الصورة غير متاحة

 م. علي نويتو

سانت كاترين في سيناء، ودرنكة في أسيوط دير العذراء، أما سانت كاترين فذلك قبل عام 88 من القرن المنصرم؛ حيث أُحِلتُ إلى المعاش، وكنت وكيلاً أول لوزارة التعمير بجهاز التدريب للتشييد والبناء ومركز تدريب مدينة الطور والمركز المتنقل فوق الجبل، وقبل أن تصل إلى مدينة الطور بـ20 كم هناك سهم يُرشد جهة اليسار إلى وادي فيران.

 

صعدنا بالسيارة البيجو (king roads) والسائق عيد، وأنا وهو بالملابس الصيفية الطويلة؛ حيث الحر، وهو مثلي نحيف.. صعدنا إلى وادي الراحة (الوادي المقدس طوى)؛ حيث كنا على ارتفاع ما يقرب من 3 آلاف متر فوق سطح البحر، والوادي حوالي 4 كم2، ويحيط به 7 جبال (الطير- موسى- عباس... إلخ)، وجبل موسى في سفحه كنيسة (سانت كاترين)، والقساوسة يتحكمون في الدير وما حوله، وهناك في وادي الراحة 3 استراحات؛ أعظمهم وأجلهم شأنًا استراحة الرئيس السادات، وحينما كان يريد أن يصفوَ إلى داخله في استراحته بـ"البايب" يقول إنه في (الوادي المقدس طوى)؛ حيث الصمت الرهيب، واستراحة أخرى لعلماء البيئة تتلوها في المرتبة، أما استراحة التعمير التي تخصني ففي المرتبة الأخيرة في التجهيز.

 

ترى وأنت في الوادي (عند غروب الشمس) البحر المسجور كأنه لجَّة من النار؛ مصداقاً لقوله تعالى في سورة الطور: (وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (6)) (الطور) كأنه سُجِّر.

 

والتسجير: إيقاد نار، لا سيما أثناء الشروق؛ فالله- سبحانه وتعالى- خالق كل شيء موزون؛ فالماء بعنصرَيه ذرتان من الهيدروجين وذرة أكسجين H2O، وهذا هو الاتزان، أما إذا أراد الله أن تقوم القيامة، وأمره بين الكاف والنون؛ حيث لا زمانَ ولا مكانَ عند الله؛ فخَلَق الزمان والمكان بـ"كن" فكان، فإذا تفجَّرت البحار اختل التوازن ويتحوَّل تكوين الماء إلى "H2O2" (الماء الثقيل).

 

وفي الاستراحة كان هناك خمسة وعشرون من مديري ومدربي مراكز التدريب بالجمهورية في دورة "سيمينار"، وكان الجو قارس البرودة، خاصةً أننا فوق مستوى سطح البحر بحوالي ثلاثة كيلو مترات، وتتراوح درجة الحرارة العادية في مدينة الطور من 18 إلى 25 درجة مئوية، وبالحساب الفلكي كلما ارتفعنا 150 مترًا فوق سطح البحر انخفضت الحرارة بمعدل درجة، أي حوالي 18 درجة بالسالب، وبالتالي وصلت درجة الحرارة إلى الصفر؛ حيث إن نقطة المياه تنزل من الصنبور مجمَّدة في كاترين في سفح الجبل.

 

وأخبرني أحد الموجودين بالاستراحة بأنني إن لم أصعد إلى جبل موسى فكأنني ما صعدت إلى وادي الراحة؛ حيث مكان المناداة لسيدنا موسى، واتفقنا على الصعود؛ حيث يوجد فرصتان للصعود لا ثالثَ لهما؛ أحدهما بعد الغروب، والثانية في الثانية صباحًا؛ حيث يستحيل الصعود بالنهار لحدوث الدوار؛ فالجبل يبدو وكأنه واقفٌ كمسلةٍ فرعونية أو كمأذنة؛ فطريق الصعود ضيق دون سلالم، وهو حلزوني حتى القمة.

