هناك هجمة شرسة على الإسلام والمسلمين، وعلى كل ما يُمثله الإسلام من قيمٍ ومبادئ، وأفكار وثوابت، وموازين ومعايير، وتتنوع هذه الهجمات بتنوع مجالات الحياة وتفريعاتها؛ فهي تتجه إلى الناحية الاقتصادية تارةً، وإلى الناحية السياسية تارةً أخرى، كما تتناول الجوانب الاجتماعية مرة، والنواحيَ التشريعية مرةً أخرى.. إلخ.

 

وإذْ نُشير إلى هذه الهجمات إجمالاً فإننا لا نضيق ذرعًا لكل ما يُوجَّه إلى الإسلام من هجومٍ أو نقدٍ ولا نُصادر الرأي الآخر مهما كان موغلاً في الغلوِّ والتطرف وسوء القصد، أو جانحًا نحو الكذب والافتراء والزيف والاختلاف، لا نخشى من ذلك كله ولا نهابه أو ننزعج منه؛ ذلك أن الإسلام دينٌ ارتضاه الله للبشريةِ جميعها إلى قيام الساعة، وهو بالتالي خاتم الديانات؛ فلا دينَ بعده، ورسوله- صلى الله عليه وسلم- آخر الأنبياء وخاتمهم؛ فهو آخر الرسل، وكتابه- وهو القرآن- آخر الكتب المنزَّلة من الله عزَّ وجل؛ فهو خاتم الكتب وآخرها، ولا كُتبَ بعده.

 

ولا غرابةَ أن يكون للإسلام من القوة الذاتية ما تنكسر على حقائقه سهام الكيد، وتطيش عنه كل طلقات الحقد، ويستعليَ بفضل الله على عوامل التغيير أو التحريف أو الالتواء والتزييف؛ لأنه- أي الإسلام- محفوظ بحفظ الله له، وفي كنف الله ورعايته وصونه إلى آخر الدنيا بحسب وعد الله بذلك: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ(9)﴾ (الحجر)، ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (فصلت: 42).

 

نحن نثق بالله عزَّ وجل، ونثق بهذا الدين العظيم الذي نتشرَّف بالانتساب إليه، ونحرص أشد الحرص أن نكون أهلاً لهذه النسبة أو الانتساب الشريف، وأن يزيدنا ثباتًا واستمساكًا بحبله المتين وصراطه المستقيم؛ حتى نكون أهلاً لرضاه سبحانه ورحمته، ويسلك بنا سبيل الصالحين وطريق الراشدين، ونظل جندًا عاملين إلى أن نلقاه غير مبدلِّين ولا مضيِّعين.

 

وثقة المسلمين بالله عزَّ وجل ونصره وتأييده وبالمنهاج ومزيته وصلاحيته، وبكل ما جاء به الإسلام جملةً وتفصيلاً.

 

ولكن.. هناك أمرٌ نخافه ونحذر منه، ويجب أن ينتبه إليه كل العلماء والدارسين والمتخصصين كما الغيورين وأهل الدعوة؛ ذلك أن خصومَ الدين لا يهدأ لهم بال ولا تغُمَض لهم عين حتى يصوِّبوا سهامهم إلى القلبِ والصميمِ من الإسلام، ويحاولوا تغيير الشريعة بكل ألوان المكر والخبث والحيل.. ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ (البقرة: من الآية 217)، ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ (البقرة: من الآية 120)، ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾(البقرة: من الآية 109).

 

نقول ذلك ونحذر منه، رغم أن الإسلام علَّمنا أن نتعامل مع الناس- كل الناس- بحسن النية وسموِّ القصد، ولا نُصدر أحكامًا جزافيةً، إنما نُصدرها وفق وقائع موضوعية وحيثيات واقعية وقضايا أو مقدمات ملموسة؛ حتى لا نظلم أحدًا أو نحاكم النوايا أو نشق عن الصدور.

 

ولقد أشرنا في بداية الحديث إلى أنَّ جبهاتِ الحرب على الإسلام متعددة، وتشمل جوانب كثيرة، ونُركِّز كلامنا هنا على الجوانب الاجتماعية، وخاصةً ما يتعلق بمؤسسة الأسرة.

