكومة المسلمة- إعادة الخلافة الراشدة- الوصول إلى السيادة وأستاذية العالم)، وما ذلك على الله بعزيز.
وسائل التربية
ولقد أخذت جماعة الإخوان المسلمين بوسائل متعددة لبناء وتكوين الأفراد، والتي كان لها عظيمُ الأثر في إعداد وتربية الأجيال المتعاقبة من حمَلة هذه الدعوة المباركة والعاملين المجاهدين من أجل نصرة هذا الدين الحق، ولقد أثبتت الممارساتُ العملية لهذه الوسائل على مرِّ الزمن أنه لا بديلَ ولا غنى عنها، وأنها ما زالت صالحةً لتحقيق التربية السليمة والمتوازنة لأفرادها، ولقد حدَّدت الجماعة لكل وسيلةٍ دورَها في البناء والتكوين، نذكر منها:
1- الأسرة: هي اللبنة الأولى في بناء الجماعة وتكوينها، كما أنها أساس التكوين للأفراد، وأمثل الأساليب لتربية الفرد تربيةً متكاملةً، تتناول كل جوانب شخصيته، وتصوغ هذه الشخصية صياغةًً إسلاميةً وفق كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وتُعدُّ الأسرةُ من أهم الركائز التي يقوم عليها بناء الجماعة في تربيتها وفق نظام أسري؛ من أجل الاستمرارية وإعداد الفرد إعدادًا إسلاميًّا متكاملاً.
وفي ذلك يقول الإمام الشهيد حسن البنا: "يحرص الإسلام على تكوين أُسَرٍ من أهله، يوجِّههم إلى المُثُل العليا، ويقوِّي روابطهم، ويرفع أخوَّتهم من مستوى الكلام والنظريات إلى مستوى الأفعال والعمليات"، ويقول الأستاذ حسن الهضيبي: "وليس نظام الأُسَر إلا تحقيق معاني الإسلام تحقيقًا عمليًّا بين الإخوان، فإذا هم حقَّقوا ذلك في أنفسهم صحَّ لهم أن ينتظروا ما وعد الله به المؤمنين من نصر..".
ويُعتبر نظام الأُسَر هو البناء الدقيق للجماعة؛ لكي تستطيع القيام بمسئولياتها وواجباتها تجاه تحقيق النصرة لهذا الدين وتحقيق العزة والرفعة لأمتنا الإسلامية.
2- الكتائب: تعتني بتربية الروح، وترقيق القلب، وتزكية النفس، وتعويد البدن والجوارح على الاستجابة للعبادة بعامة، وللتهجُّد والذكر والتدبُّر والفكر بصفة خاصة.
3- الرحلات: تعتني بتقوية البدن، وكذلك الترويح عن النفس، وتوثيق العلاقة بين الأفراد، وتعميق الارتباط بينهم، كما تُعنَى بتدريب الأفراد على الاعتماد على النفس وحسن التصرف وتحمُّل المشاق، والتزام النظام، والحرص على الانضباط، واكتساب الخبرات العملية.
4- المعسكرات: تعمل على صَبغ حياة الفرد بصبغةٍ إسلاميةٍ لفترةٍ تشتمل على عددٍ من الأيام؛ ليكتسب السلوكيات الإسلامية والآداب القرآنية، ويتدرَّب على ممارسة الجندية بكل معطياتها، من طاعةٍ ونظامٍ وتحمُّلٍ وانضباطٍ والتزامٍ، كما يتدرَّب على تحمُّل المسئوليات العملية والتعرُّف على أعبائها وواجباتها.
5- المؤتمرات: تتيح للأفراد فرصةً جيدةً للاشتراك في المناقشة والحوار، كما تركِّز بعمقٍ ودقةٍ على تنمية الجانب الفكري والثقافي لدى الأفراد وتنمية الوعي وتعميق المعرفة لديهم تجاه القضايا المطروحة.
6- الدورات: تعمل على إكساب وتدريب الأفراد على المهارات الأساسية واللازمة في كافة مجالات وأنشطة الدعوة، كما تعمل على إكساب الخبرات والتجارب العملية بالتواصل الفعَّال مع أهل الاختصاص والخبرة.
7- الندوات: تُعنى بدراسة القضايا والمشكلات المطروحة والتعرُّف على جوانبها المختلفة وكيفية التعامل معها، كما تعمل على تعميق وعي الأفراد وتوحيد أفكارهم بما يحقِّق وحدة التصور والفكر.
