شعبان عبد الرحمن

عندما يكون "الرد" من الداخل ومن بين صفوف المهاجمين.. وعندما يكون "الشاهد" من أهلهم فإن ذلك يمثل أبلغ تعبير عن الإنصاف ورد الحق إلى أصحابه؛ ففي غمرة الحرب المستعرة على الإسلام ونبيه في الغرب.. افتراءً وتضليلاً تنطلق بين الحين والآخر ردودٌ بليغةٌ ومفحمةٌ من داخل الغرب نفسه دفاعًا عن ذلك الدين الحضاري، تلجم المترخصين ومروِّجي الأباطيل، بل وتطير صوابهم.
فقبل أكثر من شهر، تابعنا شهادة كبير أساقفة "كانتربري" بحق الشريعة الإسلامية، وخلال الأسبوع الماضي تابعنا شهادة أسقف كنيسة "أكسفورد" بحق المسلمين في الأذان عبر مكبرات الصوت، وشهادة نائبة الحزب الجمهوري بمجلس النواب الأمريكي "سالي كيرن" ضد الشذوذ.
صدرت هذه الشهادات وغيرها بحق الإسلام وقيمه من قِبَل المجتمع الغربي ومن داخل مؤسسات سياسية ودينية عتيدة، ومن أشخاص لهم قدرهم ووزنهم الثقيل داخل المجتمع الغربي.. تلك الشهادات تمثل ردًّا غير مباشر على الحملة المكثَّفة المعادية للإسلام في الغرب من المؤتمرات المناوئة والتصريحات المعادية المحرضة.
ففي غمرة انعقاد مؤتمر الأكاديمية الأمريكية بكولورادو في شهر فبراير الماضي الذي تمَّت فيه الدعوة صراحةً لتنصير المسلمين قاطبةً كوسيلة للقضاء على الإرهاب، صدرت تصريحاتُ كبير أساقفة كانتربري "د. روان ويليامز"، التي طالب فيها بتطبيق بعض مواد الشريعة الإسلامية في المجتمع البريطاني، وهو ما أقام عليه الدنيا داخل بريطانيا ولم يقعدها! (وهو ما تناولناه بالتفصيل في مقالات سابقة).
وقد احتفت آلة الإعلام الغربية والأمريكية خاصةً بالتحضير لانعقاد مؤتمر ما سمِّي بـ"الكفار المسلمين" في الفترة من 28- 30 مارس 2008م في مدينة "أتلانتا" بولاية جورجيا الأمريكية؛ حيث تم الترويج لبيان المجموعة المنظمة للمؤتمر بقيادة "أحمد صبحي منصور"، والذي صدر بعنوان: "الاحتفال بالكفر.. التفكير الناقد من أجل الإصلاح الإسلامي".
ويُعد أحمد صبحي هذا نفسه زعيم ثورة إصلاحية للإسلام، تقوم على إنكار السنة والأحاديث القدسية تمامًا، ولذلك يطلق على جماعته "القرآنيين"، ويشبه نفسه بـ"مارتن لوثر" صاحب الثورة الإصلاحية في الكنيسة وهو يتبنَّى فكرة "إصلاح الإسلام"، أو بالأحرى صناعة إسلام جديد على مزاج الصهاينة والغرب، وفرضه على المسلمين بقوة الضغوط السياسية والابتزاز الاقتصادي والتهديد العسكري، في وقتٍ بلغت فيه حالة مؤسسة الحكم في معظم البلاد الإسلامية ضعفًا غير مسبوق في تاريخها، بل إن بعضها يرحِّب بهذا الكلام حتى يتخلَّص من الإسلام وكابوس الإسلاميين!!.
وبالطبع فإن أحمد صبحي منصور يسمِّي فرقته بـ"الإصلاحيين" كما تنعتهم وسائل الإعلام الغربية بكل صفات التحضر والإبداع والشجاعة.. ولِمَ لا؟.. وهم يستهدفون نسْفَ أسس الإسلام الحنيف وإلغاء السنة المطهرة.
