عاطف عبد الهادي

 

سبق أن ناديت قاضي محاكمة الإخوان في مثل هذا الموضع منذ شهر تقريبًا، فقلت له: سيدي القاضي ترفق.. وعنيت بالترفُّق أن يترفَّق بنفسه أولاً قبل غيره ولا يقول إلا صدقًا ولا يحكم إلا عدلاً..

 

واليوم وقد تأجَّل النطق بالحكم شهرًا أناديك سيدي نداءً آخر وليس أخيرًا قائلاً لك: سيدي القاضي لا تظلم.

 

وأحبُّ أن ألفت نظرك أيها القاضي إلى الظلم؛ شرًّا وخرابًا وبوارًا وجريمةً وعقوبةً، ذلك أن الظالم قد يُمهَل في الدنيا، لكنه أبدًا لن يفلت.. وذلك شرٌّ مكانًا وأضلُّ سبيلاً.

 

سيدي القاضي.. إليك هذه النذُر..

﴿أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ (هود: من الآية 18).

﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ (الشورى: من الآية40)

﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (42)﴾ (الشورى).

﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (102)﴾ (هود).

﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا (59)﴾ (الكهف).

﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمْ الظَّالِمِينَ (76)﴾ (الزخرف).

﴿وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ (آل عمران: من الآية 57).

﴿أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ﴾ (الشورى: من الآية 45).

﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا (148)﴾ (النساء).

﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً (27)﴾ (الفرقان).

﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (72)﴾ (مريم).

﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (117)﴾ (هود).

﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلاَّ الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ (47)﴾ (الأنعام).

 

سيدي القاضي.. تذكر هذه أيضًا..

"يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَىَ نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّماً، فَلاَ تَظَالَمُوا..".

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ "الظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"..

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لِأَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ الْيَوْمَ قَبْلَ أَنْ لَا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ"..

عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ قَالَ ثُمَّ قَرَأَ ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (102)﴾ (هود)"..

"اتقوا الظلم؛ فإن الظلم ظلمات يوم القيامة" (رواه مسلم).

"من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه من سبع أرضين" (رواه البخاري ومسلم).

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا، وكونوا عباد الله إخوانًا، المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره، التقوى ها هنا- ويشير إلى صدره ثلاث مرات- بحسب امرئٍ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه" (رواه مسلم).

 

سيدي القاضي.. ومن السلف الصالح تعلَّم..

عمر: "واتقِ دعوة المظلوم، فإن دعوة المظلوم مستجابة".

علي بن أبي طالب: "يوم المظلوم على الظالم أشد من يوم الظالم على المظلوم"، وكان يقول: "إنما أهلك من كان قبلكم أنهم منعوا الحق حتى استشرى، وبسطوا الجور حتى افتدى".

معاوية: "إني لأستحيي أن أظلم من لا يجد عليَّ ناصرًا إلا الله".

ابن مسعود: "لما كُشِفَ العذابُ عن قوم يونس عليه السلام ترادّوا المظالم بينهم، حتى كان الرجل ليقلع الحجر من أساسه فيردّه إلى صاحبه".

أحد الصالحين: "من دعا لظالم بالبقاء، فقد أحب أن يُعْصَى الله في أرضه".

أحد السلف: "ما هِبْتُ شيئًا قط هيبتي من رجل ظلمته، وأنا أعلم أن لا ناصر له إلا الله، فيقول: حسبي الله، الله بيني وبينك".

بكى عليٌّ بن الفضيل يومًا، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: أبكي على من ظلمني إذا وقف غدًا بين يدي الله تعالى ولم تكن له حجة.

ونادى رجل سليمان بن عبد الملك- وهو على المنبر-: يا سليمان اذكر يوم الأذان، فنزل سليمان من على المنبر، ودعا بالرجل، فقال له: ما يوم الأذان؟ فقال: قال الله تعالى: ﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ (الأعراف: من الآية 44).

أبو الدرداء رضي الله عنه: "إياك ودمعة اليتيم، ودعوة المظلوم، فإنها تسري بالليل والناس نيام".

مرَّ رجل برجل قد صلبه الحجاج، فقال: يا رب إن حلمك على الظالمين قد أضر بالمظلومين، فنام تلك الليلة، فرأى في منامه أن القيامة قد قامت، وكأنه قد دخل الجنة، فرأى ذلك المصلوب في أعلى عليين، وإذا منادٍ ينادي، حلمي على الظالمين أحلَّ المظلومين في أعلى عليين.

وقيل: "أظلم الناس من ظلم لغيره"؛ أي لمصلحة غيره.

وقال ابن تيمية: "إن الناس لم يتنازعوا في أن عاقبة الظلم وخيمة، وعاقبة العدل كريمة"، ويروى: "إن الله ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا ينصر الدولة الظالمة وإن كانت مؤمنة".

قال الذهبي: "الظلم يكون بأكل أموال الناس وأخذها ظلمـًا، وظلم الناس بالضرب والشتم والتعدي والاستطالة على الضعفاء"، وقد عدَّه من الكبائر، وبعد أن ذكر الآيات والأحاديث التي تتوعد الظالمين، نقل عن بعض السلف قوله: "لا تظلم الضعفاء فتكون من شرار الأقوياء".

قيل أيضًا إن الظلم ثلاثة: فظلم لا يُغفر، وظلم لا يُترك، وظلم مغفور لا يُطلب، فأما الظلم الذي لا يغفر فالشرك بالله، نعوذ بالله تعالى من الشرك، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (النساء:  من الآية 48)، وأما الظلم الذي لا يترك، فظلم العباد بعضهم بعضًا، وأما الظلم المغفور الذي لا يطلب، فظلم العبد نفسه.

 

أيها القاضي..

أعتقد أنك الآن أيقنت أن الظلم حرام، وهو في معناه وضع الشيء في غير موضعه، وقد حرمه الله على نفسه؛ مبالغةً في تحريمه على عباده وبغضه له وبغض من يقترفه..

 

فلا عليك الآن إلا أن تُعلن العودة إلى الحق والقول بالصدق والحكم بالعدل.. ولن يُقبل منك إلا كلمة واحدة، هي: "حكمت المحكمة ببراءة الإخوان المحالين، وفرض تعويض لهم جزاء ترويعهم وترويع أهليهم".. رُفعت الجلسة.

---------

alezah2000@hotmail.com