تسارعت الأحداث، ولهثت الأنفاس، وتأزَّمت المواقف، خلال الأيام القليلة الماضية، وتمثَّلت قمة المآسي، فيما تمخَّضت عنه أحداث يومي السادس والثامن من أبريل (هذا الشهر).
فلقد تحدَّد يوم 6/4/2008م يومًا للإضراب العام، وتوجَّهت دعوةٌ لذلك عبر رسائل البريد الإلكتروني بين الناس، وصدرت عن مواقع مختلفة، وتوزَّعت مسئولية الدعوة إليه بين كثيرٍ من هذه المواقع، ولم يكن هناك فصيل محدد أو جهة معينة أخذت على عاتقها مسئولية تنظيم هذا الحراك وتحديد أهدافه ومساراته، ووسائل تحقيقه والدعوة إليه وتجميع كل القوى الفاعلة في إطارٍ منظمٍ لضمان نجاح هذا اليوم والوصول به إلى درجة معينة من النجاح وتحقيق الأهداف.
ومن المعروف أن الفعاليات كلما كبُر حجمها، واتسعت رقعتها، وغطَّت كل طوائف الشعب ومختلف فئاته ومكوناته؛ كانت الحاجة إلى تنسيق الجهود وتوحيد المقاصد ورسم الأهداف بوسائل محددة ومنضبطة؛ بحيث يملك من ينظمها وسائل التحكُّم فيها وعدم انفلات الأداء، أو الخروج عن الإطارِ المحدد، ولا شك أن ذلك يختلف تمامًا عن الهياج العام الذي لا ضابطَ له ولا رابط.
والصورة بهذا الشكل جعلت الإخوان يحسبون لها حسابها؛ فهم ابتداءً لم يُدْعَوا إلى مشاركةٍ في اتخاذ قرارٍ بهذا الحجم من الأهميةِ مثل فعالياتٍ سابقة، كما حدث في وقفة "إستاد القاهرة" أو "مظاهرة الأزهر" المشهورة.
ثم إن مبدأ الإضراب، أيًّا كان حجمه ودوافعه، مبدأٌ قانونيٌّ ودستوريٌّ، ومن حق أي طائفةٍ أو فئةٍ مهنية أن تقوم به وصولاً إلى مطالبها وحقوقها، وبناءً على ذلك فإن بيانَ الإخوان الصادر في هذا الشأن لم يتنكَّر لمبدأ الإضراب كحقٍّ دستوري وقانوني، وفي إطار التشريعاتِ الدولية، وفي إطار التشريعات الدولية، بل أقرَّ ذلك ودعا إليه، في إطاره المنظم، وترك المشاركة فيه لأفراد الإخوان، كلٌّ حسب ظرفه وموقعه ضمن نسيج المجتمع، ويعيشون في أجزائه وخلاياه ويتفاعلون مع مشكلاته وقضاياه، ويسري عليهم ما يسري على غيرهم.
والغريب في الأمر أنَّ كثيرًا من القوى المعارضة وحتى المؤيدة قد نالت من تصرُّف الإخوان، وهاجمت موقفهم؛ إذْ ظنوا أنَّ الإخوان يجب أن يتبنوا فكرةَ الإضراب، ويعلنوا مسئوليتهم عنه وقيادتهم له، ويكونوا هم أول الصفوف، ويضحي الآخرون لآخر فردٍ من الجماعة، وليس ذلك من العقل ولا من العدل.
والدعوة إلى الإضراب كانت في بدايتها رغم عدم تحديد مرجعيتها أو محركها؛ كانت دعوة لالتزام الناس بيوتهم، واعتكافهم طوال هذا اليوم، ولم تكن هناك إشارة إلى النزول إلى الشوارع أو الميادين في شكل مظاهرات أو اعتصاماتٍ وخلافه.