إن هذه الوسائل التربوية بتكاملها وشمولها تعبِّر بصدق عن خصائص منهج التربية عند الإخوان المسلمين، وتدل على عبقرية البناء والتكوين عند الإمام الشهيد حسن البنا، الذي استطاع أن يؤلِّف ويربِّيَ الرجال أصحاب الهمم العالية والعزائم الصادقة، والذي سار على نهجه الأتباع والدعاة على مرِّ الأزمنة وفي سائر الأقطار.
قواعد التكوين
1- إن التكوين يهدف إلى استخلاص العناصر الصالحة لتحمُّل أعباء الجهاد في سبيل تحقيق الغاية، والأهداف التي من أجلها قامت دعوة الإخوان، والدعوة في مرحلة التكوين خاصةً لا يتصل بها إلا مَن استعدَّ استعدادًا حقيقيًّا لتحمُّل أعباء جهادٍ طويلِ المدى، كثيرِ التبعات.
2- إن مهمة التكوين الأساسية هي بناء الفرد المسلم المتكامل في فكره وخلقه، وروحه وسلوكه؛ ولذا كانت التربية الروحية أساس هذا التكوين.
3- تكوين الوعي في التربية يشمل: وعيًا عقائديًّا يستقيم به على دروب السلف، ويعصمه من مُحدثات الأمور والبدع، يقول الشهيد سيد قطب: "فحركتنا منضبطة بعقيدتنا، وعقيدتنا تنمو بحركتنا"، ووعيًا فقهيًّا يحمله على تتبع النص الصحيح أنَّى وجده، من غير سلاطة لسان على المقلِّدين ولا خشونة، ووعيًا سياسيًّا يُبعده عن الكمين الذي ينصبه له العدو، ويبصر به لوائح الخطر وإشاراته من على بُعد، ويدله على أماكن الفرص وأوقاتها ليستغلها.
4- إن التدرج في الخطوات من أصول وفقه العمل في دعوة الإخوان المسلمين، وفي ذلك يقول الإمام البنا رحمه الله في رسالة "هل نحن قوم عمليون": "ذلك واضح جليٌّ في الخطوات التي سلكتها دعوة الإسلام الأولى؛ فقد وضع الله لها منهجًا محدودًا يسير بالمسلمين الأولين رضوان الله عليهم- إليه من دعوة في السر، ثم إعلان بهذه الدعوة ونضال في سبيلها لا يمل، ثم هجرة إلى حيث القلوب الخصبة والنفوس المستعدة، فإخاء بين هذه النفوس، وتمكين عُرى الإيمان في قلوبها، ثم نضال جِدِّي، وانتصاف من الباطل للحق".
ثمرات التربية
لقد كان التكوين قائمًا على تخيُّر الأنصار وإعداد الأفراد وتعبئة الصفوف من بين هؤلاء المدعوين الذين سمعوا بالدعوة واقتنعوا بها، وقد حقَّقت التربية في دعوة الإخوان ثمارًا إيجابيةً في المجتمع والأمة، نذكر منها:
1- التفاف أكثر من نصف المليون حول الدعوة في فترتها الأولى، وقد تربَّوا على المبادئ والقيم الإسلامية، حتى صاروا حمَلةً للدين ودعاةً له؛ يضحون في سبيله بكل غالٍ ورخيصٍ.
2- تحويل المبادئ النظرية إلى حركة، وتحويل الأفكار إلى واقع ملموس، وتحويل الرسالة إلى رجال، وتحويل المنهج إلى جيل، والانتقال من ترديد الشعار إلى ممارسة الشعار، فكان أثر التربية واضحًا: "جرأةً في الحق، واستقامةً في الخلق، واعتزازًا بالدين، وجِدًّا في الدرس، ورجولةً مبكِّرةً، وثقافةً إسلاميةً متنورة، ومقدرةً بيانيةً واعيةً".
3- ثبات المعتقلين في الخمسينيات والستينيات، والذين بلغوا أكثر من 35 ألفًا، ولم يسقط في الابتلاء منهم إلا أعداد محدودة، وهذه هي سُنة الدعوات، وما زالت الأجيال ثابتةً جيلاً بعد جيل، رغم المحاكمات العسكرية السبع في تاريخ الإخوان، وآخرها محاكمة الشاطر وإخوانه الأخيرة.