 

فالإسلام يُولي هذه المؤسسة رعايةً كاملةً، وقد أفرد لها مساحةً واسعةً من التشريع والتقنين والنصوص ما جعل هذه المؤسسة مستقرة وثابتة من حيث رعاية المرأة والطفل وبناء الأسرة وتربية الأولاد، وحقوق الرجل والمرأة والحضانة والمواريث.. إلخ؛ ما جعل هذه التشريعات والنظم الاجتماعية نموذجًا يُحتذى على مرِّ العصور والأزمان، ولا غرابةَ أن تستقيَ بعض البلاد الأوروبية نظامها في المواريث من الإسلام.

 

ولكن أتى علينا حينٌ من الدهر ضَعُفَ فيه أمر المسلمين، وصار حكامهم وذوو السلطان فيهم من الضعف والهزال ما جعلهم يبتعدون عن الشريعة ويصادمون الإسلام، وينحَون نحو الغرب في كل شيء حتى لو دخلوا جُحرَ ضبٍّ خَرِبٍ يدخلونه معهم، وشاب كثيرٌ من الغبش وَحَول العيون كثيرًا من المفكرين وأهل الرأي، حتى إنهم يتبنَّون كل ما يناقض الإسلام ويحصره في الزوايا والمساجد والعبادات الفردية دون أن يكون له أثره في واقع حياة الناس.

 

وصارت العولمة هي دين البشرية الجديد المعاصر تحت دعاوى أن العالم الآن أصبح قريةً واحدةً، وأنه لا بدَّ- كعربونٍ للتقدم والحضارة والمدنية- أن يأخذ الناس بمن فيهم المسلمون كلَّ الحضارةِ الغربية بما لها وما عليها؛ بجدها وهزلها، بعلمها وانحرافها.

 

نقول: إنَّ الجوانب الاجتماعية في الإسلام قد نالت من عوامل الهدم وأساليب التدمير، وتنوع الأسلحة وعنت الخصومة ما يحاولون به محو كل أثرٍ للإسلام على هذا الجانب الاجتماعي؛ بحيث تصبح حياة المسلمين بعد ذلك بعيدةً كل البعد عن هدايةِ دينهم ونور ربهم، وحاشا لله أن يتركهم هكذا نهبًا للأعداء وفريسةً للضالين المضلين.

 

فمنذ منتصف التسعينيات في القرن الماضي ونحن نسمع ونرى مؤتمرات السكان التي تتبنَّاها هيئة الأمم المتحدة؛ حيث تتخذ من القراراتِ والتوصيات في جوانب الحياة الاجتماعية، وفي مجال الأسرة والمرأة والطفل والزواج والطلاق وتعدد الزوجات، ما يحاولون به سلخ المسلمين عن هويتهم وقيَمهم التي تطبَّعوا بها من دينهم، ويُضاف إلى ذلك المساواة في الميراث بين الذكر والأنثى والتسوية في الشهادة بينهما، وقبول شهادة الكتابي (الذِّمِّي) وميراث الزوجة الكتابية وفقًا لرأي د. زينب رضوان، ولا يقتصر أمر هذه المؤتمرات على التوصية أو الدراسة أو النصيحة؛ بل يتعدَّى ذلك إلى إخراج وترجمة ذلك كله إلى واقعٍ قانوني وتشريعي له قوة الواقع، وتقوم على تنفيذه السلطات الحاكمة بما لها من قوةٍ ونفوذٍ وسطوةٍ وبما يتم النص عليه من عقوباتٍ رادعة لمَن يخالف هذه القوانين حتى ولو كانت متصادمةً مع دينِ الأمة وعقيدتها.

 

ولنأخذ مثلاً لذلك: فإنَّ المجلس القومي للأمومة والطفولة يعرض في هذه الأيام تعديلات للقانون رقم 12 الصادر عام 1996م، وقد وافقت على هذه التعديلات أغلب الجمعيات الأهلية وتوجهات المجتمع المدني وساندت المجلس القومي للمرأة والطفل باعتبار هذه التعديلات متمشِّيةً مع المرجعية الدولية المتمثِّلة في الاتفاقات الدولية لحقوق الطفل وكافة المواثيق الأخرى التي التزمت بها مصر لتنفيذها.

