![]() |
|
محمد رجب سالم |
"يا بائع الفجل بالمليم واحدة كم للعيال وكم للمجلس البلدي"
قائل هذا البيت هو شاعر العامية الراحل "بيرم التونسي" رحمه الله، وقد قال الرجل هذا البيت، وجعله مطلعًا لقصيدةٍ كتبها في القرن الميلادي الماضي، مُسجِّلاً فيها سخريته من تشكيل وأداء المجلس البلدي بمدينة الإسكندرية، التي كان يقطنها من مهده إلى لحده.
تبادر إلى ذهني وقفز إلى خاطري هذا البيت وأنا أتابع بمرارة وحسرة- مثلما أحرار هذا الشعب- ترشيحات المجالس المحلية في محافظات ومدن وقرى مصر الحبيبة المقهورة؛ حيث بدا واضحًا تكشير قيادات الحزب الحاكم عن أنيابها؛ استعدادًا لافتراس معارضيها بكافة الطرق وشتى الوسائل غير المشروعة (طبعًا)؛ إعمالاً للمبدأ الميكافيلي "الغاية تبرِّر الوسيلة"، بعدما نجحت هذه القيادات في تغييب الإشراف القضائي الشريف والنزيه عن ساحة الانتخابات عمومًا؛ وذلك من خلال "التعديلات الدستورية"، عفوًا.. أعني "التعدِّيات الدستورية"، التي عرفها القاصي والداني من شعوب المعمورة؛ حتى يتسنَّى لها تقديم من تشاء وتأخير من تشاء.
قلت في نفسي: لو كان "التونسى" حيًّا بيننا الآن لقال في سائر مجالسنا وانتخاباتنا قصائد رثاء، لا قصيدة استهزاء.
وكما يقول المثل العامي: "لا يرحمون، ولا يتركون رحمة ربنا تنزل"، فإن حكومة الحزب الحاكم بكافة رجالها لا يفعلون الصواب، ولا يتركون غيرهم يفعله، بل الأدهى والأمرُّ أنهم لا يقبلون نصحًا ولا إرشادًا من خارج دائرتهم التي تجمع أفرادَها المصالحُ الشخصية، ولا صلةَ بينهم وبين المصالح العليا للوطن، اللهم إلا من خلال الشعارات الجوفاء، التي يجيدون صياغتها، ولا يملون من ترديدها، مثل الشعار الفج "مصر بتتقدم بينا"، (فعزاءً لمَن فارقهم الحياء)، و"إذا لم تستحِ فاصنع ما شئت" كما أُثر عن الأنبياء.
وأوضح دليلٍ على أن المصلحة الشخصية وحدها هي الغاية والهدف لدى أولئك القوم، هو هذا السخط، وهذا التبرُّم الصادر من قيادات قديمة عندما استُبعِدت من الترشيحات الحالية، لتحلَّ محلَّها وجوه جديدة؛ الأمر الذي حدا بالحرس القديم المغضوب عليه أن يكيل السباب لقادته، ويعلن الآن (فقط) أنهم بلا مبادئ تجمعهم، ولا قيم تربط بينهم، وأن قيام أولئك القادة باستبعاد أولئك التابعين وتغييبهم عن الساحة السياسية لون من الجحود، وضرب من النكران لجهودهم (في خدمة سادتهم وأطماعهم طبعًا).
وإني لأتساءل ويتساءل معي كل حر غيور يحيا على تراب هذا الوطن: أيها المستبعدون.. لماذا تغضبون الآن وتقولون هذه الحقائق؟! ولِمَ لَمْ تقولوها وأنتم فوق كراسي السلطة؟! أيها المغضوب عليهم.. لماذا لم تُجرِّبوا أن تغضبوا مرةً واحدةً لله أو للوطن؟!
أليس هذا أوضح دليلٍ على أنكم كنتم تحيون حياةَ النفاق وتعيشون عيشة المداهنة، التي عبَّر عنها شاعرٌ بصدق، وصورها بدقة حين قال:
ما دمت في جنة النفاقِ فاعدل بساق ومِل بساقِ
ولا تقـارب ولا تبـاعد ودر مع الثور في السواقي
وضاحك الشمس في الدياجي وداعب البدر في المحاقِ
ولا تحـقق ولا تدقق وانسب شامًا إلى عراقِ
وقل كلامًا بغير معنى واحلف على الإفك بالطلاق
ولا تصادق ولا تخاصم واستقبل الكل بالعِناقِ
فأي شخصٍ كأي شخص بلا اختلاف ولا اتفاقِ
وأي شيء كأي شيء ما دمت في جنةِ النفاقِ
ثم دعوني أسأل سادتكم وكبراءكم أيضًا: لماذا هذا الإصرار على كبت المعارضة ومصادرة الرأي الآخر؟! أليس المعارضون وأصحاب الرأي الآخر مواطنين مصريين حريصين على مصلحة الوطن والخير لأبنائه؟! فلماذا تقفون منهم موقف العداء على طول الخط؟! ولماذا يحترم الغرب الديمقراطية وينعم بها، بينما يُحرم منها الشرق العربي الأصيل، الذي قدَّم للعالم في عصوره الزاهرة أروع صور الشورى والعدل والمساواة وتكريم الإنسان، الذي استخلفه الله تعالى في أرضه؟!.
حدثني شهود عيان عن ظاهرةٍ غريبةٍ حدثت أثناء تقديم المرشَّحين ملفاتهم؛ هذه الظاهرة يمكن تسميتها بـ"الطابور المجمَّد"؛ حيث تفتقت قريحة "قسم البلطجة" بالحزب الحاكم عن فكرة شيطانية؛ للحيلولة دون تقديم المعارضين أوراق ترشحهم، وخلاصتها أن يتم دس مجموعة كبيرة من المرتزقة في كل طابور، تحمل ملفات وهمية؛ حتى يطول الصف ويضيع الوقت وتنقضي أيام التقديم، وفي موقعٍ آخر كلَّفت الحكومة أحد البلطجية بخطف مجموعة ملفات كان يحملها أحد السادة المحامين لتقديمها إلى إحدى اللجان بموجب توكيلٍ رسمي.
وأما عن حملات الاعتقال والمداهمة، فحدِّث ولا حرج؛ فقد أضحت ظلمًا مألوفًا للصغير والكبير من أبناء هذا الشعب الصابر المحتسب.
وهكذا يزداد وجه الحكومة تشوُّهًا، وتصرُّفاتها سلبيةً واستهتارًا.. فهل تُرجى للأمة نهضة، وللشعب تقدم في ظل هذا المستنقع الآسن من البغي والقهر والطغيان؟!
وأخيرًا أقول: عجبت حين قرأتُ بيتين من الشعر قالهما شاعر مصري عايش العصر المملوكي في أرض الكنانة، ونصُّهما:
نبكي على مصر وسكانها فقد خربت أركانها العامرة
وباتت بالذل مقـهورةً بعد أن كانـت هي القاهرة
وقلتُ في نفسي: لو طال العمر بذلكم الشاعر وعايش ما آل إليه حال مصر الآن لجفَّ بيانه وتوقف لسانه، وزُلزل كيانه وشُلَّت أركانه، ولحُمل إلى قبره غير مأسوف عليه، إلا من الأحرار الشرفاء، وما أقلهم في هذا الزمان، وما أندرهم في هذا العصر والأوان.
-----------
* داعية وكاتب إسلامي