4- تسابق الإخوان في الخروج إلى ساحات الجهاد، في تنافسٍ عجيبٍ على الموت في سبيل الله، فخرجت الآلاف من مصر وبلاد الشام والعراق والحجاز واليمن إلى الجهاد في فلسطين سنة 1948م.
5- عودة الروح لكثيرٍ من القيم التي كانت من مآثر جيل الصحابة والتابعين، مثل روح الأخوَّة الفريدة، والإيثار النادر، وعاطفة الحب في الله، والتضحيات العظيمة.. إلخ.
6- انتشار "مدرسة التربية والتكوين على منهج الإسلام الشامل العظيم" في ربوع العالم اليوم؛ حيث امتدت إلى أكثر من 90 دولةً تنتهج النهج التربوي الإخواني؛ تدعو أبناء الأمة ممن يقبل إلى أن يكون أحد تلاميذها، فتتعهَّده وتربِّيه وتكون لديه صفات المسلم الصحيح الكامل.
7- "ما أثر التربية الإسلامية في تكوين الشباب؟! هو أنتم أثرها، هو أن تُحيل ذلك الحطام الآدمي إلى شبابٍ مثلكم؛ شبابٍ متماسكٍ قوي خَشِنٍ مكافحٍ مؤمنٍ؛ باع نفسه لله؛ فأنتم المدلول الحي للتربية الإسلامية.. أنتم كلمة الله؛ لأن المسلم الحي هو كلمة الله في الأرض".. هكذا قالها الشهيد سيد قطب.
8- "إن هذه الجماعة لعبت دورًا إسلاميًّا رائعًا في حياة الصبيان والشباب والرجال، وغرست أخلاق الإسلام في الملايين، وجعلت الانتساب للإسلام مفخرةً يعتزُّ بها الكثيرون، ودفعت إلى المكاتب والمصانع والوظائف جماعاتٍ تعرف اللهَ وتخافه".. كلمات نطق بها أحمد شلبي في موسوعته التاريخية.
9- "إن الإمام البنا استطاع أن ينتشل الآلاف من شباب مصر من المقاهي ومواخير المخدرات والمسكرات؛ ليصنع منهم دعاةً إلى الإسلام، ويحوِّلهم من حالة الضياع إلى قوة شبابية تخوض غمار السياسة، مزاحِمَةً أقوى الأحزاب العريقة في مصر".. شهادة د. كاري ردزنيسكي الباحثة في جامعة هارفارد الأمريكية.
10- "الإمام البنا أعطى للشباب المصري الذي كان غارقًا في إدمان المخدرات والخمور معنًى جديدًا للحياة، من خلال العلم الذي كانوا ينهلونه من خلال اجتماعات الجماعة، ومن خلال قراءتهم لرسائل الإمام البنا، كما أنه استطاع أن يُعيد اندماج هذا الشباب الخامل الكسول في المجتمع المصري ليكون شعلةَ نشاطٍ في العمل الإسلامي".. شهادة د. ديفيد كومونز جامعة ويكنسون الأمريكية.
في كلمةٍ توجيهية من الإمام البنا إلى كل الإخوان، الدعاة منهم والمربين، السياسيين والإعلاميين، الكتَّاب والمفكرين، الإداريين والتنفيذيين: "أيها الإخوان.. إنكم في دور تكوين؛ فلا يلهِكُم السراب الخادع عن حسن الاستعداد وكمال التأهب.. اصرفوا تسعين جزءًا من المائة من وقتكم لهذا التكوين، وانصرفوا فيه لأنفسكم، واجعلوا العشرة أجزاء الباقية لما هو لكم من الشئون؛ حتى يشتدَّ عودكم، ويتم استعدادكم، وتكمل أهبتكم، وحينئذٍ يفتح الله بينكم وبين قومكم بالحق وهو خير الفاتحين".
ونصح الجميع قائلاً: "إنما تظهر الرجولة بالصبر والمثابرة، والجد والعمل الدائب، فمَن أراد أن يستعجل ثمرةً قبل نضجها، أو يقطف زهرةً قبل أوانها فلستُ معه في ذلك بحال، وخيرٌ له أن ينصرفَ عن هذه الدعوة إلى غيرها من الدعوات، ومن صبر حتى تنموَ البذرةُ وتنبتَ الشجرةُ، وتصلحَ الثمرةُ ويحينَ القطافُ فأجره في ذلك على الله، ولن يفوتنا وإياه إحدى الحسنيين؛ إما النصر والسيادة، وإما الشهادة والسعادة".