روى مسلم عن جابر- رضي الله عنه-: خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة، فأبطأ بي جملي وأعيا فلا يكاد يسير، ومرَّ بي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فضربه ودعاه، فمشى مشيةً ما مشى مثلها قبل ذلك.
وقال رسول صلى الله عليه وسلم لجابر- وكان يعلم أنه يمر بأزمةٍ مالية- "بِعْنِي جَمَلَكَ يا جابر"، قال: هو لك هِبَةٌ يا رسول الله، قال: "لا، بأوقيةٍ من ذهب"، وكان الجمل لا يساوي نصف أوقية، قال جابر: لا، بل أَهِبُهُ لك يا رسول الله، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "لا، أشتريه منك بأوقية"، قال جابر: على أن يحملني إلى أهلي بالمدينة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وعلى أن أدفع الثمن بالمدينة".
ولما رجعا إلى المدينة قال لبلال: "أعطه أوقية وزده"، فأعطاه أوقية وقيراطًا، فلمَّا ربط الجمل وانصرف، ناداه: "يا جابر!" فقال: لبيك يا رسول الله، قال: "خُذْ جَمَلَكَ هبةً مني"، ولما أخبر جابر يهوديًّا بذلك ضرب كفًّا على كف وقال: اشترى منك البعير.. ودفع إليك الثمن.. ثم وهبه لك؟! قلت: نعم.
محمدٌّ سـيدُ الكــونينِ والثقَلَـيْن والفريقـين مِن عُـربٍ ومِن عَجَـمِ
نبِيُّنَـا الآمِرُ النَّــاهِي فلا أَحَــدٌ أبَـرُّ في قَـولِ ( لا) منـه ولا (نَعَمِ)
دَعَـا إلى اللهِ فالمُسـتَمسِـكُون بِـهِ مُستَمسِـكُونَ بِحبـلٍ غيرِ مُنفَصِمِ
فــاقَ النَّبيينَ في خَلْـقٍ وفي خُلُـقٍ ولم يُـدَانُوهُ في عِلــمٍ ولا كَـرَمِ
وكُــلُّهُم مِن رسـولِ اللهِ مُلتَمِـسٌ غَرْفَا مِنَ البحرِ أو رَشفًَا مِنَ الدِّيَـمِ
كثيرًا ما يعجب الغربيون من حُبنا وتقديرنا واتباعنا لنبينا محمد- صلى الله عليه وسلم-، ويتساءلون لماذا يدخل محمد صلى الله عليه وسلم في حياةِ الإنسان اليومية إلى هذه الدرجة؛ حيث يذكر اسمه كل يوم عشرات المرات في الأذان والإقامة والصلوات، بل والصلاة عليه كلما ذُكر اسمه، والترغيب في الصلاة عليه وخاصة ًيوم الجمعة؟ وماذا فعل محمد- صلى الله عليه وسلم- حتى يظل إلى هذه الفترة يعيش مع الأجيال المتجددة يحتفلون كل عامٍ بمولده ومعراجه وهجرته وغزواته؟.. إلخ.
ونقول: إننا نعرف أشخاصًا كثيرين، عاشوا في الحياة فتراتٍ من الزمن تطول أو تقصر، وتركوا لنا أعمالاً ضخمةً، سواء كانت مؤلفات أو نظريات أو إسهامات في الحضارة الإنسانية بوجهٍ عام، إلا أنهم تحولوا مع مرور الزمن إلى فسيفساء جميلة تزين جدار التاريخ، أو إلى أساطير مدونة في الكتب التاريخية، مثل الإسكندر وسقراط وأفلاطون ونابليون وغاليلو وكوبرنيك ونيوتن وإديسون وانشتاين، وغيرهم من العلماء والمخترعين والملوك والفاتحين.
الإنسان الوحيد
يقول الكاتب الأمريكي مايكل هارت- مؤلف كتاب (الخالدون مائة أعظمهم محمد رسول الله): "لقد اخترتُ محمدًا صلى الله عليه وسلم في أول هذه القائمة، ولا بد أن يندهش كثيرون لهذا الاختيار ومعهم حق في ذلك، ولكن محمدًا- صلى الله عليه وسلم- هو الإنسان الوحيد في التاريخ الذي نجح نجاحًا مطلقًا على المستوى الديني والدنيوي، وهو قد دعا إلى الإسلام ونشره كواحدٍ من أعظم الديانات، وأصبح قائدًا سياسيًّا وعسكريًّا ودينيًّا، وبعد ثلاثة عشر قرنًا من وفاته فإنَّ أثر محمد- صلى الله عليه وسلم- لا يزال قويًّا متجددًا" (مايكل هارت، الخالدون مائة، ص 33).