 

و"إسرائيل" (أبناء صهيون) ينظِّمون رحلات ترانزيت عن طريقهم لتصوير لحظة شروق الشمس من فوق جبل موسى، وهي من أروع ما سُجَّلت ورأيتُ بكاميرتي؛ فهي فتنةٌ.. سبحان الله.

 

ولشدة البرودة لم يستطع أحد من الخمسة والعشرين مرافقتي إلا السائق عيد؛ حيث قد عزمتُ وتوكلتُ على الله واخترقتُ حاجز الخوف: (ادْخُلُوا عَلَيْهِمْ الْبَابَ) (المائدة: من الآية 23)؛ فإن أول خطوةٍ هي أهم خطوة في أي مشروع (فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ) (المائدة: من الآية 23).

 

وفي طريقنا إلى الدير شاهدنا اثنين من الدنمارك متجهَين للصعود، فاصطحبتهما معي في السيارة، وخاصةً أنهم ذوو بنية قوية ومجهزون بملابس خاصة لصعود الجبال، أما نحن فحملنا معنا بطاطين كثيرة اتقاءَ البرد؛ أحدهما في الأمام يجرنا للأعلى، والآخر مصدًّا خشيةَ الوقوع، فكلما صعدنا فيه قلَّ الغبار وأصبحت النجوم أقرب إلينا منالاً رغم بعدها الشاسع؛ الأمر الذي جعل السائق عيد يحسب أنه يستطيع ضمها إليه، فارتعد وقال: (يا بيه.. وصلنا لربنا يا بيه)، فرددتُ عليه قائلاً: (لسه يا عيد).

 

وظل الأمر كذلك في الصعود حتى وصلنا إلى خَور- وهو شق ضيق في الجبل لا بد من عبوره لنتجه عكس الصعود- فتردَّدت أمام الخَور خشية أن ينطبق عليَّ، مع أنه هكذا منذ خلقه الله؛ فالخوف فطرةٌ فينا لا يمكن تبديدها، ولكن يمكن ترشيدها؛ فلقد خاف من قبل فُتوة الأنبياء أولي العزم سيدنا موسى (وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (14)) (الشعراء) (فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ) (القصص: من الآية 21).. ولكن مما نخاف؟! (إِنَّمَا ذَلِكُمْ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِي إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (175)) (آل عمران).

 

وبوصولنا قمة الجبل، وهي عبارة عن صخرة سوداء ملساء نصفها محدَّب والآخر مقعّر، (وهي في مساحتها كمساحة أربعة شقق كبيرة مما نسكنها)، وفي النصف المقعَّر كنيسة مسوَّرة مغلَّقة الأبواب؛ حيث يتحكَّم فيها قساوسة كاترين، وأما المسجد فهو كحجرة مستطيلة؛ بابه على يمين الصاعد، ونافذته على الصخرة من الداخل، وعند بلوغ القمة إذ بريحٍ صرصرٍ عاتية تهبُّ علينا من كلِّ الاتجاهات وتكاد تقتلعنا، وإذا بأصواتٍ بشريةٍ تنبعث من باب المسجد فصحنا بأصواتٍ عالية وأيدينا تضرب على الباب ولسان حالنا يقول: "سنهلك.. أنقذونا.. افتحوا الأبواب OPEN the door" وهم يحاولون فتح الباب ولكن لا يستطيعون؛ فهم بالداخل طبقات تعلو طبقات من الآدميين (طبقات كبرى) خشية الموت المنتظر في الخارج؛ إذ لا يمكن لفوج الغروب أن يظل فوق القمة حتى الشروق؛ فلا بد من دخوله المسجد.

 

وآن ذاك حلَّ وقت أذان الفجر، فأذَّنت للصلاة أذانًا له مذاق خاص لم أؤذنِّه من قبل، فأقمت الصلاة بعيد محمَّلين بالبطاطين والدنماركيان يجلسان على البطاطين لتثبيتها.