 

ولقد تبيَّن أن أغلب هذه المواثيق- وفق المنظور الإسلامي- ليست بعيدةً عن الشبهات، بل إنها كذلك سيئة السمعة ومشبوهة القصد والغرض.

 

والوثيقة الصادرة بهذا الشأن من هيئة الأمم المتحدة في 10/5/2002م تحمل شعارات برَّاقة: (عالم جدير بالأطفال)، (إزالة جميع أشكال التميُّز ضد الطفلة الأنثى)، ولكن تفوح منها رائحة الدعوة إلى الشذوذ والانحلال الأخلاقي وتدمير بناء المجتمع المسلم.

 

وهناك دراسة جيدة أعدتها ونشرتها الأستاذة "دعاء وجدي" منشورة على (إخوان أون لاين) بتاريخ 26/3/2008م تتناول بشيءٍ من التفصيل هذه الوثيقة، واستطلعت على بنودها آراء كثيرٍ من العلماء والفقهاء وأهل الرأي، وأجمع أكثرهم على مخالفةِ أغلب عناصر هذه الوثيقة لمبادئ الإسلام وقيَمه.

 

وحسبنا هنا في هذه العجالة أن نُشير إلى أهم مرتكزات هذه الوثيقة دون التوسع في التفاصيل لضيق الوقت، وسوف نعاود الحديث عنها بعد ذلك؛ وصولاً للفائدة وتعميمًا للوعي العام بخطورةِ ما يتم.

 

1- السعي لرفع الحدود الدنيا لزواج الفتاة في مصر إلى 18 عامًا، مع ما يؤدي إليه ذلك من انتشار الفاحشة والزواج السرِّي والعلاقات غير الشرعية (تحريم الحلال)، وفي المقابل يُباح للطفلة دون هذ السن الممارسات الجنسية متى أصبحت ناشطةً جنسيًّا، ولكن بصورةٍ آمنةٍ مع تدبير وسائل منع الحمل لها (تحليل الحرام).

 

2- تجريم ختان الإناث بمعاقبة كل مَن يُجري أو يُشرع في إجراء ختان لإحدى الإناث بالحبس أو الغرامة، مع ما في ذلك من مخالفة للشرع.

 

3- اشتراط توقيع الكشف الطبي على المُقبِلين على الزواج، وإلا بطل العقد للتحقق من خلوِّهما من الأمراض، ومعاقبة مَن يُخالف ذلك بالحبسِ أو بالغرامة، وإن كان العلماء لا يمنعون ذلك، إلا أنهم يستنكرون أن يصل إلى بطلان العقد بدون هذا الكشف الطبي، ويرونه تزيُّدًا لا يجوز.

 

4- وتنص الوثيقة بأن يكون نَسَب المولود لأمه أو مَن يعترف بأبوَّته أو أمومته، ونصَّ على أن للأم الحقَّ في الإبلاغ عن وليدها وقيده بسجلاتِ المواليد واستخراج شهادة ميلاده منسوبًا إليها كأم؛ وفي ذلك مخالفة للشرع ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ﴾ (الأحزاب: من الآية 5)، ولعلنا نتذكر محاولات العلمانيين اليساريين في هذا الصدد، وعلى رأسهم "د. نوال السعدواي" ومحاولاتهم الترويج لدعوى انتساب الفرد لأمه بدلاً من أبيه.

 

5- حق الطفل في التقدم بالشكوى حين تعرُّضه للعنف والإيذاء من جانب والديه أو متولِّي أمره (دون تحديد ما هو نوع التأديب الذي يعده ذلك القانون عنفًا ضد الطفل، وما هي حدود الاستقلال الذي سيناله الطفل بحياته وممارسة حريته دون أي عنفٍ أو تدخل من الآباء)، ولا يخفى ما يحمله ذلك من بُعدٍ عن التربية الإسلامية الصحيحة وتدميرٍ للعلاقة الحميمة بين الآباء والأبناء.

 

هذا، وهناك كثيرٌ من الألغام التي تحملها هذه الوثيقة لا نمل من الإشارة إليها في مراتٍ قادمة.

وبالله التوفيق.