وتأتي هذه المؤتمرات التي أعتقد أنها لن تتوقف ضمن موجات التحريض على الإسلام والتخويف والسخرية منه والاجتراء عليه؛ بغيةَ اغتياله معنويًّا وفكريًّا، ولكن.. هيهات لهم!! فأمام كل موجة كراهية تصدر إشارة احترام من داخل الغرب، كما قلنا آنفًا؛ فهذا أسقف كنيسة أكسفورد البريطانية "جون برتشارد" يعلن تأييده لطلب من المسجد المركزي في المدينة العتيدة (يعيش بها 7 آلاف مسلم) برفع الأذان ثلاث أوقات عبر مكبرات الصوت لثلاث صلوات، هي: الظهر والعصر والمغرب فقط، بينما يظل رفع أذان صلاتيْ العشاء والفجر بدون مكبرات حرصًا على راحة النيام من أصحاب الديانات الأخرى.
وقد قال الأسقف- وهو أحد أرفع أساقفة الكنيسة البريطانية، في خطاب بثَّه على موقع الكنيسة-: "على المستوى الشخصي أشعر بالسعادة لمساعي مسجد أكسفورد المركزي بشأن رفع الأذان لحثِّ المسلمين على الصلاة.. إنه أمر طبيعي ومنطقي".
لكن ما حدث لكبير أساقفة كانتربري تكرر مع أسقف أكسفورد (61 سنة) بل وأكثر، فقد تلقَّى سيلاً من رسائل التهديد بالقتل والسباب وصفتها صحيفة "ديلي تليجراف" البريطانية على لسان الأسقف بـ"الجانب المظلم من المجتمع البريطاني".
وفي اجتماع عقد يوم الأحد 9/3/2008م في كنيسة أكسفورد قال الأسقف عن طبيعة الرسائل التي وصلته: "إن أحدهم كتب لي رسالة كرر فيها كلمة "استقل" 6 مرات بخط كبير، وطالب شخص ثانٍ بذبحي.. وثالث قال: إنه يتمنَّى لو كان يعيش قريبًا مني حتى يبصق في وجهي.."، وغنيٌّ عن البيان فقد طالب عدد كبير من سكان المدينة بعدم الاستجابة لطلب المسلمين؛ "لأن رفع الأذان عبر المكبرات فوق مدينتهم سيحوِّلها إلى جيتو للأقلية المسلمة"!!.
وما تعرَّض له أسقف أكسفورد تعرَّضت له نائبة مجلس النواب الأمريكي عن الحزب الجمهوري السيدة "سالي كيرن"؛ فقد تلقت تهديدات بالقتل أيضًا عبْرَ سيلٍ جارفٍ من الرسائل الصوتية والإلكترونية؛ احتجاجًا على تصريحها بأن: "الشذوذ الجنسي أشدُّ خطرًا على الولايات المتحدة من الإرهاب الإسلامي"، وقالت: "إن الأشخاص الذين يقعون في هذه الممارسات الشاذة أكثر عرضةً للانتحار والإحباط والأمراض من غيرهم.. وإن الدراسات أظهرت أنه لم يعمّ الشذوذ في مجتمع إلا وانتهى به الأمر إلى الزوال في غضون عقود قليلة".
والنائبة الأمريكية لم تقترف جرمًا بحق الحياة الأمريكية.. صحيح إن عدد الشواذّ يتزايد هناك، ويصل إلى نسبة 15% من السكان في بعض الولايات، لكن الرئيس الراحل "ريتشارد نيكسون" سبقها إلى التحذير من ذلك عندما قال يومًا: "إن الشواذ جنسيًّا يقوِّضون أركان المجتمع، وإن الذي أضاع الإمبراطورية الإغريقية هو الشذوذ الجنسي، والذي هدم الإمبراطورية الرومانية هو انحلال الأباطرة؛ وأمريكا تنحدر إلى المصير ذاته".
وقفت طويلاً متأملاً هؤلاء الذين ينصفون الإسلام وقيمه من غير المسلمين في تلك المؤسسات الكبرى بالغرب، راضين بما يصيبهم من أذى وعنَت وتهديد بالقتل، وسألت نفسي: ما بال أقوام بيننا ينتسبون إلى الإسلام ويُعطون الدنية، بل ويحطُّون من قدر الإسلام؟! كما تساءلت: ألا تشجِّع مواقف هؤلاء المنصفين في الغرب الساكتين عن نصرة "الحق" في بلادنا إلى رفعِ أصواتهم بكلمة "حق"؟.. أعني علماء السلطان!!.
-------
* كاتب مصري ومدير تحرير مجلة (المجتمع) الكويتية- Shaban1212@hotmail.com