إنَّ سيرته- صلى الله عليه وسلم- ترسم لنا ملامح شخصيته الإنسانية، التي تظل يهتدي بهداها الناس جميعًا من عُربٍ ومن عجم، والتي كان موقفه مع جابر بن عبد الله رضي الله عنه واحدًا منها.
لقد كان جابر- رضي الله عنه- جنديًّا في الجيش المسلم، وكان الرسول- صلى الله عليه وسلم- هو القائد الحكيم لهذا الجيش، ولقد قرر جابر- رضي الله عنه- أن يشترك في الغزوة استجابةً لله ورسوله، رغم بُعد الشُقَّة، وقلة الزاد، ووحشة الطريق، وإنه ليرتحل ببعيره الهزيل في سفرٍ طويل، فوجد الرسول- صلى الله عليه وسلم- يقف إلى جانبه عن طريق خطةٍ لها هدف معلوم:
أما الهدف: فهو أن يحصل جابر على قدرٍ من المال يعف به نفسه وأهله.
وأما الخطة: أن يتم ذلك بطريقةٍ لا تجرح كرامته.
بل إنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا- وهو الذي أُرسل رحمةً للعالمين- درسًا في الرفقِ بالحيوان حين لا يصب غضبه عليه ليمضي على الطريق، إذْ إنه يضبط نوازعه داعيًا له بالعافية دعاء مَن يلتمس العذر حتى للحيوان، فيندفع إلى أمام.
تنفيذ الخطة
ومن الرفق بالحيوان إلى الرفق بالإنسان على نحو يؤكد دائمًا أنه حقًّا: الرحمة المهداة، ومن هنا كان لا بد من عملية بيع وشراء تأخذ حدودها وشرائطها، تُتوج في النهاية بثمن مناسب يظفر به جابر، حقًّا معلومًا له، بلا منٍّ أو أذى:
* إيجاب وقبول، تمَّ بعد محاورةٍ بين الاثنين.
* لم يحدد الرسول الثمن ابتداءً، ولم يفرضه.
* بعد أن وافق جابر حدد الرسول الثمن.
* يشترط جابر- من موطن العزة- ألا يُسلِّم الصفقة إلا في المدينة.
* وبالمقابل، يرجئ الرسول تسليم الثمن أيضًا ليتم في المدينة.
وهكذا تواجهنا عملية بيع وشراء لا غبارَ عليها، وينجح القائد الحكيم في تنفيذ الخطة المرسومة المبقية على كرامة الجندي الذاهب إلى المعركة، وحين قال الرسول لبلال: "أعطه أوقية.. وزده"، فإنَّ ذلك يعني أولاً: أن الزيادة تتم في ظلٍّ من الصفقةِ يُراد بها تحسين وضعه الاقتصادي، بحيث لا يشم منها عندئذٍ رائحة الصدقة!.
ويعني ثانيًا: أن الرسول- صلى الله عليه وسلم- كان يملك أوقيةً وزيادة، وكان يعلم أن جابرًا في حاجةٍ إلى المال، فلماذا لم يهبه الأوقية ابتداءً، ولا داعي لهذا البيع الذي بدا صوريًّا؟!!.
إنَّ الرسولَ- صلى الله عليه وسلم- يتيح للرجل أن يظل محتفظًا بكرامته، فلا يدفع إليه المال ابتداءً حتى لا يخدش حياءه، وإذا جاءه المال فمَن عرق جبينه، ومن أشرف مصادره وهو عمله، لا منةً من أحد، وتلك هي التربية الاستقلالية المحمدية التي صار بها جابر وأمثاله رجالاً.
وتأخذ البهجة على قلب جابر أقطاره فيخبر يهوديًّا قابله بما حدث! فماذا قال اليهودي؟
لو أنَّ جابرًا- رضي الله عنه- قابل في الطريق أبا بكر مثلاً وأخبره بما حدث لما كان هناك داعٍ للتعجب؛ لأن هذا مَعْدِنُ الرسول في نظره، والشيء من معدنه لا يُستغرب، ولكن اليهودي يتعجب من ذلك ويضرب كفًّا بكف؛ لأن المفروض في منطقه أن يستغل القائد موقعه ليأخذ البعير اغتصابًا، أما ما حدث فهو شيء ما سمع به في آبائه الأولين. (راجع: محمود محمد عمارة، ثمرات من مواسم الخير).