 

بدأ التجلي حينما كبَّرت تكبيرة الإحرام؛ فليس هناك جبل أو عليٌّ (أنا) أو أي شيء في الوجود لا ريح صرصر عاتية، حتى عيد والدنماركيان سوى كلام الله- القرآن الكريم- يخرج بميكرفون من فيِّ إلى أُذنيَّ، فقرأتُ ما شاء الله لي أن أقرأ، وعند تمام الصلاة وبعد التسليمة الأولى رَجعتُ إلى ما كنت فيه (رجعت ريمة لعادتها القديمة): رياح صرصر عاتية، وإذا بالمشهد قد تغيَّر؛ فكل مَن كان في الداخل ولا يستطيع الخروج جالس أمامي في خشوعٍ متبتلين ينظرون إليَّ نظرتهم إلى أمرٍ جلل؛ وذلك على إثر استماعهم للأذان والقرآن.

 

فكلام الله روح (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا) (الشورى: من 52)؛ فهو روح (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ) (الشعراء: 193) في روح الإنسان (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي) (ص: من الآية 72) فروحٌ نزل به الروح؛ فهو روح يخاطب الروح، فلا يشترط لغة؛ لأنه (للناس كافة)، وهذا هو اليسر للدعاة (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (17)) (القمر).

 

ولقد قال الإمام الشهيد ما معناه: "إنكم تسترون القدرة وتأخذون الأجرة" أي (قُمْ فَأَنذِرْ (2)) (المدثر)، (إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ الْبَلاغُ) (الشورى: من الآية 48)، (إِنْ أَنْتَ إِلاَّ نَذِيرٌ (23)) (فاطر)، (لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ) (البقرة: من الآية 272)، (فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ) (فاطر: من الآية 8)، (أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) (يونس: من الآية 99)، (إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ) (فاطر: من الآية 22)، (فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) (فاطر: من الآية 8)، (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلاً) (آل عمران: من الآية 145).

 

فالمهم أن ندعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة كما قال لقمان لابنه وهو يعظه (يَا بُنَيَّ أَقِمْ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنْ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ (17)ِ) (لقمان)؛ كما أنه نور (قَدْ جَاءَكُمْ مِنْ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ) (المائدة: من الآية 15)، فالنور هو الرسول والكتاب هو القرآن (فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ) (الأعراف: من الآية 175) وهو القرآن، فالنور لا سَدّ ولا حَدّ ولا قيد أمامه.

 

فتأثَّر مَن بداخل المسجد من غير المسلمين؛ ومن هنا يتجلى يسر النور والروح الذي يحمله الداعية (القرآن الكريم)، فوعاؤه اللسان العربي المبين غير ذي عوجٍ وهي لغة أهل الجنة.

 

مَن الذي بنى المسجد فوق جبل موسى؟

قصَّ عليَّ المهندس عبد الحميد الطودي- حيث كان نائبًا لوزير التعمير وكان رئيسًا لي- حينما قصصتُ له قصتي هذه فوق جبل موسى قال لي: "حينما كنتُ أنا والسادات والوزير الكفراوي في الهليكوبتر لم نرَ ما رأيته مع أننا طفنا فوق جبل موسى"، فقلت له: "هو سيادتك عايز تشوف ما رأيته وأنت في راحةٍ تامةٍ مع الريس وفي التكييف.."، ثم قال لي: "أتدري مَن الذي بنى المسجد فوق جبل موسى؟ لقد صعد الإمام الشهيد (رحمه الله) فوق جبل الطور فأومأ بعينيه لإخوان السويس "عفاريت سليمان"؛ حيث كان يقصد بتلك الإماءة (أين أنتم) ففهموها عفاريت سليمان، فبنوا المسجد.

 

(وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ) (الأنعام: من الآية125) فكلما صعدنا فوق الجبل يقل الأكسجين لأن كل 150 مترًا لأعلى "مينس" درجة ويقل الأكسجين فيضيق الصدر فتكون النتيجة أن تحتاج إلى كميةٍ أكثر من الأكسجين فيصير هناك شيئان متضادان اللهث والبرد.

