هذا الإفك الصراح والظلم البَوَاح الذي حاق بإخواننا المحالين للمحاكمات العسكرية، يستلزم منا أن نجمل القول إلى من يهمه الأمر، والكل يهمُّه الأمر..

 

1- إلى الحاكم العسكري الذي أمر بإحالة الإخوان إلى المحاكم العسكرية..

لا خير فيك إن لم تسمعها ولا خير فينا إن لم نقلها؛ فاتق الله، واتق دعوةً ليس بينها وبين الله حجاب وقد أقسم الله تعظيمًا لشأنها "وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين"؛ ألا وهي دعوة المظلوم، واعلم أن الظلم يأتي يوم القيامة ظلمات.

 

نُصب عينيه أضع قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "يجيء الظالم يوم القيامة، حتى إذا كان على جسر جهنم بين الظلمة والوعرة لقيه المظلوم فعرفه، وعرف ما ظلمه به، فما يبرح الذين ظلموا يقصون من الذين ظلموا حتى ينزعوا ما في أيديهم من الحسنات، فإن لم تكن لهم حسنات ردَّ عليهم من سيئاتهم حتى يورد الدرك الأسفل من النار" (رواه الطبراني في الأوسط ورجاله وثقوا).

 

أيها الراعي المسئول أمام الله عن رعيته.. أيهما أولى بالأخذ: من دمَّروا صحة الشعب بالهرمونات المسرطنة.. من نهبوا أموال الشعب والبنوك وفروا هاربين.. من أطعموا الشعب جيف الحمير.. من ذهبوا بأخلاق الشباب أدراج الرياح.. من حطموا صرح التعليم في مصر.. أم هؤلاء الشرفاء الأمناء الصلحاء؟!

 

2- إلى قاضي العسكرية.. أذكِّر:

قال أحد الصالحين: ما هبت أحدًا قط هيبتي رجلاً ظلمتُه وأنا أعلم أن لا ناصرَ له إلا الله، يقول لي: حسبي الله.. الله بيني وبينك، وعن عبد الله بن سلام قال إن الله تعالى لما خلق الخلق واستووا على أقدامهم؛ رفعوا رؤوسهم إلى السماء وقالوا: يا رب.. مع من أنت؟ قال مع المظلوم حتى يؤدَّى إليه حقه.

 

وعن وهب بن منبه: أن عجوزًا فقيرةً بنت كوخًا تأوي إليه، بجوار قصر ملك جبار، فطاف الجبار يومًا حوله فرأى الكوخ فلم يعجبه ذلك، فأمر به فهدم، فلما علمت بذلك العجوز رفعت يدها إلى السماء.. يا رب إذا لم أكن أنا حاضرة فأين كنت أنت؟ قال: فأمر الله جبريل أن يقلب القصر على من كان فيه فقلبه.

 

توق دعا المظلوم إن دعاءه ... ليُرفع فوق السحب ثم يجابُ

توقَّ دعا من ليس بين دعائه ... وبين إله العالمين حجابُ

ولا تحسبن الله مطرحًا له ... ولا أنه يخفَى عليه خطابُ

فقد صح أن الله قال: وعزتي ... لأنصر المظلوم وهو مثابُ

فمن لم يصدق ذا الحديث فإنه ... جهول وإلا عقله فمصاب

 

ولعل سؤالاً يستأسر نفسك: أنا عبد المأمور وسواءٌ حكمت على الإخوان أو استعفيت من هذا الحكم، فلن يُعدم النظام من يحكم بذلك بل إنني حينها سأضارّ وأهلِك، فأنى لي بذلك؟

التاريخ يجيبك أيها القاضي بملء فيه:

يتابع عمر بن هبيرة القاضي الحسن البصري فيما يبعث به من أوامر، هل نُفِّذت أو لا؛ علمًا بأن هذه الأوامر احتوت على بعض الأمور التي فيها ظلم، فما كان الحسن البصري (القاضي الذي ينفِّذ كلام السلطان القائد) إلا أن توجه تلقاء الوالي، ووعظه موعظةً قويةً؛ أمره فيها بالمعروف ونهاه المنكر، ولم يداهنه، وكان مما قال: يا ابن هبيرة، خف الله في يزيد، ولا تخف يزيد في الله، واعلم أن الله عز وجل يمنعك من يزيد، وأن يزيد لا يمنعك من الله، يا ابن هبيرة إنه يوشك أن ينزل بك ملك غليظ شديد لا يعصي الله ما أمره فيزيلك عن سريرك هذا، وينقلك من سعة قصرك إلى ضيق قبرك؛ حيث لا تجد هناك يزيدًا، وإنما تجد عملك، يا ابن هبيرة إنك إن تك مع الله تعالى وفي طاعته يكفِك بائقة يزيد في الدنيا والآخرة، وإن تك مع يزيد في معصيته فإن الله يكلك إلى يزيد، واعلم يا ابن هبيرة أنه لا طاعة لمخلوق كائنًا من كان في معصية الخالق عز وجل، فبكى عمر بن هبيرة حتى بلَّلت دموعه لحيته، وأكرم الحسن البصري إكرامًا شديدًا.