دَع مــا ادَّعَتهُ النصارى في نَبِيِّهِـم واحكُم بما شئتَ مَدحًا فيه واحتَكِـمِ
وانسُبْ إلى ذاتِهِ ما شـئتَ مِن شَـرَفٍ وانسُب إلى قَدْرِهِ ما شئتَ مِن عِظَـمِ
فَــإنَّ فَضلَ رســولِ اللهِ ليـس له حَـدٌّ فَيُعـرِبَ عنـهُ نــاطِقٌ بِفَمِ
لو نـاسَـبَتْ قَـدْرَهُ آيـاتُهُ عِظَمًـا أحيـا اسمُهُ حين يُـدعَى دارِسَ الرِّمَمِ
شهادات منصفة
إنَّ المرءَ ليعجب حينما يسمع ويرى التهجم على نبي الإنسانية من ثلةٍ من الغربيين قليلة المعرفة جاهلة بالقيم، ولكن الحق ينطق على لسان المنصفين وبعض المثقفين منهم، ليس كل الغربيين من المتعصبين ضد الإسلام ورسول الإنسانية، بل إنَّ نفرًا من مثقفيهم وكتابهم الكبار الذين نظروا بعين الإنصاف عرفوا قدر الإسلام وأشادوا بصفات الرسول الأكرم ودافعوا عنه بنزاهةٍ وموضوعية، واعترفوا أن الرسول محمدًا- صلى الله عليه وسلم- جاء بالرسالة العظمية لقيادة البشرية نحو الخير والحق.
يقول ديوان شاندشارمة باحث هندوسي: "كان محمد صلى الله عليه وسلم الرأفة والطيبة بعينيها، والذين من حوله كانوا يشعرون بتأثيره ولم ينسوه أبدًا". (كتابه: رسل الشرق، ط 1935، ص122).
ويقول: جورج برنارد شو: "لقد درست الرجل الرائع، وفي رأيي أنه يجب أن يدعى "منقذ البشرية"؛ فهو بعيد كل البعد من أن يدعى ضد المسيح". (الإسلام الصادق، ج1).
ويقول: بانديت جياناندرا فيلسوف هندوسي: "إن نقاد "محمد" صلى الله عليه وسلم يرون النار بدلاً من الضوء، والقبح بدلاً من الحسن، إنهم يشوهون ويصورون كل صفة جيدة كأنها رذيلة عظيمة.. إنَّ هذا يعكس فسادهم الشخصي، إن النقاد الذين تكسوهم الغشاوة لا يستطيعون أن يروا أن السيف الوحيد الذي استخدمه "محمد" كان سيف الرحمة والشفقة، والصداقة والمغفرة، إنه السيف الذي يقهر الأعداء ويطهر قلوبهم، إنَّ سيفه كان أكثر حدة من السيف المصنوع من الصلب".
ويقول فيليب حتي مؤرخ العرب والحضارة الإسلامية: "إذا نحن نظرنا إلى محمد صلى الله عليه وسلم من خلال الأعمال التي حققها، فإن محمدًا الرجل والمعلم والخطيب ورجل الدولة والمجاهد يبدو لنا بكل وضوحٍ واحدًا من أقدر الرجال في جميع أحقاب التاريخ، لقد نشر دينًا هو الإسلام، وأسس دولة هي الخلافة، ووضع أساس حضارة هي الحضارة العربية الإسلامية، وأقام أمة هي الأمة العربية، وهو لا يزال إلى اليوم قوة حية فعالة في حياة الملايين من البشر" (الإسلام منهج حياة، ص 19- 20).
ويقول ول ديورانت الفيلسوف والمؤرخ الأمريكي: "إذا ما حكمنا على العظمة بما كان للعظيم من أثرٍ في الناس قلنا إن محمدًا صلى الله عليه وسلم كان من أعظم عظماءِ التاريخ، فلقد أخذ على نفسه أن يرفع المستوى الروحي والأخلاقي لشعبٍ ألقت به في دياجير الهمجية حرارة الجو وجدب الصحراء، وقد نجح في تحقيق هذا الغرض نجاحًا لم يدانه فيه أي مصلح آخر في التاريخ كله، وقلّ أن نجد إنسانًا غيره حقق ما كان يحلم به. لقد كانت بلاد العربي لما بدأ الدعوة صحراء جدباء، تسكنها قبائل من عبدة الأوثان قليل عددها، متفرقة كلمتها، وكانت عند وفاته أمة موحدة متماسكة، وقد كبح جماح التعصب والخرافات، وأقام فوق اليهودية والمسيحية ودين بلاده القديم دينًا سهلاً واضحًا قويًَّا، وصرحًا خلقيًّا وقوامه البسالة والعزة القومية، واستطاع في جيل واحد أن ينتصر في مائة معركة، وفي قرن واحد أن ينشئ دولةً عظيمةً، وأن يبقى إلى يومنا هذا قوة ذات خطر عظيم في نصف العالم" (قصة الحضارة، 13/ 21- 22).
