نعيش هذه الأيام ذكرى مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتحمل لنا هذه الذكرى معاني وأفكارًا كثيرةً، وتربطنا توًّا وفي الحال بالمنهج الذي جاءنا به، وبالنور الذي أُنزل معه، وبالنقلة البعيدة التي نقلنا إليها، من لدن بدء الرسالة وإلى أن تقوم الساعة، ونركِّز هنا على معانٍ مهمة:

1- أن هذه الرسالة جاءتنا بالنور والضياء الحسي والمعنوي؛ أبصر المسلمون بها الكون على حقيقته، والإنسان كما خلقه الله عز وجل، مكرمًا مقيمًا للمنهج في نفسه ومجتمعه وفي العالم أجمع.. إن له قيمةً ووزنًا في هذا الكون، وخُلِقَ لرسالة عظيمة وليس كمًّا مهملاً لا وزن له، كما تصورته الفلسفاتُ القاصرةُ والأفكار الشاردة، وأبصر المسلمون كذلك الحياة وقيمتها ووزنها عند الله، وأن لها غايةً ساميةً وهدفًا نبيلاً، وليست كما صور الجاهلون "إن هي إلا أرحام تدفع وأرض تبلع"، بل هذه الحياة يعمرها الإنسان، ويبذر فيها بذرة الخير، ويجعلها موئلاً للصالحين من عباد الله.. ﴿إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (الأعراف: من الآية 128)، ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ (الأنبياء: 105).

 

رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم أخرجت البشرية من الظلمات إلى النور، من الضلالة إلى الهداية، من العمى إلى الإبصار ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ (البقرة: من الآية 257).

 

ولا غرابة إذن أن يصف القرآن الكريم ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه روحٌ من أمر الله عز وجل وأنه نورٌ لهداية البشرية، في كل زمان ومكان.. ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (الشورى: 52).

 

إذن انتسابنا لهذه الرسالة يُدخلنا في زمرة المشمولين بهذا النور، الذي يشعُّ في كل جوانب حياتنا، ويجعلنا ندرك أن لنا قيمةً في واقع هذه الحياة، وأننا من عداد هذه الأمة التي اختصَّها الله عز وجل بالخيرية الفعلية الحقيقية، لا كبرًا ولا تجبرًا، ولا علوًّا واستكبارًا، بل طاعةً لله وإخباتًا وتواضعًا.. ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ (الحج: 41)... ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (القصص: 83).

 

وعلى المؤمن الصادق الذي أنار قلبَه هذا النورُ أن يتحرك في الحياة به.. يأخذ بيد غيره، ويمدّ للجميع قارب النجاة، ويقدم لكل من يلقاه أو يتعامل معه أو يعايشه أعظم هدية وأكبر مكرمة.. ليس بالكلمات أو اللسان فقط، وإنما بواقع الحال وبحسن المعاشرة والأسوة الحسنة؛ فهذه الصفات الواقعية في الحياة هي بحق أعظم أثرًا وأقوى تأثيرًا في حياة الناس.. "حال رجل في ألف رجل أفضل من كلام ألف رجل في رجل واحد"، ولقد أثبت الواقع العملي صدقَ هذه المقولة وعمق تأثيرها في نفوس الناس.

 

2- وفي ذكرى ميلاد رسول الله صلى الله عليه وسلم نذكر أن الحياة الحقيقية إنما جاءت بها هذه الرسالة الخاتمة، فكما أن هذه الرسالة أخرجت الناس من الظلمات إلى النور فهي كذلك أخرجتهم من الموت إلى الحياة؛ أي من عداد الموتى إلى عالم الأحياء ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ (الأنعام: من الآية 122)؛ فالحياة الحقيقية هي بالإسلام والعمل لطاعة الله وإقامة منهجه وشرعه، وبتعبيد كل الناس لله رب العالمين؛ يرتضون به ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًّا ورسولاً، والحياة في منظور عقيدة الإسلام ليست هي الحياة (البيولوجية) التي من مظاهرها الأكل والشرب، والسعي في الأرض كما اتُّفِقَ والزواج والتناسل.. ليست هذه المظاهر هي الحياة الحقة؛ فهذا القدر "البيولوجي" يشترك فيه كل خلق الله؛ من بهائم وأنعام وسوائم وغيرها، وإنما يتميز الإنسان بتكريم الله له، وتفرده بخاصة العقل الذي يميِّز بين الخير والشر، بين النفع والضر، وبما أودع الله فيه من فطرة سليمة متَّجهة إلى توحيد الله عز وجل، وإفراده بالألوهية، وهذه مغروسة في روحه وقلبه ووجدانه ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا﴾ (الأعراف: من الآية 172).