 

فلا تخَف رئيسًا ولا مسئولاً في الله، ولكن خف الله في عملك يكفك الله شر كل ذي شر.

 

3- إلى جموع الإخوان..

إلى الله توجَّهوا بالدعاء أن يربط على قلوب إخوانكم، ومِن صبرهم وثباتِهم وجهادِهم وتضحيتِهم، نحسبهم كذلك ولا نزكيهم على الله، خذوا أهبتكم وقووا عزيمتكم، ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (146)﴾ (آل عمران).

 

وأيقنوا أنه لا مجال لليأس، فهو لا يُطيل أمدًا، ولا يبني أممًا، وأنه واليأس والقنوط ركنا الكفر والضلال، لا ينفك يأس عن كفر ولا قنوط عن ضلال، ومهما استبد بمصلحة الوطن مستبدٌّ أو حال دون رقي الوطن ونمائه حائلٌ، فلزامًا علينا أن نظل على طول الخط متفائلين؛ أملنا في الله كبير، ورجاؤنا في ربهم لا حدَّ له؛ لأن الإمام المؤسس غرس فينا "لا تيأسوا.. فليس اليأس من أخلاق المسلمين، وحقائق اليوم أحلام الأمس، وأحلام اليوم حقائق الغد..".

 

4- ويا أهالي المعتقلين..

ليكن لأطفال المعتقلين في طفولة النبي ونشأته يتيمًا وبنات النبي اللاتي تحمَّلن الحصار والمقاطعة وشظف العيش، وفي إسماعيل الرضيع الذي تركه أبوه في صحراء جرداء.. ليكن لهم جميعًا في كل هذا خير قدوة، شعارهم شعار رضيع الأخدود: "اثبت أبي؛ فإنك على الحق".

 

وليكن لأخواتنا الزوجات في خديجة الوفية الصابرة المجاهدة وفي زوجة أيوب عليه السلام وفي هاجر الوفية الصابرة خير أسوة، شعارهن: "فلن يضيِّعنا الله".

 

وليكن لأمهات المعتقلين وآبائهم في أمِّ موسى وفي سيدنا يعقوب خير مثال.. شعارهم: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (83)﴾ (يوسف).

 

5- وإلى الشرفاء خلف القضبان..

موقف الدعاة أمام بطش الطواغيت وإغراءاتهم هو الثبات والصبر والصمود والاحتساب عند الله، ورسول الله صلى الله عليه وسلم خير قدوة في هذا، تعرَّض لمساومات عديدة ومضايقات حتى يتنازل عن بعض أموره الدعوية ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (9)﴾ (القلم) أي ودوا لو تلين لهم، وتقبل مساومتهم، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم كان حاسمًا في موقفه ثابتًا على مبدئه، حتى وهو في أشد الأوقات تأزمًا، لا.. لم يرضِ الكفار قط ولو بحرف واحد يسخط ربه، وكل هذا بتثبيت الله وفضله وحفظه لمن ضحى لربه ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنْ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِي عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً (73) وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً (74) إِذًا لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا (75)﴾ (الإسراء).

 

إلى الصمود والصبر أيها الإخوان فالزموا، وعلى الثبات والجهاد امضوا، والله معكم ولن يتركم أعمالكم.. لا تثنِكم اعتقالات ولا تقوِّض عزائمكم سجون أو تضييقات، والزموا طريق الدعوة مهما كاد بكم الكائدون وحال بينكم وبينها المثبطون "سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه، فقتله"، ولا تلتفوا للترهات فـ"من التمس رضا الناس بسخط الله وكله الله إلى الناس".

 

واعلموا أنكم بصبركم تصنعون لكم تاريخًا يبقى أثره مدى الزمان، وحضارةً تتحطَّم عليها كل ألوان الفساد.. فافخروا بدعوتكم و﴿اسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمْ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (111)﴾ (التوبة).

----------

alezah2000@hotmail.com