أما عملاق الأدب الروسي والمصلح الاجتماعي والمفكر الأخلاقي: ليو تولستوي، والذي يعده البعض أعظم الروائيين على الإطلاق، فله كتاب عن الرسول صلى الله عليه وسلم موسوم تحت عنوان "حِكَم النبي محمد" يقول فيه: "ومما لا ريب فيه أن النبي محمدًا كان من عظماء الرجال المصلحين الذين خدموا المجتمع الإنساني خدمةً جليلةً، ويكفيه فخرًا أنه هدى أمة بأكملها إلى نور الحق، وجعلها تجنح إلى السكينة والسلام، وتؤثر عيشة الزهد، ومنعها من سفك الدماء وتقديم الضحايا البشرية، وفتح لها طريق الرقي والمدنية، وهذا عمل عظيم لا يقوم به شخص مهما أوتي من قوة، ورجل مثل هذا جدير بالاحترام والإجلال".
مقياس العظمة
إن ما ينبغي أن يعرفه الغرب عنه صلى الله عليه وسلم هي هذه الجوانب الإنسانية التي تمتلئ بها كتب السِّير والتاريخ الإسلامي، حتى يروا الصورة المشرقة للرسول صلى الله عليه وسلم والتي رآها بعضهم فلم يستطيعوا إلا أن يحنوا هاماتهم عرفانًا وقبولاً لسيرة لم يعرف التاريخ لها مشابهًا ولا نظيرًا.
فإن كانت العظمة بالتبريز في أساليب السياسة، فإن نبينا صلى الله عليه وسلم هو السياسي الذي لم يخطئه التوفيق في موقف من مواقفه مع الصدق والمناصحة، والبعد عن المخادعة والنفاق.
وإن كانت بالمهارة في قيادة الجيوش وإحراز أعظم النصر بأقل التضحيات، فهذا شأنه صلى الله عليه وسلم في كل غزوة من غزواته أو سرية من سرايا جيشه المظفر.
وإن كانت بقوة التأثير، فإن تأثير النبي- صلى الله عليه وسلم- في أصحابه لم ير التاريخ مثله في وقت من أوقاته أو صفحة من صفحاته، وما رأت الدنيا جماعةً من الجماعات سارت على هدي نبيها، واتبعت سنة قائدها كتلك الجماعة المؤمنة المخلصة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
وإنك لتقرأ كتاب العظمة فترى عظمة محمد- صلى الله عليه وسلم- أوضح سطوره وأروع معانيه، فليعتز المسلمون بذلك، وليكن لهم في نبيهم العظيم أسوة حسنة" (من كلام الإمام البنا- رحمه الله- سلسلة من تراث الإمام البنا، مقالات المناسبات للأستاذ جمعة أمين وآخرين).
وصدق الدكتور عبد الرحمن العشماوي، إذ يقول:
أنتَ للرحمـةِ كَنْـزُ أنتَ للأخلاقِ رَمْزُ
أنتَ علَّمْتَ البـرايا أنَّ تقوى اللهِ عِـزُّ
أنتَ أَسْمَى من عَدُوٍّ همُّه غَمْـزٌ ولَمْـزُ
دائمًا أنتَ بقلبي..
رَفَـعَ اللهُ المقـامـا حينمـا صِرْتَ إماما
حينمـا أَحْيَيْـتَ فينا منهجًا يرعى الأَنـاما
عاجزٌ عن وصفِ حبي لك يا مَنْ يتسـامى
غير أنِّي سـوف أبقى رافعـًا بالحبِّ هَـامَا
أنـتَ عَبْدُ اللهِ تبقى خَيْرَ مَنْ صلَّى وصاما
إنـني أُهـديك حُبًّا وصـلاةً وسـلامًـا
دائمًا أنتَ بقلبي..
------------------------------------
* رئيس مركز التفكير الإبداعي- المشرف العام على إسلام تايم