 

ويصور الأستاذ سيد قطب صاحب الظلال رحمه الله وهو يعيش مع الآية ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ (الأنعام: من الآية 122) أن المسلمين كانوا قبل هذا الدين، قبل أن ينفخ الإيمان في أرواحهم فيُحييها ويطلق فيها هذه الطاقة الضخمة من الحيوية والحركة والتطلُّع والاستشراف.. كانت قلوبهم مواتًا وكانت أرواحهم ظلامًا، ثم إذا قلوبهم ينضح عليها الإيمان فتهتزّ، وإذا أرواحهم يشرق فيها النور فتضيء ويفيض منها النور فتمشي به في الناس؛ تهدي الضالّ، وتلتقط الشارد، وتطمئن الخائف، وتحرِّر المستعبد، وتكشف معالم الطريق للبشر وتعلن في الأرض ميلاد الإنسان الجديد، الإنسان المتحرر في الأرض، المستنير الذي خرج بعبوديته لله وحده من عبودية العبيد.

 

3- ونذكر ونحن نعيش ذكرى مولده صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد صبر على مشاق الطريق ومتاعب الدعوة، وأن الله خاطبه ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ (الأحقاف: من الآية 35)، وأنه صلى الله عليه وسلم قد هيَّأه الله لهذه الرسالة وحملها الحمل الأمين الرفيق الواثق؛ فكلفه سبحانه بقيام الليل، سواءٌ نصفه أو أكثر من ذلك أو أقل.. لماذا؟ ليتحمَّل بعد ذلك التكاليف والأعباء وأثقال المسئوليات، وهكذا.. كل من سار على طريق الله يجب أن يتزوَّد بزاد التقوى ونقاء النفس والروح، والوقوف بين يدي الله عز و جل ما شاء له أن يقف في ركعات والناس نيام، يناجي فيها الله عز وجل، ويكون مشدودًا إلى حبل الله المتين، الذي لا يُضيع أجر المحسنين، ولا يخيِّب رجاء الراجين؛ ولذلك نجد الله عز وجل في سورة المزمل بعد أن أوضح سبيل الصفاء والنقاء الروحي والإعداد الرباني لحمل الرسالة.. أوضح العلة في ذلك ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً﴾ (المزمل: 5)، وطلب منه صلى الله عليه وسلم بعد ذلك الإعداد الصبر ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً﴾ (المزمل: 10).

 

ونحن نسير على طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم، واخترنا أن يكون زعيمًا لنا وأسوةً وقدوةً؛ بمعنى أن نسير سيره، ونلتزم أمره، ونحب ما يحب، ونبغض ما يبغضه.. ندور مع منهجه ورسالته حيت دار، نحبه كما أحبه صحابته والمسلمون في كل زمان ومكان، ونطيعه في البأساء والضراء، في العسر واليسر، نحبه أكثر من حبنا لأنفسنا وأبنائنا ومن الناس أجمعين، وأن يكون هوانا وفكرنا وعقولنا تبعًا لما جاء به صلى الله عليه وسلم.

 

ونقف قليلاً أمام صبره صلى الله عليه وسلم فقد صبر على الأذى والجحود ونكران الجميل، وهو أذى ماديٌّ، فتمثَّل في النَّيل منه برمي القاذورات وفضلات الذبائح عليه وهو ساجد، وأذى معنوي؛ حيث رموه بالكذب والجنوب والكهانة والهرطقة وغير ذلك!!.

 

وكأنه صلى الله عليه وسلم يوضح لنا أن هذه الإيذاءات كلها أو بعضها سوف تعترض طريق من يسير على خطاه ويتبع سبيله، وما أشبه الليلة بالبارحة!! فالإخوان قد واجهوا محنًا شديدةً منذ عام 1948، مرورًا بأعوام 1954- 1965- 1981- 1995م، وتخللت هذه المحن الشديدة فترات كثيرة من الاعتقالات والاتهامات والمحاكمات، وما زالوا يواجهون هذا العنُّت وهذه القسوة من أصحاب السلطان حتى الآن، وآخر هذه الشدائد الاعتقالات الواسعة على خلفية دخول انتخابات المحليات المزعومة، ثم ما ينتظره إخوة أعزاء لنا من إعلان الأحكام في القضية العسكرية في هذا الأسبوع؛ حيث تمت محاكمة أربعين من كرام الإخوان معظمهم من رجال الأعمال الشرفاء وأساتذة الجامعات البارزين، ومن مختلف المهن والوظائف المرموقة.

 

وكلمة أوجهها للإخوان جميعًا ولأهل إخواننا المنتظرين إعلان الأحكام وأولادهم وزوجاتهم. نقول لهم: إن إخواننا وراء الأسوار في معية الله وقد استودعناهم الله الذي لا تضيع عنده الودائع، وهو الذي يدفع ويدافع عنهم، ويرد عنهم الكيد والمكر والسوء، ولن يصيبهم إلا ما يقضي الله به، ونحن وإن كنا على ثقة تامة من براءتهم من كل ما نسب إليهم زورًا وبهتانًا.. إلا أننا كذلك لا بد أن نستقبل الأحكام أيًّا كانت بروح المؤمن المحتسب المفوِّض أمرَه إلى الله.. ﴿وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ (إبراهيم: من الآية 12)، وحسبنا الله ونعم الوكيل.