 

وهكذا حدث للعبد الفقير التجلي في مكان التجلي (فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا) (الأعراف: من الآية 143).

 

درنكة دير العذراء

وأثناء زيارتي الأخير لأسيوط في 9 مارس الحالي كعادتي وكدارس لتاريخ الفنون وحبي لأن أرى واقع المقابر والآثار سألت عن الآثار في أسيوط فقيل لي إنها في المغارات عالية جدًّا في درنكة دير العذراء، وهي بجوار المغارات التي يحتمي ويهرب فيها الأشقياء والمطاريد في الجبل المحيط بأسيوط ووصلنا إلى رؤية المغارات بما فيها الدير، فطلبت أن أزور الدير وكنا في عربية مرسيدس فخمة وصاحبها دكتور ومرافق آخر ضخم الجثة، فيبدو كالحارس الخاص لي (بودي جارد)، وفتحت لنا الأبواب وطريق مسفلت ومرتفع إلى أعلى بميول شديد، وفي طريقنا إلى قرب المغارة استوقفني قسيس مسئول عن نظافة الدير وعمال النظافة شبان متخلفون عقليًّا يقومون بأداء الوظيفة من أكل وشرب والإيواء فطلبت منهم بأن سحبت القسيس من يده الدخول في أول كنيسة على اليسار فأخبرني بأنه أغلقها وسيذهب لإحضار المفتاح فقلت له (الكنيسة مفتوحة) فذهب فوجدها مفتوحة وأغلقها فظل معي حتى جاء وفد ألماني، وكان الأب الكبير قد جاء وكنا قد وصلنا إلى منطقة لم يصل إليها أحد من قبل فتعجب القسيس من الهيئة التي ظهرت عليها لاسيما، وأني تحدثتُ بالألمانية مع الألمان، بالإضافةِ إلى أن أحد زوار الكنيسة وابنته التقيا بالمهندس صاحب المرسيدس وكانا في المدرسة في عهدٍ مضى سويًا فحدث بين النصراني والمسلم لقاء عجيب، خاصةً أنه منذ حوالي 15 عامًا وهو يريد أن يقابله، خاصةً أن الزائر شخصية طاف بلاد العالم، وأطلعني على جواز سفره.

 

كانت ابنته تتعبَّد داخل الدير، وتمَّ هذا اللقاء أمام القسيس الكبير فسأل الموجودين عن شخصيتي وقال (مَن هذا حتى كنا نقوم بواجبنا نحوه) فسألت القسيس أن يُقدِّر لي من العمر فقال لي: كم أبلغ أنا؟ فقلت له قولي أولاً وسأخبرك فقال: 70 عامًا.. فقلتُ هي سنك أنت، وكان فعلاً هو 70 عامًا، فقلت له: أبلغ الثمانين عامًا، ففغر فاه فقلت له قل (ما شاء الله) فظل يقول (ما شاء الله ما شاء الله ما شاء الله)، ثم قال نحن كويسين مع بعضنا خالص، وها أنت رأيت كيف يتقابل المسيحي مع المسلم.

 

ثم انتقلنا إلى الداخل، وهنا الإخراج الفني الرائع؛ كهوف العشاء الأخير وغيرها من اللوحات التي تُمثل العذراء والمسيح إلى آخر تلك الطقوس الدينية، وهي تُبهر البصر ويخيل إليك أنها مجسمة، وأخبرت القسيس بأن صورةَ العذراء ظهرت عندنا في الزيتون وكانت تبدو في سماء القاهرة وتختفي كما أرى أمامي الآن، والسرُّ أنَّ أشعةَ الليزر ثلاثية الأبعاد فيُخيل إلى العين أنها مجسمة، وصدق الله إذا قال: (يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى) (طه: من الآية 66).

 

وصلى الله على جميع الأنبياء والمرسلين، فكلهم من الله مرسلون بالحق المبين، والحمد لله رب العالمين.