وعند هذا الحد كان يمكن أن يلتزم الناس بيوتهم ويمتنعون عن الأعمال أو التعامل بيعًا وشراءً وحركةً.. إلخ، أما أن يكون معيار نجاح الفعالية بالخروج والتظاهر فهذا يخرج عن إطارِ الدعوة إليه ويحذِّر منه العقلاء في هذه الأمة، ومنهم الإخوان؛ فهم ليسوا دعاة فوضى ولا تخريب؛ إذْ من الطبيعي أن الخروجَ إلى الشارع عواقبه وخيمة، ويختلط فيه الحابل بالنابل، ولا يسلم الأمر من اندساس عناصر مختلفة ذات أهداف متنوعة، تتعرَّض معها المؤسسات والمنشآت والممتلكات للتلف والنهب والتحطيم، وهذا ما يأباه كل حريصٍ على مصالح الناس وثرواتهم وأمنهم.
صحيح أن الأحوال التي تواجه الناس.. كل الناس.. في منتهى الصعوبة والقسوة، والغلاء الفاحش قد حطَّم كل الحدود وفاق ما يحتمل الناس، ثم إن الفساد قد عمَّ وطمَّ، في الأمور المعيشية والاقتصادية والاجتماعية، وسوء توزيع الثروات وعائدات التنمية؛ حيث هناك هوَّةٌ سحيقة بين الأغنياء أو القطط السمان المستأثرين بالسلطة والثروة معًا، وبين الغالبية العظمى المطحونة، والتي ضمت في طياتها الطبقة المتوسطة؛ من مثقفين وأساتذة جامعات وقضاة ومفكرين، فلقد أضحى هؤلاء وغيرهم في عداد محدودي الدخل أو الفقراء؛ ولذلك لا تستغرب أن يطالب أساتذة الجامعات والقضاة وغيرهم بزيادة الأجور والرواتب، ويعلنون الإضراب أو الاعتصام للحصول على حقوقهم المهضومة.
وفي المظاهرات التي اندلعت في المحلة الكبرى على خلفية إضراب الأحد 6/4/2008م حدث نوع من الفوضى والهياج، ولم يتم احتواء المتظاهرين بصورةٍ حضاريةٍ ومعقولة؛ إذ إن تصرف الأمن كان في نظر أكثر المراقبين هو الذي زاد من حدَّة المواجهة، وأخرج المظاهرة عن سياقها وإطارها إلى نوعٍ من التصرفات الطائشة والأعمال المخربة، ولا ندري الأهداف من وراءِ هذا التحوُّل المدمّر، ولا ما يُراد بهذا البلد، وراحت جهاتٌ كثيرةٌ، ومنها الأمن، تبحث عن مِشجَب تعلق عليه كل الأخطاء والتجاوزات.
وبدأت الأصابع تشير إلى العمَّال مرةً وإلى البلطجية واللصوص وعصابات النهب والسلب أخرى، ولم تعثر على جهةٍ أو فئةٍ معينة يمكن تحميلها مسئولية ما حدث، وهذا ما حدا بالدكتور عبد الوهاب المسيري منسق حركة كفاية في مؤتمره الصحفي الأخير أن يُعلن تقديره لموقف الإخوان وقبوله لرؤيتهم، وإشارته أنه لولا ذلك لعُلِّقت المشانق لهم في الميادين!.
إن مسئولية ما حدث أو يحدث أيها السادة إنما تقع على النظام كله؛ فقد ترك الأمور في كل الجوانب تتأزَّم وتتأزَّم، ولكن إلى متى الصمت والسكوت؟ وهل تسكين الآلام والجروح بقليلٍ من الجنيهات كحوافز للعمال في المحلة كفيل بالعلاج؟!
أعتقد لا.. فالمسألة تحتاج إلى شمولية العلاج، كما أن قضية الغلاء هي انعكاس لمشكلات سياسية عميقة تنخر في بنية النظام؛ حيث يصادر الديمقراطية ويتنكَّب للإصلاح، ويجمد بل يعادي تداول السلطة ويقطع الطريق على الحريات العامة بقوانين وإجراءاتٍ مشبوهة تُكرِّس الفساد والاستبداد.
والحدث الثاني الذي يحتاج إلى حديث هو انتخابات المحليات، وكان في الثلاثاء 8/4/2008م، وكان قرار الإخوان في بداية الإعلان عنها هو عزمها خوض هذه الانتخابات بنسبٍ لا تتجاوز 20% من مجموع المقاعد، مشاركةً لا مغالبة، ومنذ إعلان ذلك بدأت الاعتقالات العشوائية ومداهمة بيوت قيادات الإخوان؛ حيث تم اعتقال أكثر من ألف قيادي في أيام معدودة، وامتلأت بهم السجون ظلمًا وعدوانًا، وأطلقوا على هذه العملية بالإجراءات الاستباقية؛ أي قبل فتح باب الترشيح بالفعل، ولم يمنع ذلك أحدًا من أن يجهز أوراقه، ويرتب أموره لدخول هذه الانتخابات، ولكن بروح الإقصاء والإبعاد القسري جرى تجفيف مصادر دخول الإخوان من المنبع؛ وذلك خلافًا لما جرى عليه الحال في المرات السابقة التي كان يقتصر فيها المنع في يوم الانتخاب والتزييف والتزوير لإرادة الناخبين.
الآن تفتَّقت الأبلسة عن فكرة المنع والتجفيف من المنبع؛ أي منذ لحظةِ تقديم الأوراق، فقد حال بلطجية الحزب مدعومين برجال الأمن دون أن يتقدم أحد للجنة قبول الطلبات، سواءٌ من الإخوان أو من أحزاب المعارضة الرسمية، وحتى الأعداد المحدودة التي تمَّ قبولها من هذه الأحزاب؛ فإنَّ ذلك قد تم في اليوم الأخير لقبول الطلبات تحت إشراف الأمن؛ حيث هو الذي اختار أشخاصهم وقدَّم أوراقهم للجنة المختصة، وذلك في إطار ترك الفتاتِ وما يجود به الحزب المستأثر من فضلاتٍ، ولم يكن ذلك في إطار تنافس انتخابي شريف وفق معايير ديمقراطية؛ حيث يعلم الحزب الحاكم أنه أول الخاسرين من هذا الجو النظيف.
ولقد كان في الحسبان أن يشارك عشرة آلاف مرشحٍ في هذه الانتخابات، حصل منهم أربعة آلاف على أحكامٍ قضائيةٍ للإدراج في القوائم، ولكن.. هيهات أن يستمع أحد لصوت العقل أو القانون!! وحصل عددٌ كبيرٌ من الإخوان على أحكام بطلان العملية الانتخابية بعد ما تمَّ رفض إدراجهم!.
وإزاء تعنُّت النظام وإصراره على الإقصاءِ أو الإبعاد المتعمَّد لكل عناصر المعارضة أو الإخوان؛ ولأنه قد ظهر واضحًا عدمُ قابلية الحزب الحاكم للإصلاح أو حتى مشاركة الغير في إنقاذ الأمة من الفساد والضياع التي تتردَّى فيه الأحوال.. ولأن كثيرًا من المتشبِّثين بالمقاعد أو الكراسي غير مستعدين لتركها حتى ولو انكشف باطلهم وفسادهم، وتبيَّن أن "الفساد في المحليات للركب".. ولأنَّ المشاركة في الانتخابات بعد كل ذلك وبعدما انكشف المستور أصبحت غير ذات جدوى.. نقول: إنَّ قرار مقاطعة الانتخابات قبيل إجرائها كان قرارًا صائبًا، جاء في وقته وفي حينه؛ حيث لم يكن من اللائق أو المعقول وضع مساحيق لوجهٍ مشوَّهٍ أو طلاء بيت مهدم آيل للسقوط، (وماذا يفعل العطار فيما أفسد الدهر؟!).. وبالله التوفيق.